العنوان الفرقة ضياع والاختلاف هلاك
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
مشاهدات 62
نشر في العدد 1029
نشر في الصفحة 64
الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
قمة السعادة في الحياة أن تتوافق
آراء العاملين في حقل واحد، وتلتقي حول هدف محدد، وتعظم السعادة عندما تجتمع
الآراء على الوسيلة التي تحقق الغاية وتبلغ الهدف. وإذا كان هذا من سعادة الدنيا
لدى من جمعتهم مصالح دنياهم وشؤون معاشهم على اختلافها وتنوعها، فما أجدره أن يكون
مصدر سعادة للعاملين في مجال الدعوة إلى الله عز وجل. وما أجدره أن يكون هدفًا من
الأهداف الثابتة التي يلتقي حولها الدعاة، ويسعون من خلالها لجمع الكلمة ورص
الصفوف وتوجيه الطاقات نحو معالي الأمور، وما يعود على الجميع بالخير العميم. إن
وحدة الرأي عند أصحاب الفكرة أساس نجاح أعمالهم، وعلامة التوفيق في مسعاهم، ودليل
على إخلاصهم وصدق نواياهم، وهي مصدر قوتهم وأس عزيمتهم. فما أفلح قوم تشتت رأيهم
وتفرقت كلمتهم، ولا ارتقت أمة تضاربت آراء بنيها واختلفت أهواؤهم. إن التاريخ لم
يحدثنا أن أمة انتظم عقدها والتأم شملها وقويت ريحها، وهي متفرقة الآراء مختلفة
الأهداف متعددة المنازع والغايات، كل فرد فيها أمة، وكل شرذمة فيها دولة. إن هذا
مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، مخالف لنواميسه في كونه، مخالف للفطرة السوية،
فالفرقة ضياع واستبداد الأهواء ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46) ويعظم الخطر ويتضاعف أثره عندما يكون الباعث على الخلاف
هوى النفس، وتحقيق الذات أو الوصول إلى مكاسب موهومة، ويتفاقم الخطر أكثر فأكثر
إذا ما ألبست هذه الأمور لباس المبادئ، والغيرة على الدعوة، والحرص على انطلاقتها
وسلامة منهجها، والمحافظة على مكاسبها، وفات الذين يفعلون ذلك أن الله تعالى لا
تخفى عليه خافية ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر:
19) ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ﴾ (يونس: 61) وأنه تعالى كتب على نفسه ألا يقبل من الأعمال إلا ما كان
خالصًا لوجهه الكريم.
ولو أن اختلاف الرأي كان في الوسائل
لما كان له كبير أثر ولو كان في فهم نصوص ذات دلالات متعددة لهان الخطب وما أقلقنا
كثيرًا ولو سعنا ما وسع أسلافنا -رضوان الله عليهم- ولرددنا مع القائلين: إن
اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
لكن الأمر تجاوز هذا ولم يقف عنده،
وبدأ الاقتراب من دائرة الخطر الماحق، ما لم يتدارك العقلاء ذلك.
إن الحاجة أصبحت ماسة إلى وقفة
محاسبة للنفس، وقفة تراجع فيها جميع الحسابات السابقة والمواقف التي بنيت عليها
بها أو نشأت بسببها وتصفيتها من كل شائبة فكرية علقت بها أو فهم متسرع لبعض الأمور
أملته عاطفة ثائرة أو فرضته ردة فعل غاضبة.
وربما كان اتخاذ المواقف اندفاعًا
وراء هوى قديم لتحقيق طموحات وآمال طالما جاشت في صدور من يظنون أن الوصول إليها
هدف عظيم. يحققون من خلاله ما عجز عنه الأوائل وأن نيله يرفع قدر صاحبه ويعلي
منزلته، ويجعله محط السمع والبصر.
وأنساهم حرصهم على تحقيق مآربهم أن
يدققوا في سلامة الوسيلة فضلًا عن مشروعيتها فانطلقت منهم الأصوات تنادي
بالإقليمية والوطنية والقطرية وأن يكون العمل لدين الله ضمن هذه الحدود وهذه
المفاهيم.
وكنا نحسب أن مثل هذه المفاهيم قد
أتى عليها الزمن وعفى أثرها وماتت مع ما أمات الإسلام من مفاهيم وقيم أبى الله أن
يحيا عباده في ظلالها، لأنها لا تصلح حالهم، ولا ترقى لأن تكون ذات نفع وفائدة لهم.
ويزداد استغرابنا أن تستجد هذه
المفاهيم في عصرنا ونحن نرى أعداء الإسلام يتجهون إلى الوحدة ولم الشمل وأوروبا
أكبر مثال على هذا.
إن دعوة الإسلام لا يصلح لها إلا من
أحاطها من جميع جوانبها، وانضبطت تصرفاته بتعاليمها، وكانت منطلقاتها الأولى أساس
عمله، ودستور حياته، والهدف الذي يسعى إليه.
والأمة التي تنسلخ من أمجادها وتقطع
تاريخها أوصالًا لتلبس لكل مناسبة القطعة التي تلائمها، أمة تسعى إلى حتفها
بظلفها، وتكتب بيدها أسباب تخلفها وإخفاقها ولسنا بخائفين على الإسلام فهو دين
العزيز الرحيم تكفل له بالحفظ والخلود ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9) وقضى أن يهيئ له حملة أمناء إذا ما انصرف
عنه جيل أو قبيل، في هذا الزمن أو ذاك، لكننا مشفقون على أناس من قومنا لا نرى
خطاهم تدب نحو ما نحب، فهل تقر أعيننا وتفرح قلوبنا -قريبًا- بالتئام الشمل وعودة
الصفاء؟
سدد الله الخطى ووفق الجميع، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل