; الفقيه الفيلسوف بعيدًا عن تهافت التأويل (2- 2) القياس الشرعي والعقلي | مجلة المجتمع

العنوان الفقيه الفيلسوف بعيدًا عن تهافت التأويل (2- 2) القياس الشرعي والعقلي

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 21-نوفمبر-2009

مشاهدات 62

نشر في العدد 1878

نشر في الصفحة 66

السبت 21-نوفمبر-2009

في ظل الخصام الذي احتدم بين الفقهاء والفلاسفة برز الإمام «ابن رشد» الحفيد الفقيه والفيلسوف المالكي في توضيح المبادئ التي يجب معرفتها للتوفيق بين الدين والفلسفة، واختط لنفسه منهجًا في إصلاح هذه الحال التي عاشها واستوعب مفاصل النزاع فيها، من خلال إقرار القضايا التالية:
أولًا: «أن الدين أو الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته» وقد ذكر ابن رشد آيات كثيرة من القرآن الكريم تدعو إلى التفكر والتدبر، منها على سبيل المثال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2)، ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 185)، وصرح ابن رشد بأن الاعتبار ليس إلا استنباط المجهول من المعلوم، وهو القياس العقلي أو الشرعي والعقلي معًا، ورد على من قالوا بأن الفلسفة تؤدي إلى الكفر بأن السبب ليس هو الفلسفة، ولكن من يتناول الفلسفة، وضرب مثلًا على ذلك بمن يموت بسبب شرقة الماء، فليس الماء هو الذي سبب الوفاة، ولكن حدوث أمر عارض عند شربه هو الذي أدى إلى الوفاة.
وثانيًا: أن الشرع فيه ظاهر وباطن، ويقرر ابن رشد أن نصوص الشرع لها معنى جلي قريب وواضح، وأيضًا لها معنى خفي، أو بعبارة أخرى لها معنى ظاهر ومعنى باطن، ولكن ليس كما يقول باطنية الإسماعيلية ومن وافقهم. 
وثالثًا: أن التأويل ضروري للتوفيق بين الشريعة والفكر أو بين الدين والفلسفة، فإذا كان الدين يوجب النظر العقلي أو الفلسفي فإنه من الواجب أن نلتمس تأويل ما لا يتفق معه من النصوص ذات الدلالة الظنية في معناها، ولقد صرح ابن رشد بأن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع، فإن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع الصحيح بالعقل الصريح. 


هذا الجهد الذي قام به ابن رشد لا يستطيع القيام به إلا فقيه فيلسوف، قد جمع علوم المنقول والمعقول وأدرك بحكمته جوامع المتفق عليه، وحرر فواصل النزاع بين المختلفين، وأنشأ من أجل ذلك مشاريعه العلمية، ومن أبرزها «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» في بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بين المدارس الفقهية، وردهم إلى الأصول الجامعة والمقاصد المرعية في الشريعة، ثم قام بمشروعه الآخر «فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»، وكتابه «الكشف عن مناهج الأدلة»، وفيه بين أوجه الخلاف والاتفاق بين المدارس الكلامية، لهذا ما فتئ -يرحمه الله- يكرر ويؤكد «أن الناس اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في الشريعة حتى حدثت فرق ضالة، وأصناف مختلفة، كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى، وأن من خالفه إما مبتدع، وإما كافر مستباح الدم والمال، وهذا كله عدول عن مقصد الشارع وسببه ما عرض لهم من الضلال عن فهم مقاصد الشريعة» «انظر: إدريس حمادي: إصلاح الفكر الديني من منظور ابن رشد».
وبحق، نستطيع أن نقول: إن تجربة ابن رشد كفقيه فيلسوف حققت نجاحًا رائدًا في التوفيق والتأويل بين الفقهاء والفلاسفة فميزة تجربته تكامل مشروعاتها التقريبية في ميادين الفقه والفلسفة ليس في نطاق عالمنا الإسلامي؛ بل تم استلهامها لقرون في الكنيسة النصرانية كجامع بين الدين والمنطق، ولكن من خلال شروحه لمنطق «أرسطو» التي تبنتها الكنيسة حتى عصر الأنوار.

ويبقى سؤال آخر: هل ابن رشد كان الوحيد في بيان الموقف الشرعي في هذه الميادين؟ وللجواب عن هذا التساؤل، نحتاج إلى حرث تاريخي ومعرفي لتراثنا الإسلامي لإبراز عدد من التجارب التي لا تقل أهمية عما قام به ابن رشد، ولعل أهمها في نظري الدور التوفيقي الذي قام به الإمام الشافعي في «رسالته» المشهورة، فهو صاحب مدرسة فقهية وسماه الإمام أحمد فيلسوفًا، كذلك الإمام ابن تيمية في رده على غلاة الفلاسفة والمنطقيين، ثم مشروعه الكبير في درء تعارض العقل والنقل، ولا نغفل دور الأندلسيين كالإمام الفقيه الفيلسوف أبو محمد بن حزم، والإمام الشاطبي صاحب «الموافقات»، كل هذه المشروعات هي بعض من كل، تحتاج إلى بيان وتفصيل لمعرفة الدور الريادي في الصناعة المعرفية، ولكن في عصرنا الحاضر قد لا نحتاج إلى التوفيق بين الفلسفة والفقه بالتأويل، وذلك أن الخلاف لم يعد حاضرًا في عصرنا كما كان في العصور السابقة، فالجميع يقرر توافق الشرع والعقل، ولكن ميدان التنزيل فارغ عن ممارسات ومشاريع عملية تؤكد هذا التوفيق وتطبق على الواقع سنن الشرع وقواعده وتجارب العقل ومكتشفاته في مجال الصناعات والمخترعات والفنون الحديثة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 278

106

الثلاثاء 09-ديسمبر-1975

صفحة الأدب الإسلامي   - العدد 278

نشر في العدد 335

79

الثلاثاء 01-فبراير-1977

توضيح