; الفكر الإسلامي بين القديم والجديد | مجلة المجتمع

العنوان الفكر الإسلامي بين القديم والجديد

الكاتب الدكتور حسن الترابي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 573

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 01-يونيو-1982

سلفنا التاريخي كان منهم عناصر الطلاح وعناصر الصلاح وعناصر القصد.

كان منهم ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، أما السلف الصالح رضوان الله عليهم فأحسب أنهم لو عاشوا زماننا لذهبوا إلى ما نذهب عليه ولما كانت مذاهبنا غريبة منكرة ولكنها تبدو بذلك الوجه الغريب عند النقلة الذين استداموا مذاهب السلف وساقوها وراء البيئة التاريخية والثقافية التي أنشأت تلك المذاهب والتي قامت فيها تلك المذاهب خطابًا للباطل الذي كان يقوم، وعلاجًا للمشكل الذي كان يغش المجتمع فنحن بالنظر إلى تراث الإسلام لا نتجاوزه غفلة عنه ولا زهدًا فيه، ولكن إمعان النظر في ذلك الكسب التاريخي المتطارد يدعو في نهاية الأمر إلى أن يتجاوزه المسلم بناء على بعض الخير الذي احتواه واتعاظًا ببعض الشر الذي احتواه كذلك، وليست الدعوة للتجديد دعوة لتبديل أصول الدين وقواعد الشرع، وإنما هي دعوة لتجديد كسب المسلمين من التدين فكرًا وعملًا فإذا كان الثبات والدوام هو حق الشريعة، فإن كسب المسلمين -تفهمًا لتلك الشريعة أو اختيارًا لتلك الشريعة وخطابًا إلى أهل الشكوك والريب ومجابهة لتحديات الابتلاء وعلاجًا للمشكلات القائمة- لا نعيب له من القنوط إنما يتعين على كل قرن من المسلمين في إطار ظرفهم وفي وجه التكاليف التي تعينت عليهم أن يعودوا إلى أصول الإسلام ومنابعه الأولى، ولا يجعلوا من التراث الإسلامي حائلًا بينهم وبين تلك الأصول يحجبهم عنها فما ينبغي لكسب بشري أن يحجب المرء عن ربه أو عن هدى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بل ينبغي أن يقصد المسلمون إلى تلك الأصول فيأخذوا من منبعه الصافي مستعينين بما سبقهم من السلف الصالح مستنيرين بآرائهم متعظين بتجاربهم، والتجديد ليس حركة طارئة لأنه ينبغي أن تقوم بهذا العهد بعينه، إنما هو حق الدين كله؛ حق المسلم الذي يقوم على كلمة التوحيد أن يجدد مقتضى تلك الكلمة، ومعنى التوحيد في وجه كل ابتلاء قد يجنح به نحو الإشراك والانقطاع عن الله والله سبحانه وتعالى يأمر المؤمنين أن يؤمنوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (النساء: ١٣٦) ويأمرهم إذا اتقوا أن يتقوا الله مرة بعد مرة فما يجب في حق المسلم الفرد يجب كذلك في حق المجتمع في كل يوم جديد أن يجدد أمره سواء المسلمون قد غفلوا عن واجب التجديد اليومي الظرفي الذي يأتي رفيقًا فلا يحدث زعزعة ولا بلبلة بصدمة، قد غفلوا عنها دهرًا طويلًا حتى تراكمت علينا مشكلات كثيرة تعطلت فيها جهود المسلمين فكرًا وعملًا، وعندما استيقظت هذه اليقظة الحديثة أدركنا أن ما تأخر علينا قد تكاثر وأن الأمر يقتضي تعطفًا هائلًا، وأن واجب التجديد سيأتي بأحجام عظيمة تحدث صدمة عند الذين يستمسكون بالقديم ويحسبون أن القديم من كسب البشر يصلح لكل زمان ومكان ولا يصلح كسب البشر بالطبع لكل زمان ومكان والدعوة للتجديد ليست الدعوة للخروج على أصول الدين إنما هي دعوة للتحري بمقتضى الدين في كل ظرف جديد للتعبير عن الدين وأحكامه وقيمه، بما يضمن ثبات المعنى الذي يقصد إليه الدين حتى إذا تغيرت صور التطبيق وصور الفهم فالعقيدة مثلًا واحدة ولكن في كل عهد من العهود تطرأ شبهات تجابه المسلمين ويضطر أن يستعمل مناهج في الخطاب وأساليب في الجدال كالمنهج الكلامي مثلًا في يوم من الأيام عندما طرأت شبهات الثقافة الهيلينية وشبهات الجدل المسيحي وقد يحول الزمان فلا تصبح لتلك المناهج ولا لتلك الأساليب ولا لذلك الكسب مغزى أن ترد شبهات جديدة من العلم الطبيعي والعلم الاجتماعي، ولابد من منهج جديد في الخطاب، وفي المنطق الجدلي حتى يخاطب وكذلك الفقه وتطور المجتمعات من بداوة إلى حضارة من مجتمعات منعزلة إلى مجتمعات تصلها ثورات المواصلات والاتصال الحديث ومجتمعات يقوم بها الناس بأعداد قليلة ومجتمعات تتكثف فيها المجتمعات السكنية فتحدث للناس أرضية جديدة تستوجب فقهًا جديدًا والدعوة سبقت إلى تجديد أصول الفقه، وإن كانت الدعوة إلى تجديد كل الجهد الفقهي والكسب الاجتهادي من الإسلام ذلك أننا إذا أقبلنا على فرعيات الأقضية نفتي في كل واحدة منها بما يطرأ علينا من تلقاء الهوى الذي يقوم في جوانحنا من تلقاء ضغوط الظروف والحاجات والضرورات التي تحيط بنا، من تلقاء الغزو الثقافي الذي يؤثر علينا بما تطرأ علينا دواخل تؤثر على فتوانا وعلى النتائج التي نطلبها فيتشتت أمرنا، ولا نجد عاصمًا يجمع كلمة المسلمين أو حركتهم فلزم لذلك إلى أن نطرق أبوابًا للفتاوى الفرعية؛ أن نتواضع على منهج للاستنباط وإذا كان المسلمون قد حققوا كسبًا هائلًا في أصول الفقه فإن ذلك المنهج كان موافقًا للظروف التي كانوا فيها، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة ولا نستحصي أصول الفقه الإسلامي التقليدية قامت في مجتمع لم تكن الحكومة فيه مرضيًا عنها عند أهل الشرائع ولذلك ومع أن الآيات الصريحة التي تجعل لأولي الأمر نصيبًا من الحكم بعد شرع الله وسنة رسوله بالرغم من ذلك لما رأوا من حكامنا ما رأوا لم يقروا لهم هذا النصيب لأن ذلك سينتهي بهؤلاء لأن يتخذوا من الأحكام الشرعية مجالًا يفسدون فيه الفقه ويظلمون فيه الناس فطووا ذكر الحاكم والسلطان وولي الأمر، بما رأوا وبما قدروا من خطر ذلك الأصل هذه واحدة، كذلك أصل الإجماع الذي كان هو إجماع الأمة المسلمة أو إجماع المؤمنين كما نص عليه القرآن في آية الشورى وفي آية اتباع المؤمنين وكما نصت عليه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في اتفاق الأمة على الهدى وفي اتباع الجماعة وعدم الشذوذ عنها إنما هو في الأصل لجماعة المسلمين لا لعامتهم كما يصدرون عن أهوائهم، ولكن للمسلمين الذين يهتدون لهدي الإسلام  فيستنيرون قبل تقريرهم الأمور بآراء علمائهم ويرجعون إلى أهل الذكر ويتشاورون ويتناصحون فيتكامل علمهم فيصدر عنهم، ولكن لما رأى الفقهاء أن المسلمين تفرقوا في البلاد ولا سبيل لجمع كلمتهم في تلك الظروف العملية ولما رأوا من كثرة الجهل المتفشي حصروا ذلك الحق في ممثلي الأمة المسلمة من علمائها ومقدميها وإجماع العلماء وممثلي الأمة المسلمة وإلا بعض فقهاء المسلمين الذين عاشوا في بيئة موحدة ممكن أن يصدر فيها إجماع كمالك رضي الله عنه وكذلك الأصول الفقهية الأخرى بالقياس والمصلحة والاستحسان والاستصحاب، كيفت تلك الأصول في أطر المنهج الإغريقي في المنطق العلمي، وتأثر ذلك المنهج وبجنوحه نحو التجديد ونحو الضغط الشديد الذي لا يناسب العلوم الاجتماعية بل لا يناسب فقهًا دينيًا يتوخى المقاصد ولا يقف عند ظواهر الأمور وحرفها.

ولما كان المسلمون لا تقوم لهم حكومة تضبط أمرهم، ولا جماعة يتشاورون في قرار، ولما وقعت الخشية من التفرق والتشتت اضطر كثير من أهل الأصول أن يقرروا الأصول بوجه منضبط جدًا، لا يفتح مجالًا واسعًا لاختلاف الرأي لأنه لا عاصم بعد الاختلاف وحتى انتهى الأمر إلى سد أصل الاجتهاد وبابه جملة واحدة، فكلها ظروف تاريخية تحرى فيها فقهاء الأصول ما هو خير للمجتمع المسلم في ظروفه تلك، وتأثروا فيها ببيئتهم الثقافية والاجتماعية والسياسية، فإذا تبدلت الأحوال وقامت للمسلمين حكومة راشدة وقامت لهم جماعة يمكن أن تجتمع بوسائل الاتصال الحديث، وأصبح ميسورًا بعد اختلاف الرأي أن يجتمع الرأي على قرار إجماعي واحد فلابد أن تتغير النظرة إلى الأصول، وإذا كانت الأصول الإغريقية في المنطق قد تطورت كثيرًا وقد كملتها أصول في المنهج العلمي الطبيعي والمنهج العلمي الاجتماعي فعلى المسلمين أن يستعينوا بها ليسخروها في عبادة الله في مجال الاجتهاد فيمكن بذلك أن يقوم تجديد أصول الفقه، وذلك هو القصد من الدعوة إليه لأنه لابد أن نحاول تأسيس الأصول بما يضبط الرأي لا بحكم القانون بل حتى نستطيع من تلقاء أنفسنا ومع سيادة الحرية الفكرية أن تتقارب الآراء والمذاهب فيتوحد مذهب المسلمين ووجهتهم العامة.

أما الحديث عن أصول العلم الحديث فمعروف من تاريخ علم الحديث أن المنهج التاريخي في تمحيص الأخبار كان يستند في بعض جوانبه إلى بعض النصوص الإسلامية العامة في الثقة بالمسلمين وصدور الأخبار وآداب نقل الخبر والتوثق منه، فهو يستند كذلك إلى بعض التجارب العلمية التي خاضتها البيئة الثقافية عندئذ بطريقة التمحيص وانتهت إلى تلك النتائج التي تبدو بالنظر إلى تاريخ الغير الذي كتبه الكاتبون تبدو في غاية الضبط والدقة لكنها ليست أصولًا منزلة قررها الشرع بتفاصيلها ولا يجوز الخروج عليها ولا تجوز مراجعتها.

ولما كان أصول الحديث خاصة في السند قد تعرض لكثير من الأعاصير والريب فلا بأس اليوم من الاستنصار بعلوم التاريخ كذلك ليطمئن الناس إلى صدق تلك الأصول وثباتها ولا بأس من أن تصحح بعض الأحاديث التي وضعها بعض الناس من تشدد زائد ولا بأس كذلك من النزول بالدرجة بعد الصحيح إلى الحسن مثلًا وهكذا وقد يقدر بعض الناس أن هذه الدعوة ربما تؤدي إلى انهيار السنة جملة واحدة وهذا هو تقدير ناشئ عن فطرة متحفظة متخوفة من كل بحث ومن كل تقدم وهي موصولة بالروح التي سادت المسلمين عمومًا إبان إنحطاطهم الحضاري لأنهم يخافون من المستقبل ولأنهم لا يرون الناس يقبلون إلا على شرط ويخافون من المجهول لأنهم لا يرون المجهول إلا عليهم لا لهم، ولكن إذا اعتصم المسلمون بروح الإقدام والإقبال والتوكل بنهضتهم الحضارية فسينفعلون بذات الروح في المجال الفكري، كما ينفعلون بها في المجال العملي والسياسي والنهضة الاقتصادية والنهضة السياسية فسينهضون نهضة علمية وسيقدرون أن هذه النهضة إن كانت تقتحم بهم المجهولات فإنها ستكون بخير أكثر مما تجلب من شر، وأن مقدر أن هذه النهضة ستزيد من اطمئنان الناس إلى صدق السنة والسيرة عمومًا وأخبارها وستزيد من فهم الناس بسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وستزيد من تكثيف المناهج التي تلقي الضوء على فهم كتاب الله وسنة رسوله وسنوصل من الأصول بناء على ما سبق لأن الدعوة ليست إلى نسف التراث الإسلامي وإنما الدعوة إلى النظر الجديد فيه وهو أمر الله سبحانه وتعالى يكلف كل ملتزم بالإسلام بل يكلف من تأهل لذلك بل يوجب على المرء أن يتأهل لذلك، ويعيد النظر في كل شيء في العقيدة يؤمن لا نقلًا إنما قناعة وأصالة وفي النظر كذلك ليطمئن قلبه.

هذا أمر يدعو إليه الإسلام فأنا واثق من أننا سنزداد بذلك اطمئنانًا وتثبيتًا لن نزداد بذلك فوضى وقد يقول قائل بأننا نتعرض في هذا الوقت بالذات لموجات عاصفة من الغزو الفكري، وربما تعصف هذه الموجات بحركتنا العائدة للنظر في قديمنا تزيدنا شكًا وزعزعة والرد على ذلك أننا لن ننفك أبدًا من هذا الابتلاء أن الله سبحانه وتعالى في تطويره لمقدرات البشر قد ركب الحياة المعاصرة بأن يتصل الناس فيها بوسائل الاتصال الحديث ولو أمكن أن نضرب على المسلمين حائطًا يحفظهم حتى نربيهم بأصول الإسلام ثم نفتح لهم الأبواب، ولكننا مضطرون لأن نربي المسلمين فكرًا في وجه هذه الأعاصير ومن الخير ذلك، لأن الذي يتربى في وجه الأعاصير يكون أقوى وأعتى في مجابهتها وينقلب عليها بإذن الله ويؤثر عليها، إذ يدرك كل عللها وعيوبها من سابق عهد التعرف بها، ولئن كان بعض الناس ينطلقون من محاولة الطعن بالإسلام والتشويه ويصلون إلى بعض الآراء وآخرون ينطلقون من محاولة تأصيل وتثبيت الإسلام ويصلون إلى بعض الآراء فلا يعيب الحق أن يقوله شخص يريد به الباطل، وفي رأيي أن المسلمين قد تزعزعوا بعد هذا السكون الذي خيم عليهم وهذا الجمود، إذ ظهرت فجوات في عقلهم وفي تجاربهم تمكن هذا الغزو وتسلل منها ومحاولة سد هذه الثغرات لن تزيد بل ستضعف أثر الغزو الأجنبي ولو تركنا المسلمين على ما هم فيه وهم معرضون لا محالة لا ينفكون من التعرف على هذا الغزو سيتمكن منهم الغزو أكثر وسنجد أن مهمة النهضة بهم وتحريرهم من آثار هذا الغزو وتأصيل ثقافتهم أشق بكثير في عهد سابق، أما الفتاوى الفرعية التي قد تصدر أحيانًا تمثيلًا لمثل هذه القواعد الأصولية فهي على كل حال أمثلة والناس لا يتجادلون بالأمثلة وإنما الجدال ينصب على القواعد الكلية وقد يخطئ المثال ويصيب القاعدة لأننا بصدد قواعد في الفقه وفي علم الاجتماع ولسنا بصدد قواعد في علم الطبيعة إذا ثبت في مثال واحد أن القانون الطبيعي لا ينطبق يأتي هذا على القانون الطبيعي بالنقص ولكننا في علم المجتمع وقد يخطئ المثال أو قد يصيب.

والواقع أن الناس ينفعلون بالأمثلة بغرابة الأمثلة كثيرًا من أنها تتصل أحيانًا ببعض الأقضية التي تجمد فيها التقليد القديم ولم يعهدوها والواقع أني في ما عهدت أجد الذين يطلعون على الثروة الفقهية الإسلامية القديمة بكل ما كتب فيها وباختلاف الفقهاء ومذاهبهم والشتيت فيها وباختلافهم أحيانًا بين أطراف النقيض يحرم الواحد منهم أمرًا ويوجبه الآخر ويجوزه الثالث علم المنطق مثلًا فالذين لهم عهد بالتراث الفقهي الإسلامي لا يستغربون الرأي الجديد ولا يضيقون به ذرعًا إنما يتخلقون بخلق الفكر الإسلامي الذي يدعو ومن ثم يرحب بكل مؤمن آتاه الله تعالى علمًا في ناحية من نواحي الحياة يكسبه ثم يجلبه ويضيفه إلى قسم من المسلمين ليمحصوه ويعتمدوه إن رأوه خيرًا أو لينتقدوه ويطرحوه فيتعظوا به إن رأوه شرًا.

فكل مجتمع ينشر التقدم. والمجتمع المسلم أشد نشدانًا للتقدم لأن التقدم إلى الله زلفى يرحب بأصحاب المبادرات والاجتهادات الجديدة حتى لو بدأ الأمر على خلاف القديم المعهود التقليدي فلا يمكن ولا ينبغي للمؤمن الفرد في المجتمع المسلم أن يرتاح وأن يركن إلى شيء، إنما حياة المسلمين جهاد وكفاح أبدًا تقدم إلى الله سبحانه وتعالى لأن الله يقلب عليهم الابتلاء كل يوم ليحق الحق على من قصر وليستبين المؤمنين الذين يتجاوزون كل عقبة فكرية بالاجتهاد وكل عقبة عملية بالجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

الرابط المختصر :