العنوان الفاو بداية النهاية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988
مشاهدات 53
نشر في العدد 864
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 26-أبريل-1988
جندي عراقي يسقي أسيرًا إيرانيًا.
رتل عسكري عراقي أسهم في تحرير الفاو.
تمكنت القوات العراقية من تحقيق نصر مؤزر عندما اجتاحت قوات الحرس الجمهوري العراقي، بالاشتراك مع الفيلق السابع، التعزيزات العسكرية للقوة الإيرانية المعتدية الجاثمة على شبه جزيرة الفاو، وأزالت بهذا النصر موطئ القدم الذي ظلت القوات الإيرانية الباغية تسيطر عليه طيلة الـ 26 شهرًا الماضية.
ولقد وصفت وكالات الأنباء الهجوم العراقي بالنجاح في الوقت الذي تمتاز فيه أرض المعارك بالصعوبة والظروف غير المواتية، وتعدد العوائق الطبيعية والعسكرية، فالمعروف عن جزيرة الفاو -هذه التي شغلت العراق، وأزعجت المجموعة العربية- أنها تلاقح الأحراش والمستنقعات في أرض سبخة متعددة الانحدارات المائية. لعل هذه الخاصية هي التي جعلت القوات المدرعة العراقية تحجم عن مواصلة الهجوم عندما احتلتها القوات الإيرانية، في النصف الثاني من فبراير 1986، ومما زاد من صعوبة تحقيق الانتصار الخاطف هو تلك التحصينات التي شيدتها القوات الإيرانية، ولكن رغم ذلك كانت معركة الفاتح من رمضان نقطة تحول كامل في ملف الحرب العراقية الإيرانية.
الفاو والأطماع الإيرانية:
وفقًا للمعايير الاستراتيجية، تعتبر شبه جزيرة الفاو مركز انطلاق حيوي بالنسبة للعراق، ومن ثم فإن سيطرة القوات الإيرانية عليه تشكل أكثر من خطر، وبالطبع كانت إيران على معرفة تامة بتلك الخاصية، لذا كان الصراع عليها نوعًا من الاستماتة حتى يحظى الفريق المسيطر بنقطة انطلاق حصينة -خاصة الجانب الإيراني-؛ حيث يستحيل التوغل فيها من جهة الشمال، وبذلك يبدأ المشروع الإيراني المتطلع إلى تجسير القاطع الأوسط بعدد من نقاط العمليات العسكرية في محاولة أولية نحو اقتطاع منطقة البصرة، وإقامة دولة طائفية عليها تصبح بمثابة رأس الرمح في (بلقنة) العراق، وإقامة دويلات طائفية حتى تتم السيطرة عليه نهائيًا. ولعل مشروع الأطماع الإيرانية كان منفعلًا بأحلام التجزئة الطائفية مستعينًا بالانقسامات العرقية. وبالرغم من الإخفاقات المتكررة في إحداث الشقاق بين المسلمين واستقطاب إحدى الطوائف إلى جانبه، إلا أن أحلامه تلك لم يتطرق إليها اليأس، وظل النظام الإيراني حفيظًا عليها وفيًا لها عسى ولعل أن يظفر باللحظة المواتية وتتحقق تلك الأحلام. هذا من جانب الإيجابية التي تمتاز بها شبه جزيرة الفاو، وفي الجانب السلبي فإن الاستيلاء الإيراني على شبه جزيرة الفاو يعزز السيطرة بصورة شبه كاملة على نفاذ العراق تجاه الخليج العربي، مما يحيل الموانئ العراقية على ذمة التاريخ، ويتيح هذا بدوره للقوات الإيرانية التفرد بالخليج وبسط نفوذها عند مداخله الشمالية. وفي الجانب العراقي، تصبح الإمدادات مقتصرة على الممرات البرية التي تصل العراق بالأردن وتركيا والسعودية في أحيان أقل؛ حيث الممر البري المتصل بالسعودية والكويت قرب الوجود الإيراني في شبه جزيرة الفاو. وبذلك يحكم النظام الإيراني قبضته على جانب غاية في الأهمية في حربه المملة مع العراق. وبالفعل، استطاعت القوات الإيرانية أن تحقق قسطًا واسعًا من التضييق على ممرات الإمدادات العراقية المدنية منها والعسكرية على حد سواء، إلا أن هذا الوضع لم يستمر كما كانت القيادة الإيرانية تتطلع، وجاء الانتصار الأخير ليكرس كل تلك الامتيازات إلى جانبه، وحرمان الجانب الإيراني حتى من الانفراد بالحركة الملاحية في شواطئه وموانئه المجاورة لمنطقة الفاو.
الفاو والكويت:
من الطرائف التي تنسب للملك فيصل -رحمه الله- أنه كان يقول: «إن الدول العظمى ثلاث: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، والكويت.» وهو بذلك يشير إلى المقدرة الفائقة التي تتحلى بها قيادة الكويت على مر الأزمان في تخطيها للأزمات التي طالما تنمو حولها بين جيران أكثر شعبًا وأكبر حجمًا، وكثيرًا ما يتطلعون إلى جر الكويت إلى تلك الأزمات، إلا أن حكمة القيادة كانت تتجنب مجرد التعاطي معها إلا في الحدود التي تحفظ للكويت شخصيتها ووجودها المستقل. بالطبع، فإن الحرب العراقية الإيرانية تعد أسوأ كارثة مُنيت بها المنطقة عامة، ومن ثم ألقت بظلالها الكثيفة على الكويت. وبقدر ما كانت هذه الحرب شكلًا منهكًا للقوى الخارجية بعامة، فإن قدر الكويت يأتي على رأس المتأثرين بها، وحينما كانت المعارك تشتد في منطقة الفاو فإن أزيز الطائرات وأصوات المدفعية تجعل جزيرتي بوبيان ووربة في حالة استعداد قصوى حتى لا تؤخذ على حين غرة، فالفاو لا تبعد كثيرًا عن خور عبد الله، بمعنى آخر فإن الحرب أصبحت في أرض متاخمة للأراضي الكويتية، وهو وضع قد يدفع بالكويت إلى أن تصبح طرفًا ثالثًا، وهي التي طالما دعت إلى تحكيم العقل والمنطق، وسعت لوقف الحرب لمصلحة الأطراف المتنازعة. ويأتي انتصار القوات العراقية واستعادتها للفاو معدّلًا للوضع المتأزم، ومحجّمًا نوعًا ما من محاولات إيران في توسيع دائرة الحرب، ونقلها لدول أخرى منها الكويت.
الفاو بداية النهاية:
من المعلوم أن إيران بذلت جهدًا واسعًا في تحقيق موطئ القدم الذي حازته باستيلائها على الفاو، ومهما كان حجم الجهد الذي بُذل كبيرًا، فإن ما تلاه من تعزيزات وتحصينات يفوق كل تلك التضحيات. ومنطقيًا، تتماشى سياسة إيران في السيطرة على الفاو والأهداف العليا الإيرانية التي تسعى لإحداث زعزعة الجبهة الداخلية، وإقامة كيانات طائفية كما أسلفنا. ولقد حظيت العسكرية الإيرانية بوضعها السابق في الفاو بنقاط ضغط على طريق المساعي المبذولة لوقف الحرب، كما أنها أنعشت روح الأطماع العسكرية في تحقيق المزيد من احتلال الأراضي، وهي في الجانبين تدعم موقف إيران الرامي إلى إطالة أمد الحرب، وجعلها متحالفة في تحقيق أهدافها مع الوقت في سير متدرج وطويل. غير أن الهزيمة الرائعة التي مُنيت بها القوات الإيرانية في الفاتح من رمضان تُعد قاصمة الظهر في سياسة التدرج المتوهمة، وخسرت إيران بذلك طلائع أهدافها، كما عجزت سابقًا في تدعيم الفاو باحتلال بحيرة الأسماك أو البصرة. وبذلك افتقدت إيران مركز الانطلاق الاستراتيجي والوحيد، وبافتقاده تصبح أضعف الأطراف المتحاربة عسكريًا وسياسيًا. وإن كان الجانب العسكري واضحًا بصورة لا يحتاج معها لبيان، فإن الجانب السياسي في انتصار العراق الأخير ينزع سلاح الضغط النافذ الذي كان بقبضة إيران، وهو سلاح له إيجابياته في المفاوضات السياسية عندما تتوقف المدافع. وباندحار القوة الإيرانية خارج منطقة الفاو، تتجه كفة العراق نحو الترجيح بعد أن ثقلت بروح النصر، ويبقى توجه الحرب عدميًا بالنسبة لإيران خاصة. ومهما تكن أحداث المستقبل الذي هو بيد الله سبحانه، فإن منطق إيقاف الحرب يتعزز الآن أكثر من كل لحظة سابقة، ودونما إغراق في التفاؤل فقد تكون حرب تحرير الفاو بداية النهاية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل