; المجتمع في حوار مع الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن شعيب: الفكرة العمود الفقري للنص الأدبي | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع في حوار مع الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن شعيب: الفكرة العمود الفقري للنص الأدبي

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993

مشاهدات 72

نشر في العدد 1054

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 22-يونيو-1993

·       احتقار المجتمع الإسلامي لشعر امرئ القيس وأبي نواس.. حقيقة

أجرى الحوار بالقاهرة: حسن علي دبا

مدرسة الألسن وعمادة الأزهر

لم يكن رفاعة الطهطاوي في نهاية القرن 19- ذلك الأزهري المبتعث إلى أوروبا- يدري أن الكلية التي أنشأها باسم «مدرسة الألسن العليا» سوف يتولى عمادتها وإدارتها أزهري آخر في نهاية القرن 20، هو الأستاذ الدكتور العميد: محمد عبد الرحمن شعيب، فقد جرت الأعراف على إبعاد الأزهريين فيما بعد عنها، وصار التغريب سمة بارزة بها، حتى كانت تلك الشخصية التي استطاعت أن تجمع بين الخبرة الجامعية الطويلة تدريسًا وإدارة، وبين المنهج الإسلامي الصافي الذي نشأت عليه في الأزهر الشريف ودار العلوم.

لو كان يساريًا لنال كثيرًا من التلميع الإعلامي الأجوف، ولو أراد المنصب لشارك في مواكب النفاق، لكنه يكتفي بشرف العلماء ورثة الأنبياء، وحب الطلاب والأساتذة أستاذيته للكثيرين من الطلاب، وطلاب الماجستير والدكتوراه الذين أشرف على كثير منهم ثم عضويته في لجان عدة ومنها لجنة ترقية الأساتذة في فترات طويلة، حتى إنه يمكننا اعتباره أستاذ الأساتذة في كثير من الجامعات المصرية والعربية، وهو بعد والد عطوف للجميع.

قضايا الأدب والنقد

في القاهرة التقت "المجتمع" الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن شعيب- أستاذ النقد والبلاغة العربية المتفرغ- حاليًا- بكلية الألسن- جامعة عين شمس وحاورته حول قضايا عدة منها الفكرة في الأدب والالتزام في الأدب الإسلامي، وحكاية رفض بعضهم لتسمية الأدب الإسلامي، ومناهج النقد الأدبي، وعلاقة الأدب بالدين... مقدمًا في هذه القضايا وغيرها فكرًا أو زادًا جديدًا.

قال عن الفكرة في الأدب: حتمية الفكرة في الأدب ولون الفكرة التي يتطلبها الأدب مسألة شائكة بين النقاد، فبعض منهم يرى أن الأدب في غنى عن الفكرة؛ لأن الأدب لم تتهيأ في طبيعته الدواعي لتحمل أفكار تنقل إلى الناس لتنفعهم، ويستفيدون من ورائها، ويمثل هذا الاتجاه من المعاصرين د. محمد مندور الذي يرى أن عنصري العاطفة والخيال كافٍ جِدًّا للقيام أو النهوض بوظيفة الأدب، أما الفكرة فأمرها في نظره لا يستوجب الاهتمام بها أو الوقوف بجانبها.

ولست أرى مثل ما يرى د. محمد مندور بل أرى أن الفكرة تمثل العمود الفقري للنص الأدبي على اختلاف أجناسه شعرًا ونثرًا، وعلى اختلاف فنونه، وذلك لأن التجربة التي يمر بها الإنسان تحرك عقله ليقول ما يرى كما أنها تحرك نفسه، تنفث عنها ما «ران» بها من أثر التجربة التي مرت بها، فيتساوى في النص الأدبي العنصران الفكرة والصورة والخيال والموسيقى.

هل الأدب مجال لعرض الأفكار؟

المجتمع: هل يمكن بذلك اعتبار الأدب مجالًا لعرض الأفكار؟ د. شعيب: حقًا إن الأدب ليس مجالًا لعرض الأفكار بالتفصيل العلمي، ولا بالدقة الفلسفية التي يتوقع أن تكون عليها الفكرة في مجالات أخرى، إنما نحن نكتفي في عنصر الفكرة في الأدب بوجود اللمحة والإشارة العابرة التي تحركك للمعرفة والتلقي، وهو في نظري أمر طبيعي بالنسبة للأدب، ولو تتبعنا كثيرًا من النصوص الأدبية على اختلاف أشكالها وألوانها، فسوف نجد أن الأدباء كثيرًا ما يهتمون بهذا العنصر، وكثيرًا ما يفطنون إليه قبل أن يتنبأ العلم لمثل هذه اللمحة التي جاءت على خاطر الأديب، ولو أنك قرأت كتابي «الفكرة في الأدب» لوجدت الشواهد الكثيرة التي تريك أن الأدب مليء بعناصر الفكرة.

وظيفة الأدب ودوره في الحياة

المجتمع: هل يمكن أن تكون لهذه القضية علاقة بوظيفة الأدب ودوره في الحياة؟

د. شعيب: إن هذا بالفعل هو الذي يتفق مع وظيفة الأدب، فنحن نعلم أن وظيفته كانت في القديم وظلت كما كانت إلى الآن هي القيام بمهمتي الإفادة أو المنفعة واللذة، اللذة التي تستروحها النفس وراء قراءة النص، فالجميل جميل في تعبيره في مقاطعه، في تصويره في تخيله وأيضًا إلى جانب هذه اللذة التي تتحقق من وراء قراءة الأدب وهي ما نسميه أو نقف بجانبه الآن وهو الفكرة الأدبية، ولو قرأنا باكورة كتب النقد وهي كتب أرسطو، فسوف تجد هذا الكلام، كما نجده موجودًا عند أفلاطون كما أنه عند كولوريدج من المعاصرين، فالمنفعة أحد العناصر الأساسية التي نأخذها من الأدب، ومعنى كلمة المنفعة هي الفكرة الأدبية التي يتضمنها النص، وهذه الفكرة لا نستطيع أن نربطها بمكان معين، لأن خواطر الأدباء لا تحدها حدود تقيد الفكرة في مجال من المجالات دون غيرها، فأنت في النص الواحد تستطيع أن ترى الفكرة فكرة فلكية، تاريخية، صحية، عسكرية، والأديب يعرض كل هذه الأفكار بطريقة موجزة وخاطفة، وبالقدر الذي يعين جانب التصوير، وجانب التخيل.

الأدب مصدر للمعرفة

المجتمع: هل يمكن اعتبار الأدب- بتلك الصورة- مصدرًا للمعرفة مثل المصادر الأخرى أم أن المعرفة المستقاة من الأدب لها وجه آخر؟

 د. شعيب: من لا توجد لديه الخلفية العلمية حول موضوعات معينة يمكنه أن يستفيد من هذه الشذرات الموجودة في الأدب، بيد أنه لا يأخذ منها التفصيل الصافي الذي ينشده العلماء، وتتوافر فيه الفكرة التي تعطي للنص القدرة على القيام بوظيفته، وهي الفائدة، ولذلك فنحن نسميها الفكرة الأدبية، ونحن نسميها كذلك لأنها ليست واضحة المعالم، تامة التقسيم وليست تامة التشكيل، ولكنها فقط إشارة إلى الاتجاه الفكري الذي يرى الأديب أهمية عرضه في هذا المجال، وهي عادة لا تقوم بالتفصيل وعرض الأدلة، ولا طرق النقاش والحوار، وإنما الفكرة الأدبية أقرب ما تكون إلى اللمحة التي يشير فيها الأديب إلى ما يريد، ويمكن لها في مجال العلم أن تكون فكرة قديمة، ولكن العرض الأدبي لها ينفخ في صورتها، ويجعلها قادرة على أن تظل حية نابضة برغم أنها فكرة قد لا تكون جديدة.

المجتمع: ألا ترون أن الفكرة الجديدة يمكن أن تجعل الأدب أكثر قوة والأديب أكثر إبداعًا؟

 د. شعيب: إن النص أو الأديب من عادته القدرة على مدنا بالجديد، والإكثار منه، ويكون هذا من إمارات عبقرية الأديب، ومن دواعي خلود أدبه كأديب ممتاز.

الالتزام في الأدب

المجتمع: كيف ترى قضية الالتزام في الأدب في ضوء هذه التنويرات لدور الفكرة في الأدب؟ د. شعيب: أرى أن هذه المصطلحات الأدب الملتزم تقترب من «الأيديولوجيا» أو إلى السياسة أقرب منها إلى المواقف الأدبية، فنحن في الأدب لا نصور الواقع إنما نحن نصور الأفضل والأمثل أو الصورة المثالية، أو نصور ما ينبغي أن يكون، إذن فنحن لنا أكثر من لفتة وأكثر من وجهة نظر نجسد الواقع من خلالها.. إن الواقع فعلًا أو المثالي الذي نريد أن يكون بديلًا للواقع، أو الأفضل الذي نريده أن يكون عليه الموقف والواقع.

وهذا كلام قديم: وما زال الأدب في العصر الحديث يساير هذا الاتجاه، وحينما أقول أدبًا ملتزمًا فإني أتساءل ملتزم بماذا، أو أدب هادف إلى ماذا؟ في تقديري أنه ملتزم بأن يعطي للإنسان شيئًا من اللذة وشيئًا من المنفعة، ولكن القول بأن يكون ملتزمًا بسياسة معينة أو بمبدأ معين أو كما يقولون لا بد من أن يكون هادفًا إلى خدمة الجماهير، فلا مانع من ذلك على ألا يكون ذلك نوعًا من الحجر الفكري في بوتقة معينة، أو في إطار معين، لأنه لو كان الأمر كذلك لقضينا على عنصر الذاتية أو الفردية في التشكيل الأدبي، وهو عنصر أساسي في بيان قيمة الأدب والأديب، فلو كان الأدباء كلهم ينفخون في ناي واحد وفي نغم واحد، لما استطعت أن تفرق بين أديب وأديب، أو تميز بين فنان وآخر. إن الأديب يستطيع أن يخدم المجتمع ولكن بطريقته الخاصة وبذاتيته الخاصة التي يرى أنها قادرة على الإجابة عن متطلبات الجماهير، وعن الدواعي أو المواقف الخاصة التي يريد الحديث والتعبير عنها.

الفكرة في الأدب الإسلامي

المجتمع: إذن ما هي الصورة الأمثل لظهور الفكرة أو الالتزام من خلال إطار الأدب الإسلامي الذي صار مصطلحًا أدبيًا معروفًا الآن وشاركتم في مناقشة رسائل لدراسته؟

 د. شعيب: الأدب الإسلامي حقيقة واقعة لا شك فيها، وكل ما بين الأدباء من خلافات حول مضمون أو مدلول الأدب الإسلامي يدور حول نقطة واحدة من الممكن أن تعالج بالتقريب ما بين وجهتي نظر الفريقين، فدعاة أو أرباب الأدب الإسلامي يرون أن الأدب يجب أن يكون ذا طابع إسلامي في فكرته، وفي مضمونه، وفي تصويره، وتعابيره، ولا يخرج مطلقًا عن مدلول الإسلام في أي موقف من مواقفه ولا مانع في ذلك، لكن تبقى للأدب طريقته في عرض هذه الأمور، فبعض الذين يدينون بفكرة الأدب الإسلامي يرون أن الأدب يجب أن يكون هادفًا صريحًا، كنوع من الإرشاد أو التوجيه، بينما يرى الفريق الآخر أن الأدب لو خرج من التوجيه المباشر أو إلى الوعظ المباشر فسوف تذهب منه خصائصه الأدبية التي تقوم على التصوير، وتتجلى فيها نزعة التخيل، ويكتفون في مقابل هذا الالتزام بأنهم يصورون المواقف تصويرًا شائقًا وجميلًا وبلون إسلامي أيضًا. وبفكر إسلامي على ألا يكون توجيهًا أو وعظًا مباشرًا.

بين شرف المعنى وشرف اللفظ

المجتمع: كيف استطاع النقاد أن يتفهموا قديمًا ظلال الأدب الإسلامي تفهمًا علميًا صحيحًا؟

 د. شعيب: نحن نرى أن النقاد دائمًا كانوا يربطون بين شرف المعنى وشرف اللفظ، وهذا الكلام موجود عند النقاد القدامى وعلى رأسهم ضياء الدين ابن الأثير، ولدى النقاد المعاصرين الذين يهمهم اللفظ المهذب، وحين نسألهم عن مدلول اللفظ الشريف والمعنى الشريف تجد أنهم يدخلون بشرف المعنى في دائرة القيم المثالية، وبالمواقف الأخلاقية التي يهم المجتمع أن يحافظ عليها وأن يلتزم باتجاهاتها وإرشاداتها، فكان الأدب حينما يتجه إلى تصوير موضوعه يجب أن يتجه في هذا التصوير في حدود الأخلاقيات التي يرضى عنها المجتمع وفي حدود القيم التي يقرها المجتمع، ولا يمكن أن تصطدم أخلاقيات المجتمع بعقيدته أو قيمه الدينية.

ومن هنا سنجد أنفسنا مؤيدين لفكرة الأدب الإسلامي والاتجاه الإسلامي وإن كنا مع الفريق الذي يرى أن يكون العلاج في الأدب للإسلاميات بغير اتجاه مباشر كالوعظ والإرشاد، ولكن في ثنايا التصوير كأن يكون ثنايا القصة والتعبير ملتزم بالأخلاقيات والفكر العقيدي والسلوك الديني، بغير اتجاه مباشر لمناصرة الفكرة، لأن الإنسان في الأدب مهمته الإثارة والتحريك للعاطفة والاتجاه الفكري إلى هذا الاتجاه الإسلامي ذلك أن المباشرة قد تكون من دواعي التقليل من العنصر الخيالي، ونحن نهتم في التصوير الأدبي بالعنصر الخيالي إلى حد كبير جِدًّا.

أدب إسلامي: لا نسكت عنه

المجتمع: هناك من يرفض فكرة الأدب الإسلامي، لأن مقابله هو أدب غير إسلامي، كافر مثلًا أو نصراني، ويرون- بناء على هذا الرفض- أن التسمية بالأدب الإسلامي لا تخدم العملية الأدبية أصلًا... فما هو رأيكم؟

 د. شعيب: لكل وجهته، ولكل عقيدته، لكنك إذا استطعت أن تربط الناس بقيمهم وأخلاقهم- عن طريق الأدب- فقد نجحت في أن توحد بينهم في الاتجاه الفكري والعقدي إلى حد مؤثر، والذين يرفضون الأدب الإسلامي لا أتصور أنهم يحجرون على من سواهم أن يعبروا عن إسلامهم بالطريقة التي يرونها معبرة عن فكرهم وعن رأيهم، وادعاء أن الأدب الإسلامي سوف يحرك الأدب دينًا في الأديان الأخرى، فهذه مسألة لا يقضى عليها عن طريق الأدب، إنما التفاهم والحوار الموجود في مجالات أخرى كالفقه المقارن والدراسات الموازنة وتاريخ الأديان والتقريب ما بين المذاهب في الاتجاهات الإسلامية أو غيرها يتسع لذلك. فهذه الأمور موجودة وتدرس علنًا وبكل حرية في الفكر وفي إبداء الرأي، فالخوف من أن نقول إننا نلتزم بالأدب الإسلامي من أن نحرض العواطف الأخرى نكون قد انصرفنا عن كلمة الأدب الإسلامي، مع أن غيرنا لم يسكت أبدًا عن التبشير باتجاهاته المذهبية والعقيدية، وهذه مسألة فطرية أن يلجأ كل إنسان إلى نشر فكره ويعمم اتجاهه، فلو صمت أنت، فإنه سوف يتكلم ولو كانت المسألة أنا أصمت ويصمت هو فمعنى ذلك أننا نحجر الفكر والعقيدة، وهذه مسألة لا يرضى عنها الفكر ولا يوافق عليها الأدب... فكل يقول ما يشاء وعند المتلقي الوعي الكافي والإدراك لأن يعلم كيف يكون التصور، وكيف يكون الالتزام بالخلق والالتزام بالدين.

الحرية بعيدًا عن الأدب الماركسي

المجتمع: هل يمكن المرور على تجربة الأدب اليساري في ضوء معالجتنا للالتزام في الأدب الإسلامي لنتعرف على رؤيتكم لها؟

 د. شعيب: في التيار الماركسي- أو اليساري كما يقول المريدون التخفيف من غلواء الماركسي- كان الأدب فيه ملتزمًا التزامًا جبارًا وأكيدًا، ولم يمنع التزامهم أن ينتشر في الأمم التي تدين بحرية الرأي والعكس الصحيح، فالأدب الآخر كان يتسرب إليهم ولكنه كان في مجال الحجر وليس واضحًا وضوحًا كاملًا، أو ظاهرًا ظهورًا سافرًا... ومع ذلك بدأت الدنيا تتغير وبدأ الالتزام لاتجاه معين يتخلخل وبدأ الناس هناك يستنشقون نسمات الحرية في التعبير حسب فكرتهم، أو رأيهم، فالمسألة لا تأتي بالحجر أو الكبت لكن الفكر حين يكون واضحًا، ومؤثرًا وقويًا يستطيع أن يجذب السامع إليه ودون خوف وبدون تهمة تعصب أو تحيز.

مناهج النقد والأدب الإسلامي

المجتمع: في النقد الأدبي مناهج عدة، ترى ما هو المنهج الأمثل الذي يمكن أن يواكب ظهور الأدب الإسلامي مواكبة صحيحة وفعالة؟

 د شعيب: منهج النقد لا يتغير بتغير الموضوعات التي يعالجها الأدب، فمنهج النقد يهتم أولًا بدراسة النص دراسة عميقة مستفيضة، يربط النص بذاتية صاحبه، ومدى تغلغل هذه الأحاسيس في نفسية القائل، يربط النص بالعصر الذي قيل فيه ومدى ارتباطه بأحداثه وأفكاره وقيمه، ثم ينظر في قدرة الأديب على تخليق الصورة المتكاملة للتجربة التي مر بها بحيث تكون أفكاره مرتبطة بالموقف وبالمثل وبالعصر، وبحيث تكون تصويراته نابعة من رؤيته الخاصة للمواقف المختلفة، وتعبيره عن هذه الأمور يكون تعبيرًا أدبيًا جماليًا خياليًا، وفيه موسيقى جميلة في تنسيق العبارة. فكل المذاهب تخدم الأدب الإسلامي، لأن الأدب الإسلامي ليس أدبًا وليدًا الآن، لكنه أدب مر عليه 14 قرنًا من الزمن، وتتجاوب معه النفوس تجاوبًا عميقًا، وأؤكد لك أن المجتمعات الإسلامية كانت تنفر في القديم وفي الحديث من أي أدب يكون فيه خروج عن القيم الإسلامية، بدليل أننا نعرف أن المجتمع الإسلامي كان يحتقر شعر امرئ القيس، وشعر أبي نواس وأخذ أبو العلاء شيئًا من النقد والغضب في بعض تصويراته، وما جعل النظرة قاتمة إلى هؤلاء هو ما تضمنه شعرهم من مواقف ماسة أو جارحة للموقف الديني، وفي العصر الحديث يحدث هذا أيضًا، فلو نجد شاعرًا عنده استعداد للتطاول على القيم وعلى الأخلاق الدينية، فسوف نجد المجتمع يلفظ هذا الشاعر وهذا الأدب ويعتبره شخصية غير ناضجة وغير مستوية وغير جديرة بالاحترام، فكل المناهج تخدم الأدب الإسلامي.

المجتمع: هل لنا أن نستعرض شيئًا من رؤية هذه المناهج لتكون أمام الأدباء والشعراء الإسلاميين؟

 د. شعيب: المنهج النفسي يدخل في معرفة الخاصية النفسية للمنتج، وهي فكرة تخدم الأدب الإسلامي والمنهج المتكامل يأخذ النفسية والتاريخ والذاتية والقدرة على التعبير وعلى التصوير، غير المنهج التاريخي الذي يربط الأديب بالعصر والأدب بالعصر كل هذه المناهج تدور حول تحديد معنى الفكرة وبيان قيمتها، فإذا وصل إلى أن الفكرة فكرة إسلامية فسوف يخدمها أي مذهب نقدي يبينها، ويبين نضجها وقيمتها كما يبين أي فكرة فلسفية أو علمية أخرى، وبنفس القدرة على الإقناع سوف يتوجه الناقد إلى الفكرة الدينية كما يتوجه إلى الفكرة الفلسفية... فلا نربط منهجًا معينًا من مناهج النقد بالدراسة الخاصة بالأدب الإسلامي، لأن كل هذه المناهج والمذاهب النقدية تخدم النص بصرف النظر عن موضوعه، وعن اتجاهه، فإن كل مهمتها هي بيان ما في النص من حقائق ومن جمال ومن ارتباط بذاتية صاحبه، وبعصره، وهي ما يتضمنه النص من شفافية كنظرات مستقبلية. وكل هذه الأمور مقاييس عامة بصرف النظر عن لون الفكرة التي يعالجها النص.

الأدب بمعزل عن الدين: فصل لما لا ينفصل

المجتمع: نشرت في الأيام الأخيرة بعض القصائد في مجلة أدبية مشهورة «إبداع» وكان للأزهر بمصر اعتراضات عليها، فرد رئيس التحرير قائلًا إن الدين بمعزل عن الأدب منذ مدة طويلة، هل يمكن أن نأخذ هذا الرد من شاعر مثل رئيس التحرير مأخذ الجد والعلم، خاصة أنه يكتب مفصلًا القضية ببعض مقولات النقاد القدامى بأن الأدب بمعزل عن الدين، وربما كان يقصد مقولة الجرجاني المشهورة.

د. شعيب: الذين قالوا في القديم إن الأدب بمعزل عن الدين، ولا يعنينا إلا التصوير لم يكتب لكلامهم أن يأخذ طابع الانتشار الواسع المدى في محيط النقد الأدبي، الذي قال هذا الكلام بصورة واضحة كان قدامة بن جعفر أكثر مما قاله عبد القاهر الجرجاني، ولم يكن يقولها على الدين، إنما كان يقول إن مهمة الأدب النظر إلى الصنعة، أما المضمون أو المدلول الفكري سواء أكان دينيًا أو غير ديني فهذا أمر ليس محل اعتبار ونحن نعرف أن العصر العباسي كان في أخرياته مزيجًا بين الثقافة الوافدة والثقافة العربية الأصيلة، وبعض النقاد كانوا يجندون فكرة الجانب الوافد علينا من الثقافات المختلفة، إنما الجمهرة العامة من النقاد لم تكن ترضى بمثل هذا الكلام.

وهم يقولون بالقدرة على التصوير، حتى لو كان ذلك في موقف سيئ، وجاء قدامة بن جعفر ببعض الأبيات التي بها حسن التقسيم في المواقف المارقة والخارجة، وكل ما أعجبه فيها هو جمال التصوير، مع أنه لو ضم إلى جمال التصوير سلامة الفكرة فسوف يكون موقفه أرشد وأصوب، أما الأديب المعاصر الذي يقول بأن الأدب بمعزل عن الدين، فأنا لا أقر هذا الكلام، لأني أرى أن من مهمة الأدب ألا يصدم الناس في عواطفهم، بل على العكس يشبع عواطف الناس ما دامت صادقة وصحيحة ويغريها.

ولقد رأيت في بعض مجالسي العلمية من ينشد بعض قصائده، وفيها نوع من الخروج على الفكر الديني، ووجدت من الجالسين إجماعًا على استنكار ما سمع، وقد رأيت هذا في كبري، ورأيت هذا في شبابي. ثورة ضد من يحاول جرح السلوك الديني باسم الأدب، وأعتقد أن من يقول هذا في جانب «الأدب» وذلك في جانب «الدين» إنما يعمل عملية فصل بين أشياء لا يمكن أن تنفصل، لأن قيم الإنسان وأخلاق الإنسان لا يمكن أن تنفصل عن ذاتية الإنسان، وإذا كان هذا اتجاهًا لدى البعض، فإنه لا يشكل الرأي الأنضج أو الرأي الجماهيري المأخوذ به في عرف النقد والنقاد المعاصرين.


اقرأ أيضا:
 الأدب الإسلامي ينشد الالتزام المنفتح لا الإلزام المقيِّد


الأدب الإسلامي ( التعريف والنشأة والخصائص )


 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

0

الثلاثاء 14-يوليو-1970

هذا الأسبوع (18)

نشر في العدد 1116

116

الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

ثلاثيات (العدد 1116)

نشر في العدد 1652

97

السبت 21-مايو-2005

المجتمع الثقافي (1652)