; الفرق بين الدعوة الإسلامية والوعظ | مجلة المجتمع

العنوان الفرق بين الدعوة الإسلامية والوعظ

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

مشاهدات 107

نشر في العدد 504

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

ثمة فرق كبير بين الدعوة الإسلامية وممارسة الوعظ، الدعوة تشمل -فيما تشمل- الوعظ لكن الوعظ كممارسة مستمرة لا يحيط بممارسات الدعوة، الناس في هذا العصر لا يحبون الواعظ ولكنهم يحترمون ويكبرون الداعية لماذا؟ لأن ثمة فرقًا كبيرًا بين الواعظ والداعية. يبدو -والله أعلم- أن الواعظ يُحسن لغة الكلام مع الناس فعلاقته لا تخرج عن حدود الكلاميات هو يسخر كل فنون الخطابة من تورية وطباق وجناس وشعر وقصة وينحت من الألفاظ ما يشد به الألباب كل ذلك في سبيل أن «يقنع» الناس على صعيد الكلام بجدوى الصدق وبحلاوة الشجاعة وبتفاهة الدنيا وبزوال الإنسان وعجزه.

لكن الداعية «يتحدث» للناس بلغة الفعل لا الكلام، فهو صادق ولا يعرف قصصًا كثيرة عن الصدق وهو شجاع ولا يحفظ شعرًا عن الشجاعة وهو يعيش في الدنيا وكأنه غدًا يموت دون أن يتكلم عن تفاهة الحياة، الداعية كتلة من العفوية الصادقة الشجاعة الزاهدة، وهو إن التقى بالناس قد لا يحبونه لأنه لا يحسن لغة الكلام معهم مع حبه لهم وقد لا يطيقون الجلوس إليه لأنه في وجوده معهم -مجرد وجود- نكش لجراحاتهم الداخلية وهزائمهم النفسية التي يعايشونها يوميًا وقد يسّبونه ويشتمونه ويلصقون به شتى التهم ويشيعون حوله شتى الإشاعات ويشون به شتى الوشايات؛ ومع كل ذلك فهم لا يستطيعون -بينهم وبين أنفسهم- أن يتجردوا من أحاسيس الاحترام والتقدير له لأنه صادق وشجاع وزاهد وهي مناقب أندر من الماس في هذا العصر فلنكن دعاة ولنقتصد في الوعظ نكون قد «تحدثنا» للناس بأبلغ العبارات دون أن نروي القصص أو نحفظ الشعر أو ندرس ألفية ابن مالك.

المساجد مرة أخرى: ما نقصد وما لا نقصد

عندما كتبنا الأسبوع الفائت كلمة هنا بعنوان -ليس بالمساجد وحدها يحيا المسلمون- عتب علينا أخونا الكبير الذي نحبه في الله وزير الأوقاف وظن أننا نقلل في تلك الكلمة من أهمية بناء الوزارة لمزيد من المساجد في هذا البلد حاشا لله ليس هذا ما كنا نقصد بل نحن نرفع أيدينا حمدًا وشكرًا لله كلما انتصب مسجد في منطقة من مناطق الكويت غير أن الذي كنا نقصده هو ما يلي:

يزور البلاد من حين لآخر وفود إسلامية من شتى الأقطار الإسلامية لجمع التبرعات وذلك لبناء مؤسسات ضرورية وهامة وقد التقيت بكثير من هذه الوفود التي تريد بناء مدارس ومستوصفات ومؤسسات نفع عام في أقطارها وطرق وجامعات وتشكو هذه الوفود كثيرًا من المتبرعين غير المستعدين إلا لبناء المساجد وكأن المسلمين هناك يستطيعون التعلم والتدرب والتشافي والتداوي في المسجد، بعض الوفود قالت للمتبرعين إنها تستطيع متى حانت الصلاة استعمال فناء المدرسة كمسجد تقام فيه الصلوات وفي باقي ساعات النهار يمارس فيها التعليم والتأهيل المهني لأطفال المسلمين وصبيانهم ولكن الفكرة كما يقول بعض أعضاء هذه الوفود لا تلقى قبولًا من المتبرع الكويتي بشكل عام.

من هنا كانت كلمتنا الأسبوع الفائت بأن ليس بالمساجد وحدها يحيا المسلمون، هذه واحدة أما الثانية فتتعلق بالمساجد الخاصة التي يبنيها بعض الخيرين في هذا البلد والحافلة بالرخام والمرمر والسجاد الفاخر مع الإصرار على وضع اللوحة المرمرية عند مدخل المسجد والتي تقول إن فلان بن علان بنى هذا المسجد على نفقته الخاصة في سنة كذا وكذا ونقول بلا مواربة إن في هذا رياء وتفاخر وخروج على روح العمل في الله حيث إن العمل الخالص لله لا يحتاج لكل هذا الإعلان، ثم إن المساجد إنما تبنى للعبادة لا «للفرجة» والمسلمون في إفريقيا وأسيا يموتون جوعًا -نعم جوعًا- في الصومال وبنغلادش وأوغندا وغيرها من الأقطار الإسلامية وهؤلاء وأكبادهم الرطبة أحق بهذه المبالغ لإطعامهم من ذلك الذي ينتشي كلما دخل مسجدًا مرمريًا بناه على «نفقته الخاصة» لو اشترى هذا وأضرابه 100 أو 200 طن من الطحين واستأجر طائرة شحن وتوجه بها إلى إقليم أوغادين في الصومال حيث يموت المسلمون هناك يوميًا بالمئات جوعًا لفعل خيرًا كثيرًا سيجده -بإذن الله- في ميزانه يوم القيامة مضاعفًا أضعافًا كثيرة والله أعلم هذا الذي نقصد وذاك الذي لا نقصد وإلى الأخ الكبير وزير الأوقاف الذي نحبه في الله كل تحية وتقدير.

الرابط المختصر :