الثلاثاء 18-سبتمبر-1973
الفجر
بقلم : أبو أيمن
الفجر ساعة تنفس الحياة في يسر، وفرح، وابتسام، وإيناس ودود ندى، والوجود الغافي يستيقظ رويدًا رويدًا، وكأن أنفاسه مناجاة وكأن تفتحه ابتهال.
الفجر هذا لنا معه قصة، قصة طويلة زمانها أربعة عشر قرنًا.
ومكانها كل الأرض التي شهدت تعظيم الله وتكبيره في رأس الجبل البعيد عن مكة حيث ينقطع لغو الناس وحديثهم الباطل، ويبدأ السكون الشامل المستغرق في هذه القمة السامقة المنزوية شهد الفجر محمدًا صلى الله عليه وسلم منقطعًا عن العالمين متجهًا بفؤاده المشوق إلى رب العالمين، في هذا الغار المهيب المحجب، كانت النفس الكبيرة تتلوى حسرة وحيرة لا تدري لها مخرجًا، هناك كان الأمين يتعبد ويصقل قلبه وينقي روحه، ويقترب من الحق جهده ويبتعد عن الباطل وسعه.
في هذا الغار ينزل وحي السماء نورًا يسطع على القلب العاني إلهامًا وهداية وتثبيتًا وعناية، وهكذا شهد الفجر ميلاد الرسالة تنزل من علياء السماء على قلب الرسول الكريم.
وبدأت الرحلة الطويلة مع الفجر.
الإغراء يكبر، والأمين ثابت على العهد.
والتهديد والتعذيب يشتد ويقسو، والأمين وأصحابه كالطود الأشم لا تلين لهم قناة ولا تضعف لهم نفس.
تساموا على الأرض وما فيها من ظلم.
«أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك..»
• • وتمضي القصة بكل جلالها وعظمتها تشهد الفجر والحياة بقية فصولها، في ثلث الليل قبيل الفجر، خرج الثلاثة والسبعون رجلًا من رجالهم لميعادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسللون تسلل القطا مستخفين، في ظلام الليل ليلتقوا مع الرسول الكريم، فيبايعوه أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وهكذا شهد الليل قبل الفجر ميلاد الدولة الجديدة تقام في أرض المدينة.
ويأبى الطغيان أن يسمح للموكب الكريم أن يتقدم بيد الخلاص ليمسح شقاء الإنسان، فيجتمع الطغاة في دار الندوة ليأتمروا بالرسول الكريم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال ٣٠) وثلاث ليال طوال بقي الرسول الكريم مع صاحبه العظيم أبي بكر في غار ثور، وفي كل مرة يشهد الفجر الصراع الأزلي بين الطغيان بكل عنجهيته وجبروته وبين الحق بكل نصاعته وإخلاصه، وحين يبكي أبو بكر، يهمس له الرسول الكريم «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما..»
لا تخف يا أبا بكر على حبيبك فالله سيرعاه ليبلغ الرسالة ويؤدي الأمانة، وانتقل الرسول الكريم إلى المدينة بين أصحابه وأنصاره، ليقيموا هناك المجتمع المسلم، وليأسسوا أول دار للإسلام، ولكن هل انتهت القصة، لا.. فما زالت لها فصول تطول.
فمن فصول القصة معركة بدر.
ومن فصولها معركة أحد، ومن فصولها غزوة الأحزاب الشرك بكل فصائله: قريش ومعها قبائل العرب واليهود ومعهم كل أرض النفاق.
من داخل المدينة ومن خارجها اشتد الأمر على المسلمين.
ويحاولون اقتحام الخندق واحتلال بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
ووقع ثقل المقاومة على أصحاب الإيمان الراسخ، كان عليهم أن يكتبوا مظاهر القلق والخوف.
وسألوا الرسول عن المخرج فقد بلغت القلوب الحناجر قال صلى الله عليه وسلم.. اللهم استر عورتنا وآمن من روعتنا.
فستر الله عوراتهم وآمن روعاتهم، وصرف عنهم كيد الشرك والطغيان.
ولكن هل انتهت القصة، لا.. فما زالت لها فصول تطول واقترب الرحيل.
«أيها الناس: فمن كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه»
ألا وإن الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني أيها الناس: من كان عليه شيء فليؤده، ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة أيها الناس، من حشي من نفسه شيئًا فليقم أدع له.
فقام رجل فقال: يا رسول الله إني لكذاب إني لفاحش وإني لنئوم.
فقال النبي: اللهم أرزقه صدقًا وإيمانًا وأذهب عنه النوم.
وفي صلاة الفجر، فجر الإثنين وقد اصطف المسلمون قيامًا خلف أبي بكر أحب الرسول الكريم أن يلقى نظرة أخيرة على أصحابه فبرز للناس، وعاد بعدها ليلقى ربه وهو يقول «بل الرفيق الأعلى والجنة»
فهل انتهت القصة برحيل القائد العظيم والرسول الكريم والزعيم صاحب الرسالة، كلا.. بل لها فصول تطول.
• • فلئن غاب الرسول الكريم فكل أصحابه أمناء على الدعوة باقون على العهد، وهكذا فإن موكب الدعوة إلى الله الموغل في القدم، الضارب في شعاب الزمان ماض في طريقه اللا حب. ماض في خطه الواصب مستقيم الخطى ثابت الأقدام يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل يقاومه التابعون من الضالين والمتبوعين ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء، والموكب في طريقه لا ينحني، ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل