; الفاتيكان.. والإسلام «٩» شهادات تاريخية لمفكري النصارى | مجلة المجتمع

العنوان الفاتيكان.. والإسلام «٩» شهادات تاريخية لمفكري النصارى

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2007

مشاهدات 83

نشر في العدد 1752

نشر في الصفحة 36

السبت 19-مايو-2007

تنصف الإسلام وتنفي انتشاره بحد السيف

المؤرخ النصراني جاك تاجر أقباط مصر استقبلوا العرب كمحررين بعد أن ضمنوا لهم الحرية الدينية وخففوا عنهم الضرائب 

سير توماس أرنولد: ليس هناك شاهد على أن اعتناق نصارى

مصر للإسلام -على نطاق واسع- بسبب الاضطهاد.. بل إن كثيرًا من هؤلاء تحولوا للإسلام قبل فتح مصر

جورج سيل: لقد صادفت شريعة محمد ترحيبًا لا مثيل له في العالم.. وإن الذين يتخيلون انتشارها بحد السيف إنما ينخدعون انخداعًا عظيمًا

كان استقبال شعوب الشرق للفاتحين المسلمين كمحررين.. وبعبارة المؤرخ النصراني «جاك تاجر» «١٩١٨ - ١٩٥٢م»: «فإن الأقباط قد استقبلوا العرب كمحررين، بعد أن ضمن لهم العرب -عند دخولهم مصرـ الحرية الدينية، وخففوا عنهم الضرائب.. ولقد ساعدت الشريعة الإسلامية الأقباط على دخولهم الإسلام وإدماجهم في المجموعة الإسلامية، بفضل إعفائهم من الضرائب.. أما الذين ظلوا مخلصين للمسيحية، فقد يسّر لهم العرب سبل كسب العيش.. إذ وكلوا لهم أمر الإشراف على دخل الدولة» «١». 

وحتى البابا شنودة الثالث «۱۹۲۳- ...» ـ بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أكبر كنائس الشرق وأعرقها - كتب عن عدل الإسلام وسماحته، وعن عدل الخلفاء والحكام المسلمين مع غير المسلمين فقال عن عدل الراشد الثاني عمر بن الخطاب «٤٠ ق هـ - ٢٣هـ - ٥٨٤ - ٦٤٤م»:

«لقد رأينا في التاريخ الإسلامي أمثلة واضحة للسماحة الإسلامية.. نذكر منها أن الخليفة عمر بن الخطاب حينما اقترب من الموت أوصى من يأتي بعده في الخلافة من جهة أهل الكتاب بأمرين:

الأمر الأول: الوفاء بالعهود التي أعطيت لهم.

والأمر الثاني قال فيه: ولا تكلفوهم فوق ما يطيقون.

.. وحينما كان الوليد بن عقبة واليًا على بني تغلب ومن فيهم من نصارى.. ورأى عمر أن الوليد هدد هؤلاء الناس وتوعدهم، عزله من الولاية.. وهكذا كان المسلمون يسلكون في العدل بين رعاياهم، أيًا كان مذهبهم..

ولقد انتهت حياة عمر بن الخطاب على الأرض، وانتهت مدة خلافته، ولكن الخير الذي عمله لم يمت بموته إطلاقًا، وما يزال حيّا الآن يملأ الآذان ويملأ الأذهان.. ويحيا مع الناس على مدى الأزمان».

كما تحدث البابا شنودة عن سماحة الخليفة معاوية بن أبي سفيان «۲۰ ق.هـ - ٦٠ هـ - ٦٠٣- ٦٨٠م» مع غير المسلمين.. فقال:

«لقد كان طبيبه الخاص نصرانيًا.. واختار رجلًا مسيحيًا لكي يؤدب ابنه زيادًا.. وزياد هذا اختار كاهنًا مسيحيًا لكي يؤدب ابنه خالدًا.

وتحدث عن الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان«٢٦ - ٨٦هـ - ٦٤٦ - ٧٠٥م» فقال: «لقد اتخذ يوحنا الدمشقي«٥٥- ١٢٢هـ / ٦٧٥ - ٧٤٠م» مستشارًا له.. وقد اختار رجلًا معلمًا مشهورًا اسمه «أطاناسيوس» لكي يؤدب أخاه عبد العزيز.. ولما صار عبد العزيز بن

مروان حاكمًا لمصر أخذ أطاناسيوس معه كمستشار له، ونجد أن الأخطل «۱۹ - ٩٠ هـ / ٦٤٠-٧٠٨م» كان من الشعراء المسيحيين المشهورين، واندمج في مجموعة متلازمة مع جرير «۲۸ - ۱۱۰هـ - ٦٤٨ - ٧٢٨م»، والفرزدق «١١٠هـ - ۷۲۸م»، واشتهرت هذه المجموعة في العصر الأموي.. وكان الأخطل المسيحي حينما يدخل إلى مساجد المسلمين يقوم المسلمون له إجلالًا لعلمه وأدبه - كما يروي التاريخ

الإسلامي»..

كذلك يشهد البابا شنودة للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك «٧١ - ١٢٥هـ -٦٩٠ - ٧٤٣م» فيقول:

«إنه ابتنى للبطريرك في أيامه بيتًا إلى جوار قصره، وكان يستمع منه إلى صلواته وعظاته».

ويشهد كذلك للعصر العباسي فيقول: عن أبي جعفر المنصور «١٣٦ - ١٥٨هـ- ٧٥٣ - ٧٧٤م»: «إن طبيبه الخاص كان مسيحيًا اسمه «جرجس» بن بختيشوع.. وكان الخليفة هارون الرشيد «١٤٩ - ١٩٣هـ -٧٦٦-٨٠٩م» يقول للناس: من كان منكم له حاجة عندي فليكلم فيها جبرائيل، لأني لا أرد له طلبًا، وكان يوحنا مشهورًا من أيام الرشيد إلى أيام المتوكل «٢٠٦ - ٢٤٧هـ ٨٢١ - ٨٦١م».. وكان هؤلاء الخلفاء يدعونه إلى موائدهم، وما يأكلون شيئًا إلا في حضرته.. وكان حنين بن إسحق من أشهرا الأطباء في العصر الإسلامي، حتى قيل عنه إنه أبو قراط عصره، وجالينوس دهره.. 

وحنين بن إسحق هذا تعلم كذلك اللغة والفقه على يد الإمام أحمد بن حنبل «١٦٤ - ٢٤١هـ - ٧٨٠ - ٨٥٥م» وعلى يد سيبويه «١٤٨ - ١٨٠هـ - ٧٦٥ - ٧٩٦م»، ونبغ في اللغة العربية نبوغًا عظيمًا». كما شهد البابا شنودة للدولة الطولونية،

 ومؤسسها أحمد بن طولون «٢٢٠ - ٢٧٠هـ - ٨٣٥ - ٨٨٤م»: الذي كان من المحبين للأقباط كثيرًا، والذي اختار مسيحيًا لكي يبني له مسجده، واختار مسيحيًا لكي يبني القناطر، وكثيرًا من منشآته.. وكان يذهب كثيرًا الزيارة دير القصير، وكان على صلة وثيقة برهبانه هناك.. فلقد كانت الأديرة المصرية دائمًا مجالًا لالتقاء الخلفاء والولاة، وكانوا يحبونها، ويقضون فيها الكثير من الوقت، ويصادقون رهبانها وأساقفتها».

كما شهد البابا شنودة للدولة الإخشيدية ومؤسسها محمد بن طغج الإخشيد «٢٦٨ - ٣٣٤هـ - ٨٨٢ – ٩٤٦م»

«الذي كان يبني الكنائس بنفسه ويتولى ترميمها».

كما شهد للدولة الفاطمية فقال:« ولا أستطيع أن أذكر مقدار اهتمام الخلفاء الفاطميين بالكنائس وبنائها وترميمها».

ثم يختم البابا شنوده شهادته للتاريخ الإسلامي والسماحة الإسلامية، فيقول: 

«كما تولى الخلفاء والحكام إقامة الوحدة الوطنية ورعايتها...» «٢».

فهلا قرأ عظيم الفاتيكان هذه الشهادات - التاريخية.. والمعاصرة.. على هذه الحقائق.. قبل أن يفتري على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم فرية الانتشار بحد السيف؟!

 وإذا كان الرجل قد جهل هذا التراث الشرقي.. القديم.. والحديث.. والمعاصر.. فلماذا تجاهل الكتابات الغربية الحديثة التي أنصفت الفتوحات الإسلامية.. وأعلنت أن الانتشار الإسلامي إنما تم سلمًا.. بل وحتى دون وجود «مؤسسة دعوية تبشيرية» تقوم على نشر الإسلام!..

  • لقد قال «جورج سیل» 

«۱۹۹۷. ١٧٣٦م» - وهو مترجم القرآن إلى الإنجليزية: «لقد صادفت شريعة محمد ترحيبًا لا مثيل له في العالم.. وإن الذين يتخيلون أنها انتشرت بحد السيف إنما ينخدعون انخداعًا عظيمًا» «٣» . 

  • وقال العلامة «سير توماس أرنولد»: «إن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق.. إن نظرية العقيدة الإسلامية تلتزم التسامح وحرية الحياة الدينية لجميع أتباع الديانات الأخرى... «٤» .. ولقد قيل إن «جستنيان» «٤٨٣ - ٥٦٥م». ـالإمبراطور الرومانيـ أمر بقتل مائتي ألف من القبط في مدينة الإسكندرية، وأن اضطهادات خلفائه قد حملت كثيرين على الالتجاء إلى الصحراء.

وقد جلب الفتح الإسلامي إلى هؤلاء القبط.. حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها من قبل ذلك بقرن من الزمان..

ويظهر أن حالة القبط في الأيام الأولى من حكم المسلمين كانت معتدلة نوعا ما.

وليس هناك شاهد من الشواهد على أن ارتدادهم عن دينهم القديم ودخولهم في الإسلام على نطاق واسع كان راجعًا إلى اضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم الجدد.. بل لقد تحول كثير من هؤلاء القبط إلى الإسلام قبل أن يتم الفتح، حين كانت الإسكندرية حاضرة مصر وقتئذ، لا تزال تقاوم الفاتحين، وسار كثير من القبط على نهج إخوانهم بعد ذلك بسنين قليلة...»«٥»

  • بل وأثبت هذا العلامة - سير توماس أرنولد - أن المسيحية الغربية هي التي انتشرت بالسيف والعنف!!

فلقد فرض «شارلمان» «٧٤٢- ٨١٤م» التعميدات المسيحية على السكسونيين الوثنيين بحد السيف.. وفي الدانمارك استأصل الملك «كنوت» Cunt   «٩٩٥- ١٠٣٥م» الوثنية من ممتلكاته بالقوة والإرهاب.

وكذلك جماعة إخوان السيف Bretherer of the sword وغيرهم من الصليبيين، الذين أدوار سالتهم بالسيف والنار في تنصير البروسيين الوثنيين.

ولقد فرض فرسان Ordo Fra- trum Miliuechris المسيحية على شعب ليفونيا فرضًا..

 - وفي سنة ١٦٩٩م وجه «فلنتين» Valentyn إلى رجوات Rajas جزيرة أمبوينا Amboyna مرسومًا يأمرهم بإعداد طائفة معينة من الوثنيين لتعميدهم إذا ما طاف بهم راعي الكنيسة.. وربما حل الاضطهاد والتنصير الإجباري محل الدعوة الهادئة إلى «كلمة الله».

- وفي فيكن Viken «القسم الجنوبي من النرويج» كان الملك «أولاف ترايجفيسون» Olaf Traygvesson «٩٦٦ -١٠٠٠م» يقوم بذبح هؤلاء الذين أبوا الدخول في المسيحية، أو بتقطيع أيديهم وأرجلهم، أو بنفيهم وتشريدهم، وبهذه الوسائل نشر الدين في «فيكن» بأسرها. 

- ووصية القديس لويس «١٢١٤ - ۱۲۷۰م» تقول: «عندما يسمع الرجل العامي أن الشريعة المسيحية قد أسيء إلى سمعتها، فإنه ينبغي ألا يذود عن تلك الشريعية إلا بسيفه الذي يجب أن يطعن به الكافر في أحشائه طعنة نجلاء»!

الفاتيكان.. والإسلام

- وفي المجر أرغم الملك «شارل روبرت» جميع رعاياه - من «الباشغردية» بعد سنة ١٣٤٠م على اعتناق المسيحية - بعد أن كانوا مسلمين - أو مغادرة البلاد.

- وفي سنة ۱٧٠٣ أباد الأسقف- الحاكم - «دانيال بيتروفتش D. Pet rovich في الجبل الأسود - جميع المسلمين الذين لم يتحولوا عن الإسلام إلى المسيحية.. في ليلة عيد الميلاد!

 وفي روسيا فرض ملكها «فلاديمير» Vladimir سنة ٩٨٨م النصرانية على جميع رعاياه - سادة وعبيدًا.. أغنياء وفقراء.. فسيقوا جميعًا إلى التعميد بمجرد اعتناق الملك للمسيحية.. ولم ينفتح باب الحرية الدينية في روسيا إلى سنة ١٩٠٥م!.. وكانت عقوبة التحول عن المسيحية التجريد من الحقوق المدنية والسجن - مع الأشغال الشاقة- ما بين ثماني وعشر سنوات! 

- وفي الحبشة جعل الملك «سيف أرعد» «١٣٤٢ - ۱۳۷۰م» الإعدام عقوبة للمسلمين الذين يرفضون التحول إلى المسيحية.. أو النفي من بلادهم!..

وكذلك صنع ملكها «جون».. الذي أجبر سنة ۱۸۸۰م أكثر من خمسين ألفًا من المسلمين على التعميد! كما أجبر نصف مليون من قبائل الجلا على اعتناق المسيحية! «٦»

فأي الدينين - الإسلام.. أم المسيحية؟ هو الذي انتشر بالسيف - يا عظيم الفاتيكان؟

وتلك هي الشهادات الغربية التي تحكي - بالوقائع - كيف كانت العقلانية هي سر انتشار الإسلام.. وكيف كان السيف هو أداة انتشار المسيحية.. وخاصة في أوروبا. وفي موطنك - بروسيا - على وجه التحديد، كان السيف والنار أداة نشر المسيحية من قبل جماعة «إخوان السيف»!.. أي أن أجدادك يا عظيم الفاتيكان - قد أُجبروا على اعتناق المسيحية بالإكراه.. وتحت تهديد السيف!..

 فهل يجوز لمثلك - أو لغيرك - مع هذه الشهادات الغربية - الادعاء بأن الإسلام قد انتشر بالسيف.. ونسبة هذا «الوهم والافتراء» إلى نبي الرحمة.. رسول الإسلام.. محمد صلى الله عليه وسلم؟.

ثم.. لِمَ لَمْ يتفكر ويتعقل - عظيم الفاتيكان - وهو دارس ومدرِّس للفلسفة الإغريقية - كيف يجتمع انتشار الإسلام بالسيف مع بقاء كل المذاهب والكنائس النصرانية... والكنس اليهودية - وحتى الديانات الوضعية.. في الشرق الإسلامي وفي الدولة الإسلامية عبر تاريخ الإسلام؟! 

لقد صدر عن «المعهد الوطني للدراسات الديموجرافية» - في فرنسا الكاثوليكية - كتاب «المسيحيون واليهود في التاريخ العربي والتركي» يثبت - بالحقائق والأرقام والإحصاءات - أن نسبة المسلمين بين رعية الدولة الإسلامية وشعوبها في مصر والمشرق العربي وفارس - بعد قرن من الفتوحات الإسلامية، وقيام الدولة الإسلامية، لم تتعد ٢٠٪ من السكان!! «٧».

 فأين كان هذا السيف الذي يزعمون أنه كان السبيل لانتشار الإسلام.. والذي يفترونه على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم؟

الهوامش

«١» د. جاك تاجر «اقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى عام ۱۹۲۲م»، ص۳۰۹، ۳١٥ طبعة الهيئة القبطية بالمهجر، مدينة جرمي، أمريكا، سنة ١٩٨٤م. 

«٢» من خطاب البابا شنودة في احتفال وضع حجر الأساس لمستشفى مارمرقس - بحضرة الرئيس أنور السادات - في ١١ أكتوبر سنة ١٩٧٧م، انظر مجلة «وجهات نظر»، ص ۱۸ - ۲۰ عدد ديسمبر سنة ٢٠٠٥م، القاهرة.

«٣» الدعوة إلى الإسلام، ص ۱۸۵ وانظر كتاب «الإسلام في عيون غربية» ص ۸۱.

«٤» «الدعوة إلى الإسلام» ص ۸۸ ١٦۱، وانظر كتابنا الإسلام في عيون غربية، ص ١٣٥. 

«٥» الدعوة إلى الإسلام، ص ۱۲۳، ١٢٤ وانظر كتابنا الإسلام في عيون غربية ص ٨٦،٨٥.

«٦» المصدر السابق، ص ٣٠،٣٢،٢٢٣،٢٢٦،٢٧٤،٢٧٦،٢٧٨،٢٨١،٢٨٣،١٢٢،١٣٥،١٢٦،٨٤،٣٨٥،٣٨٧،٤١،١٤٣.

«٧» فيليب فارج يوسف كرباج «المسيحيون واليهود في التاريخ العربي والتركي»، ص ٢٥ - ترجمة: بشير السباعي، طبعة القاهرة، سنة ١٩٩٤م. 

الرابط المختصر :