; الفساد يتدثر بالفضيلة | مجلة المجتمع

العنوان الفساد يتدثر بالفضيلة

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1154

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 20-يونيو-1995

بقلم: محمد الراشد

نائب رئيس التحرير

راجت في الآونة الأخيرة في الكويت بضاعة مزجاة ما كانت رائجة قبل أن يغزو صدام الكويت؛ حيث أقيمت مرارًا وتكرارًا نشاطات لحفلات اختيار ملكات الجمال لبعض قطاعات المرأة وعروض الأزياء الرخيصة غالية الثمن وحفلات الرقص لجاليات وافدة يفترض أن تكون منشغلة بلقمة عيشها وتنمية المجتمع الَّذي استضافها؛ حيث أطلق العنان لتشكيل أندية وروابط وتجمعات، ما كان يألفها الجسد الاجتماعي للكويتيين وأهل «الديرة»، الأصلاء وهدف هذه التجمعات كسب الشرعية الاجتماعية عن طريق الانتشار بتلك النماذج من الأنشطة الفاسدة الرخيصة؛ وذلك تحت بصر وزارتي الشؤون الاجتماعية، والعمل ووزارة الداخلية ودون حياءٍ من شركة الفنادق الكويتية، وتعجب كثيرًا أن تسطر الصحافة اليومية "إن الجمال المتعدد الجنسيات يكشف عن نفسه في مسابقة تنتهي بحلبة راقصة تتمايل فيها الخصور والقدود الرشيقة".

 لكن الأعجب والأدهى في أمر بعض هذه الاحتفالات والعروض أن ترعاها طبقة من النبلاء والأشراف عُرِفَ عنهم الفضيلة في أصلهم وشرفهم الاجتماعي وتأبى سمعتهم ورمزيتهم الاجتماعية أن تتوافق مع هذه الفوضى من الفساد.

ويبدو أن إدراك مخاطر رعاية هذا النوع من النشاط غابت عن هؤلاء الأشراف، حيث أن أشراف البلد وعائلاتهم النبيلة الرفيعة هي التي بنت الكويت وحمت الدين وتقاليده المستمدة من شريعة الإسلام الخالدة، وهكذا لسنوات طوال حافظت تلك الأسرُ الشريفة على احتضان الدين وحماية تقاليد المجتمع الكويتي، فكانت وما زالت تأنف أن يستهان بالفضيلة والشرف عبر تاريخ حافظ فيه "أهل الديرة" الأخيار، وخصوصًا طبقاتهم ورموزهم العائلية على خصوصية المجتمع الكويتي المنفتح المنضبط في الوقت نفسه، لكن من يستطيع أن يمنع الفساد بأشكاله التي يغطيها بروح المنافسة الجاذبة أن يتدثر بأهل الشرف والفضيلة والعائلات الكبيرة في المجتمع الكويتي، ومن هنا دأبت تلك الجهات والأندية والجاليات والمؤسسات المشبوهة على تحقيق شرعيتها الاجتماعية بتلك الوسيلة.

 إن تغيير أصل المجتمعات وأعرافها يأتي بطريقتين:

الأول: أن يكون هدفًا للثورات، والثورات في كل عصر سحقت تلك الطبقة العالية في المجتمعات والتي بطبيعة تكوينها الاجتماعي وتربيتها تستطيع الحفاظ على تماسك المجتمعات، وتأصل الفضيلة الاجتماعية فيه (بالرغم من فساد تلك الطبقة من فترة إلى أخرى)، فقد أحرقت الثورة الشيوعية بلهيبها طبقة النبلاء والشرفاء في المجتمع الروسي عام ۱۹۱۷م، ولم يبق من تلك العائلات إلا مشردًا أو مقتولًا أو مسجونًا.

 وفي المغرب العربي كان الاستعمار الإيطالي والأسباني أوَّل ما بدأ به هو انتهاك حرمات العائلات الشريفة الكبيرة، وصاحبة الفضل في العلم والشرف والفضيلة لتسقط كل عزيمة وإرادة وتُمَكِّنَ لنفسها ولمن بعدها من الطبقات الَّتي ألفت فسادهم وشرورهم.

والثاني: إن ما لا يدرك بالثورات يدرك بالفساد الاجتماعي المتدرج، والَّذي يبرز في أوَّل الأمر بصورة صغيرة ومتسترة، ليعلن بعد ذلك على الملأ عبر وسائل الإعلام وبرعاية فاضلة لا تدرك المخاطر إلا بعد أن يصبح ذلك عرفًا سائدًا ونمطًا اجتماعيًا مقبولًا، ولقد عجبت "هند بنت أبي سفيان" - رضي الله عنها - زوجة "أبي سفيان" - رضي الله عنه - عند إسلامها وعند بيعتها لرسول الله r "بأن لا يزنين" قائلة: «أوتزني الحرة يا رسول الله» استنكارًا وأنفة وحمية، فالحرة لا تستظل بظل الفساد ولا ترضى أن يستظل بظلها الفساد.

كما أن إطلالة الفساد عبر وسائل الإعلام يعطيه مساحته من التمدد والقبول حتى تألقه النفوس، وإن الغضب من ربِّ العِزَّةَ لا يقع حتى "يعلن عن الفاحشة"، فاحذروا من تدثر الفساد بأهل الشرف والفضيلة.

الرابط المختصر :