; المجتمع الثقافي (1652) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1652)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005

مشاهدات 95

نشر في العدد 1652

نشر في الصفحة 50

السبت 21-مايو-2005

الرياض: إبراهيم عبد العزيز المغربي

mograby@hotmail.com

قصة قصيرة

قلب الأم

في بيت متواضع البناء، يطل على حقل القمح بلونه الخلاب وتحوطه الأشجار وبعض الأزهار التي تكسو المكان بألوانها الجميلة، يعيش خالد مع أسرته الصغيرة تحوطه أسرته بحرصها ورعايتها.

رضع خالد من أمه تلقين آيات القرآن مع نطقه للحروف الأولى، وأخذ يحاكي والديه بأداء الصلوات منذ تحركت أعضاؤه خارج مهده الصغير.

كبر خالد ... بدأت أمه تجني حصاد تعبها وحرصها عليه. وفي ليلة أوت إلى الفراش، وقد هدها التعب والمعاناة من العمل بالمنزل طيلة النهار، مع متابعتها لواجبات خالد المدرسية وهو على أعتاب المرحلة المتوسطة.

الوقت بعد منتصف الليل، وقبل الفجر استدعاها التعب للتقلب في فراشها، وفي لحظتها شعرت بهمس أقدام خالد بصالة المنزل، نقض النوم نفسه من عينيها. فتحت جفنيها على أقدام خالد وهو يدخل غرفته الوقت متأخر، طردت الخواطر المتزاحمة نومها ماذا يقوم من نومه هذه الساعة؟ آااه. لقد كبر خالد. لقد أفسد أصدقاء السوء ما تعبت من أجل ثباته عليه.

ترى هل قام هذا الوقت المتأخر لمشاهد....؟؟ ما عهدته مشاهدًا لمحرمات.

ألا يمكن أن يكون أحد زملائه بالمدرسة- أعطاه شريط فيديو، وظن أن أنسب الأوقات لمشاهدته ونحن نيام؟؟

 لا.. لا. إنه من المؤكد الهاتف، إنه على الأرجح سيتصل بـ ........ لا. خرجت الخواطر تدفع مشاعرها دفعًا، وما برد قلبها إلا بدمعات حزينة مفعمة بالحب - والخوف على ولدها خالد.

ياااه للمرة الأولى أشعر أنه كبر.

لكن أين ما قضيت فيه هذه السنوات من- التوجيه والتربية له ترى هل قصرت؟ هل آليت جهدًا من جهد البشر؟؟ هل يمكن أن يضيع كل ذلك في وقت قصير، على غفلة منا؟؟

كل هذا الشعور وغيره تدفق في لحظات قصيرة، تدفق وهو مشوب بالألم الذي اعتصر قلبها عندما ظنت أنها سترى خالدًا في لحظة الضعف، وما كانت تظن أن تعيش ما تعيشه الآن.

استجمعت قواها النفسية، وسحبت جسدها المثقل من سريرها. كتمت أنفاسها، وأخذت خطوات قصيرة نحو غرفة خالد. وقد أعياها التفكير: هل أفتح الباب عليه دون استئذان؟؟

لا.. لقد عودته أدب الإسلام في الاستئذان.

 هل أصيح به بصوت عال ليعرف الجميع لوعتي وحسرتي؟؟ لا.

إنه الموقف الأصعب الذي أتعرض له.

 كل ذلك ورجلاها تقتربان من الباب. استجمعت أنفاسها. اقتربت من باب غرفة خالد فما شعرت إلا بيدها على مزلاج الباب وقد أصابتها رعشة استمدت قوتها من ضربات قلبها المتتابعة. في لحظة وجدت نظرها قد استجمع أركان الغرفة كلها.

أقدامها على عتبة الغرفة. النور خافت. لا تسمع همسًا.

لم تشعر إلا وقد أيقظها صوتها العالي بترديدها: الحمد لله ...

الحمد لله ....

لقد وجدته فوق سجادته يصلي ركعتين قبل أن يؤذن المؤذن لصلاة الفجر..

د. خير الدين خوجة[1]

نحو منهج قرآني في النقد

إن الالتزام بمبدأ التقييم المتوازن والموضوعي مطلب إسلامي سام دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة سلفًا وخلفًا، وهو يقتضي من الإنسان المسلم في معرض نقده وتقييمه ذكر وبيان المساوئ والمحاسن وذكر الجوانب الإيجابية والسلبية في القضايا الخاضعة للنقد والتقييم. نسمع كثيرًا في بعض المجالس العلمية كما أننا نقرأ في بعض الصحف اليومية انتقادات لا موضوعية وأحادية النظر، مقتصرة على ذكر المساوئ والعيوب فقط، تمامًا كما قال الشاعر: «.. ولكن عين السخط تبدي المساويا».

هذه الانتقادات عادة توجه ضد بعض العلماء والمفكرين وبعض المسؤولين في الدوائر الحكومية والمؤسسات التعليمية، وهي ظاهرة منتشرة للأسف الشديد لافتة للنظر ومقلقة لحاضر الأمة ومستقبلها. ولا بد من وضع حد حاسم لها وعلاجها في ضوء القرآن والسنة، لأن صاحب هذا الحكم الجائر قد خالف السنة النبوية والحقيقة القرآنية كما أنه ظلم الموضوعية العلمية.

 إن قرآننا العظيم قد ضرب لنا أروع مثل وذكر لنا أقوم منهج في بيان كيفية الحكم على الأشياء.

ذكر لنا القرآن الكريم سؤال المشركين للرسول عن الخمر والميسر فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ۲۱۹) وليس هنالك شيء أخس منهما، ولكن ماذا كان موقف القرآن ورده تجاه هذا السؤال؟! لقد أرشد القرآن نبيه أن يقول للسائلين إن فيهما إثمًا كبيرًا ومنافع للناس. إذن فيهما الخير والشر، فيهما جوانب إيجابية كما أن فيهما جوانب سلبية، ولكن الحق أحق أن يتبع وأن يقال: إن ضررهما وسلبياتهما أكبر وأعظم من نفعهما وإيجابياتها. هذا هو الحكم الموضوعي حول هذه المسألة. هذا هو المنهج العلمي المتزن والوسطي الذي يجب أن نسير عليه في حكمنا على المسائل والأشياء وعلى جهود الآخرين وأعمالهم من حكام ومحكومين ورؤساء ومرؤوسين، وألا ننسفها نسفًا لمجرد عدم موافقة تلك الجهود لآرائنا وأفكارنا: إذ لا يعقل أن تبلغ تلك الجهود والأعمال في الخسة والتفاهة - إلا ما ندر - درجة الخمر والميسر بحيث نحكم عليها بالرفض والبطلان، جملة وتفصيلًا شكل ذلك في سبيل الحفاظ على أمانة التوازن والوسطية والنقد المنهجي العلمي الموضوعي، حتى لا تكون من الظالمين، فهل نحن فاعلون ؟

[1] أستاذ الدراسات الاسلامية المساعد كلية المجتمع جامعة طيبة المدينة المنورة

د. حلمي محمد القاعود

لغة عصام الغزالي الشعرية (٢ من ٥)

لا تستعصي على بحر أو قافية.. وتقوم على معجم إسلامي

لغة الشعر عند عصام الغزالي تتميز بالسلاسة واللين والمطاوعة، وهي مثل العجينة في يده، يشكلها كيف يشاء، دون تكلف أو عناء، ولا تستعصي على بحر ولا قافية، وهي بصفة عامة تقوم على معجم قرآني، إسلامي يلحظه القارئ بوضوح عبر قصائده، منذ بداياته حتى الآن، وذلك يعود بالطبع إلى رؤيته الإسلامية للكون والحياة، وثقافته القائمة على الوعي بالتراث الإسلامي.. إلى جانب ثقافة التخصص التي كونت حياته العلمية والعملية.

والمعجم الإسلامي يتدفق عبر المفردات والتراكيب بل الصورة والبناء الشعري جميعًا ويستطيع القارئ أن يطالع في معظم القصائد مفردات الطهارة والتسبيح والتوبة والتقوى والاستغفار والترتيل والصلاة والجنة والحور العين والفتوى والنور والتكبير والصبح والاغتسال والابتهال والصبر والعفة والرزق والبراءة والقضاء والشهادة والزكاة والصحابة والمنابر والبدر والرسول-صلى الله عليه وسلم- والقرآن الكريم والحرام والحلال والهلال والسلام والوضوء والكوثر والمسك والآيات والتوحيد والرق المنشور والشفاعة والبشارة والاعتصام والفجر والصيام... إلخ.

وهذا المعجم يعطي بلا شك إشعاعاته الإسلامية في القضايا التي طرحها الشاعر عبر قصائده أو التجارب الشعرية التي يعالجها بصفة عامة، كما أنه يعطي مذاقًا خاصًا للغة الشاعر وصياغته الشعرية يختلف بالطبع عن المعجم العادي أو المعجم المخالف الذي يلجأ إليه شعراء آخرون، لا يؤمنون بالتصور الإسلامي، أو يؤمنون به ولكنهم لا يطبقونه في تجاربهم الشعرية لسبب أو لآخر.

إن المفردة الإسلامية في القصيدة لدى عصام الغزالي تعطيها خصوصية من حيث البناء أو التركيب فضلًا عن الرؤية، ولعل قصيدته عدالة الطين تعد من أفضل الأمثلة الدالة...

يقول فيها:

أقاضيكم أمام الله فاحتفظوا بحجتكم إلى حين فلا التزيين يقنعني بموقفكم ولا التخويف يثنيني ولا الأوراق تجعلكم على حق بأصباغ وتلوين ولا العدل الذي أرجوه عندكم فأطلب منه تمكيني

***

أحاسبكم أمام الله فانتظروا سيحييكم ويحييني ويوقفنا ويسأل وهو علام.. ويفصل في البراهين

***

أقاضيكم وحسبي اليوم أن خاصمت في رفق وفي لين وحسبي الله في تأجيل مظلمتي وفي إهدار تأميني أقاضيكم.. وحسبي الله في عجزي أمام عدالة الطين[1] إن القصيدة تطرح - فيما يبدو - مظلمة خاصة وقعت على الشاعر، ولكنها في الإطار العام تناقش قضية أوسع تتعلق بالعدالة المطلقة والعدالة العرجاء أو العدالة الظالمة التي لا تشفي غليل المظلومين، والشاعر يعلن هنا ثقته في العدالة المطلقة التي تتم أمام الله سبحانه ويسحب هذه الثقة من العدالة العاجزة التي يكنى عنها بعدالة الطين وبين الثقة، وسحب الثقة. نجد المعجم القرآني أو المعجم الإسلامي يحكم البناء الشعري، مفردة وتركيبًا وتصويرًا.

 إن الشاعر يبدأ قصيدته بجملة، أقاضيكم أمام الله.. والظرف أمام يحسم المسألة ويعطينا ما نسميه بثقة الشاعر في العدالة الإلهية، وبالتالي سحب ثقته في العدالة الدنيوية العاجزة عن الوفاء بالحقوق. ولفظ الجلالة المضاف إليه يؤكد وجوده في التركيب على انتماء الشاعر واعتقاده، لذا فإن ثقته المطلقة في ربه تقول لخصومه فاحتفظوا بحجتكم إلى حين كأنه ينبههم إلى أن العدالة الدنيوية وإن حكمت لصالحهم فلن تلغي بحال العدالة الآخروية التي تتم بين يدي الله. ثم نرى الشاعر يؤكد على ثقته بالعدل الإلهي من خلال رفض الخوف والتزييف والتزوير.. ولا الأوراق تجعلكم على حق.... بل إنه يكرر أن العدل الذي يرجوه ليس عند هؤلاء الدنيويين الذين يستخدمون الترهيب والترغيب.

وفي خطاب الشاعر لظالمه ما يؤكد أيضًا على إيمان واثق بالبعث والحساب الدقيق يوم الحشر، فانتظروا سيحييكم ويحييني وهو إيمان واثق بأن الله علام الغيوب يعلم السر وأخفى ويوقفنا ويسأل وهو علام.... وهو إيمان واثق يدل عليه تكرار لفظ الجلالة أربع مرات، وتكرار الضمير العائد عليه أكثر من مرة، والإتيان بوصفه الدال عليه علام.... هذا الإيمان الواثق يزرع الأمل في نفس الشاعر التواقة إلى العدل الحقيقي، والرافضة للعدل الخادع الذي يصنعه التخويف والتزوير والتزييف ... ومن ثم، فإن مخاصمة الشاعر لظالميه في رفق ولين لا تعني أن حقه قد ضاع وإنما سيأتي في يوم مشهود.. وفي هذه المرحلة، فإنه يكتفي بربه .... وحسبي الله في عجزي أمام عدالة الطين.

 إن الإيمان الواثق بعدالة الله يختلف عن غيره من السلوكيات والمعتقدات، ولو تصورنا شاعرًا غير واثق بالعدالة الإلهية، يواجه هذه المظلمة، فإن المرجح أنه سينتقم من الظالمين الذين أهدروا تأمينه، أو على أحسن الفروض سينخدع بتزييفهم ويستسلم لهم، وكلا الأمرين لا يتفق مع الرؤية الإسلامية.

شفافية وطهر

وفي قصائد عصام الغزالي، معجم يفيض شفافية وطهرًا، وصفاء، ولعل قصيدته تركة تاجر مسك[2] من خير الأمثلة على ذلك. وهي تنقلنا إلى أجواء الزهادة والطيبة، وتأمل دلالة المسك على رائحة من نوع خاص ترتبط غالبًا بالمسجد ورواده، وأذكر ونحن في زمن الطفولة البعيد، كان هناك من يأتون إلى مسجد القرية ويوزعون علينا عطر المسك أو يحملون صناديق خشبية لها باب من الزجاج تضم أنواعًا مختلفة من العطور، أبرزها المسك يعرضونه للبيع، وكنا ونحن أطفال نمد أيدينا للبائع كي نصيب شيئًا من روائحه مجانًا وقصيدة تركة تاجر مسك رثاء الراحل عزيز

هو والد الشاعر، ويمكن أن تحمل دلالة رمزية دون افتعال بدءًا من مطلعها الذي يقول فيه:

يا تاجرًا للمسك لا في السوق بالمال   خلفت ريح المسك في الذكرى وفي الآل     

 فارقتني والدمع في عيني محتبس     لكن ريح المسك حولي أصلحت بالي

كما أن القصيدة تحمل معجمًا دالًا على الشفافية والطهر والصفاء، ويتردد في جنباتها مفردات الآيات القرآن البعث المصحف صوت الحق التنزيل النور الترتيل ظل الله العفو الإقبال الربح الإلهي الدين الخروج من الضيق المحراب بيت العلم والقرآن، فضلا عن العطر والمسك وحاملهما ... وتأتي أهمية هذا المعجم من أن الشاعر يطرح من خلاله مفارقة التركة التي تشمل متاعًا دنيويًا، والتركة التي تحمل ميراثًا من القيم والمثل العليا، فضلًا عن الدين، وهذا ما تركه الراحل العزيز:

 يا حافظ التنزيل في صدر وفي شفة      يرقى بك الترتيل من حال إلى حال

والنور حول الوجه من رفق ومن دعة      والظل ظل الله من عفو وإقبال

خلفت ما خلفت من دين وتربية           أحن على الأبناء من عم ومن خال

اغنيت من قدرت أن الله مخرجهم         من كل ضيق نالهم من غير إذلال

يا تاجرًا للمسك إرث المسك ثروتنا    تربو مع الإنفاق من علم ومن مال

ثراء لغوي

وتبرز أهمية المعجم الإسلامي في الشعر هذه الفترة خاصة، حين نعلم أن المنشور على الساحة الأدبية أو معظمه، يبدو بعيدًا عن هذا المعجم بل معاديًا له، بل معاديًا للذوق العام ولست في حل الآن من إيراد نماذج له، ولكن الشاعر مع اهتمامه بالمعجم الإسلامي في الإطار الشامل يستفيد بالمعجم الشعبي والمعجم العلمي، وكلاهما ليس نقيضًا للمعجم الإسلامي، بل داعم له، وصانع مزيدًا من الثراء اللغوي والشعري.. ويلاحظ أن كمية المستخدم من المعجمين تبدو قليلة ...

ويبدو المعجم الشعبي في أفضل استعمالاته مقرونًا بالحديث عن الوطن، والتعبير عن حبه، وتظهر مفردات وتركيبات «ترعة الكفر»، وروضة التوت وحظيرة الدواجن»، و«الشطوط والطبلية»، و«القلة»، و«الموت في الوطن... عبر قصيدته مصر ۱۹۷۰م[3] لتقدم نوعًا من المقاومة في وجه الهزيمة والضياع السائدين في تلك الفترة، يقول الشاعر:

أنا فيك يا بلدي أموت.. فلا أموت ولا العشيرة

أنا من ترابك زهرة مالت عليه لكي تنيره

***

أنا ترعة الكفر العجوز وهامة البرج الشهيرة وأنا المآذن والنخيل ودوحة التوت الكبيرة انا حين تجمع أسرة طبلية عند الظهيرة t أنا في تماثل من يخف إذا القلوب أنت سريره في «قلة» الماء التي يطفي الظمي بها الهجيرة

أنا في عيون هريرة.. وعطاء سنبلة فطيرة أنا مصر تشرق في ابتسامة طفلتي ذات الضفيرة

إن المعجم الشعبي يشير إلى تجذر الانتماء الوطني، وتداخله في النسيج الشعوري، لدى الشاعر، فالمفردة الشعبية ليست مجرد ديكور یزین به أبياته ولكنها دلالة على عمق نفسي وروحي يربط ما بين الشاعر والوطن.. تأمل «قلة الماء» التي يستخدمها المصريون، وخاصة في القرى، لتبريد ماء الشرب منذ آلاف السنين، ودلالتها في التعبير عن خصوصية الوطن، تجد أنها نقلت القصيدة مع مثيلاتها من المفردات والتركيبات الشعبية من تعبير مجرد إلى تمازج واندماج بين الوطن والمواطن أو بين الشاعر والوطن.

مفردات عصرية

أما المعجم العلمي أو العصري، فقد ورد في قصيدة واحدة يحمل عنوانها دلالة علمية عصرية أيضًا، وهو «سوق اللدائن»[4]، واللدائن هي المصنوعات البلاستيكية التي ظهرت في عصرنا، وهي مرادف لمفردات شتى، مثل التضخم والأشعة والكهرباء والشرائط والمعارض والسرعة والأضواء، والشاعر يستخدم المفردات العلمية أو العصرية للمقارنة بين نوعين من القيم.. قيم الخير وقيم الشر، والقصيدة في مجملها إدانة للعصر وتقلباته التي تكون غالبًا ضد الإنسان، يقول في مطلعها:

یا عصر فلسفة البلستك والغثاء               من لي بعودة فلسفات الأقوياء؟

عصر التضخم والصراخ، طفى على             القيم الجميلة ضاحكًا في كبرياء

عصر اللدائن والأشعة، والجنون              والانتحار تقدمًا، والكهرباء

 هل عالم هذا الذي أحيا به                أم غابة الإنسان حقد واعتداء؟

وإذا كانت سوق اللدائن، تحمل دلالة عصرية، فإن العديد من عناوين قصائد عصام الغزالي تحمل الدلالة ذاتها، ويكفي أن نطالع مثل هذه العناوين في مجموعة شعرية واحدة من مجموعاته: رقص بالقنبلة، أوراق اعتماد شد الرحال، قصيدة بقلم كاتم الصوت كتابة التاريخ بالأرجل، مرثية رجل في جهنم، فات ميعاد العمل خواطر مواطن في حديقة الحيوانات[5] والعناوين في مجموعها تنبئ عن معايشة شاعر لمجتمعه معايشة حميمة، كما تخبرنا عن معاناته القاسية في بعض الأحيان مما يجري في هذا المجتمع.

مقتطفات ثقافية...

                         العقل وشروط الوجود الإنساني

 في ماض قريب كان هيجل وماركس يقترحان على الإنسانية تصورات لا تتردد في الزعم بقدرة العقل على تحديد وجهة التاريخ النهائية وبإمكانية تعرفه على السبل والوسائل الكفيلة بأن تضمن له تصالحًا مع النواميس والديناميات المتحكمة في مصير البشرية ... وبلوغ نوع من الخلاص على الأرض.. وهكذا انجذب إليها الناس وتبناها الآلاف من المثقفين والفاعلين وتحولت بالتالي إلى مصدر لتحولات كبرى في التاريخ الحديث.

ويبدو الأمر اليوم وكأن الحماس الذي فجرته تلك التصورات قد تبدد تمامًا. فالنصف الثاني من القرن العشرين شهد تراجعًا وإن لم يكن دائمًا منتظمًا، انسحب بموجبه العقل من الحقول الهيجلو. ماركسية، وتخلى عن الآفاق التي كانت تلوح بها.

أما التعبيرات التي انضوت تحت لواء ما بعد الحداثة والتي لم تكن ترى في أفقنا النظري سوى نسيج من أنماط السرد التي ترسم عوالم محلية لا توحدها مبادئ شمولية.. فإنها تبدو هي الأخرى وكأنها أصيبت به انتكاسة حقيقية، إلا أنه يمكننا كذلك أن ننظر من زاوية مغايرة إلى التحولات التي لحقت تطلعات العقل باعتبارها تقدمًا نحو مزيد من الوضوح المنهجي والانعتاق من السحر الذي مارسته أشباح لعلها لم تكن تختلف كثيرًا عن تلك التي سكنت المعتقدات البدائية.. فبافتقاده لأوهامه قد يكون العقل بلغ حالة من اليقظة والواقعية اللتين قد تسمحان له بالنظر دون مواربة لشروط الوجود الإنساني بالأمس كما اليوم..

ابنك والتلفاز.... مشكلة علاجها التحاور

التربية في كبسولة معقمة أو في حضانة خاصة ربما تحمي أطفالنا من الأمراض الآن، ولكن عند فتح الحضانة وخروجهم من الكبسولة المعقمة لن يكونوا قادرين على مواجهة ما يتعرضون له.

[1] هوى الخمسين، ص ۸۹

[2] أهددكم بالسكوت، ص ۱۰۲ وما بعدها.

[3] لو نقرأ أحداق الناس، ص ٤٠ - ٤١.

[4] دمع في رمال، ص ۳۸ - ۳۹

[5]  انظر صفحات ۱۲. ۲۰۱٤ . ٦٥ ٠ ١٠٣٠٨٤ ١٠٤ على التوالي في مجموعة دمع في رمال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

184

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

130

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم