; الفرق بين العلم والبحث الطبيعي | مجلة المجتمع

العنوان الفرق بين العلم والبحث الطبيعي

الكاتب محمد شاويش

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2001

مشاهدات 66

نشر في العدد 1454

نشر في الصفحة 66

السبت 09-يونيو-2001

كيف يسمون رجل الدين عالماً؟

 يتساءل صقر أبو فخر في الملحق الثقافي الجريدة النهار بحيرة واستنكار فعلماء الشريعة في رأيه تسليطوا على لقب «عالم» بغير حق وهو يعد هذا الاغتصاب الذي قام به رجال الدين جزءاً من جرائم كثيرة فعلوها يعددها في مقاله يقول: ما علاقة رجال الدين بالعلم وكيف يسمون رجل الدين عالماً؟

 إن أمثال هذه العبارات من عيار علماء الدين أو من طراز علماء الفقه والحديث، ما هي إلا مصطلحات زائفة ومضادة للعلم من الألف إلى الياء، واعتداء على العقل والعلم والمعرفة وحقائق الأمور معاً، فرجل الدين ليس رجل علم البتة، إنما هو رجل دين وكفى فهو اختصاصي في المسائل التي يتقنها مثل الزواج والطلاق والحلال والحرام والحدود والمواريث والأحاديث والمناسك وتلاوة الآيات وتجويدها، فإن علا صار فقيهاً يجيد الفتوى ويعرف القياس والمقابلة والجرح والتعديل واستحلاب النتيجة من النص، وإن هبط صار مجرد رجل للتفكه يعتمر العمة ويلبس الجبة ويطلق اللحية ويحمل السبحة، فوق هامته يلتف ثعبان هندي راكد وفي نخاع رأسه يقعي بدوي راقد.

 العلم النافع: إلى الآن أبو فخر مجرد هجاء ولكنه سرعان ما ينقلب إلى فيلسوف أبيستمولوجي كما يقال: إن كلمة علم لها معنيان يفترقان صقعاً (؟) ويشتركان لفظاً، فالعلم النافع هو المعرفة بالأشياء وإدراك الحقائق واكتشاف ما وراء الصورة والنفاذ إلى الجوهر كالانتقال من الفيزياء إلى الكيمياء، أي العلم التجريبي أو الرياضي أو البرهاني أو الاستنباطي أو حتى النظري والعالم هنا هو العالم بالطبيعة والأشياء والآلة والإنسان أما العلوم الأخرى فهي العلوم المدونة، مثل «العلوم» الدينية أي معرفة الأحكام الاعتقادية والشرعية. ها هو يناقض لاحقاً ما جاء به سابقاً فقد كنا علمنا منه أن علوم الشريعة ليست بعلوم، ثم نراها هنا علوماً مدونة، ونراه يتكلم عن معنيين لكلمة علم  واحد منهما يتعلق بالعلم النافع فينسف بهذا أطروحته التي تقول إن كلمة «علم» و«عالم» لها معنى واحد هو الذي في رأسه. 

حين قرأت هذا التحليل، توالت على نفسي حالات مختلفة، ففي البداية شعرت بالضيق ثم بالغضب ثم انفجرت ضاحكاً. ضحكت لأن تشبيهاً فرض نفسه تخيلت أبو فخر ضحية المستعير لا يرد ما يستعيره اغتصب اسمه ثم مشى به بين الناس ثم نسي أن هذا الاسم ليس اسمه وفجأة قابل صاحب الاسم الأصلي الذي هو كاتب المقال الذي نرد عليه فسمع الناس ينادونه فغضب منهم وقال: كيف تنادونه صقر أبو فخر، وهذا اسمي؟ حال علماء الشريعة مع صقر مثل حاله مع هذا المستعير المغتصب قاسم اسم العلم هو أساساً ابتكر الوصف علم الشريعة الإسلامية منتقلاً من معناه الأصلي المقابل للجهل. والعالم هو الخبير بهذه الشريعة أو بقسم من أقسامها الكبرى - فهناك عالم حديث وعالم أصول فقه وعالم فقه، وأطلق لقب عالم أيضاً على عالم اللغة والمختص بالأدب، كما نرى مثلاً في رثاء أبي نواس لخلف الأحمر وهو عالم بالشعر :

أودى جميع العلم من أودى خلف

ثم جاء المترجمون الحديثون فشاؤوا أن يستعيروا لفظ العلم، ليصبح ترجمة عربية لكلمة Science وتعني كما نقرأ مثلاً في قاموس اكسفورد للطلاب معرفة منظمة خصوصاً المعرفة المستحصلة بملاحظة واختبار الحقائق. واستعاروا اسم عالم بالذات من هؤلاء المساكين الذين ينكر عليهم أبو فخر تسميتهم أنفسهم باسم هو أصلاً اسمهم اسم «عالم» استعاروه لترجمة كلمة Scientist ومعناه في قاموس اكسفورد المذكور شخص خبير في واحد أو أكثر من العلوم الطبيعية أو الفيزيائية.

لا يصعب على القارئ أن يلاحظ أن ما كتب لا يستند إلا إلى مفهوم سطحى عما ندعوه الآن بالعلم الطبيعي والعلم عموماً وعن العلم، كما عرفه أجدادنا وهو العلوم النقلية وعلوم اللغة والأدب - كما قلنا - بالمناسبة لم يدخل بهذا المفهوم لا الفلسفة ولا العلوم الطبيعية كالكيمياء والفيزياء والطب ولا الرياضيات أيضاً، فالمختصون بهذه الأخيرة كانوا يدعونهم «الحكماء والواحد منهم حكيم».

 توارد خواطر: وقد حصل توارد خواطر غريب بيني وأبو فخر ولكنه توارد خواطر متناقضة فما خطر على باله كان خاطراً على بالي منذ أيام قبل أن أقرأ مقالته ولكن بالعكس: فقد خطر على باله أن يحتج على تسمية علماء الشريعة أنفسهم باسم «العلماء، وأنا خطر على بالي أن احتج على تسمية الباحثين المختصين في الفنون الطبيعية باسم العلماء، وإذا كان هو لا يستند في احتجاجه إلى أكثر من الجهل بتاريخ مصطلح العالم و العلم علاوة على انعدام الروح النقدية التي تجعله لا ينتقد المفهوم الساذج الذي يجعل من الفنون النظرية والعملية التي يسمونها العلم الطبيعي المسيح المخلص والمصدر الوحيد للمعرفة والأخلاق وهو مفهوم هجره الأوروبيون أنفسهم فإنني في احتجاجي استند أولاً إلى معرفتي الطويلة بالتراث التشريعي والأدبي واللغوي العربي وأستند ثانياً إلى خبرتي بالفكر الأوروبي وتعودي على النظر إليه بلا انبهار كما هي حال بعض المثقفين وكما كانت حالي أنا أيضاً كذلك قبل عهد المنفى، وإلى خبرتي بالمجتمع الغربي الذي أعيش فيه منذ أعوام طويلة. احتجاجي على استعارة مصطلح «عالم» من أهله الذين هم أحق به ناتج عن كون هذا المصطلح يعني في الأصل المعرفة الناجزة النهائية وهذا يناسب بصورة نموذجية ما ندعوه العلوم النقلية، فالمعلومات موجودة والعالم عليه حفظها وجمعها من مصادرها حتى إذا عرفها قلنا عنه «عالم، وهو تعبير يدلنا على أنه وصل تقريباً إلى نهاية الشوط وليس كذلك الباحث الطبيعي فهو لا يصل إلى نهاية الشوط.

لقد علم أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام منتهية فمن عرفها صح أن نقول عنه «لقد علم، بمعنى أن لديه كل المعلومات في هذا الباب، ومن الناحية النظرية كلمات اللغة محدودة فمن عرفها قلنا عنه أيضاً إنه عالم بكلمات اللغة، ومن هنا أرى أن الذين ترجموا كلمة «علم» وبكلمة «عالم. لم يحالفهم التوفيق وأقترح ترجمة الأولى البحث الطبيعي، والثانية الباحث الطبيعي.

المشكلة أن الظلال القديمة لكلمة «عالم» ترافقها في استعمالها الحديث فنجد العرب يعتقدون أن عالم الفيزياء هو الشخص الذي أحاط بكل المعلومات عن الفيزياء فلم تفلت منه شاردة ولا واردة وحتى عالم الاجتماع، هو في تخيلنا من يعرف كل شيء عن المجتمع وفي هذا تشويه لهذه القطاعات البحثية وعدم تركيز على الشيء الأساسي في هذه الفنون الذي نحتاجه وهو البحث وروح البحث الدائم. أما شريعتنا فهي بشهادة جميع العارفين أعظم المنظومات القانونية والأخلاقية التي عرفتها البشرية وأريد أن أسأل: ألا يسمي الغربيون علماء القانون عندهم علماء؟ وهل أساطين أصول الفقه عندنا أقل منهم لا يقول هذا إلا مصاب بجهل مزمن علاوة على إصابته بعقدة النقص والاستلاب.

وأخيراً ليس عجباً أن تفوح روائح العنصرية البغيضة المستوردة مباشرة من الاستشراق في كلمات أبو فخر وهي من المستشرقين مفهومة أما من بني جلدتنا فكيف نفهمها؟ أنقول إنها فصام مازوشي؟ فالبدوي كان يستحق أن تفخر به يا أبا فخر فهو الذي بنى أعظم حضارة بشرية، وشريعته التي تفتري عليها هي التي قال عنها المنصفون في الغرب إنها أرحم شريعة حملها فاتح في تاريخ العالم، وإن أحببت أن تقارن فقارن بشرائع الغاب التي يحملها فاتحو بلاد العلم الحقيقي الذي يعجبك، وما أطفال الانتفاضة عنك ببعيدين. 

 

الرابط المختصر :