; الفكر الإسلامي.. وطفولة الفهم الدعوي | مجلة المجتمع

العنوان الفكر الإسلامي.. وطفولة الفهم الدعوي

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996

مشاهدات 65

نشر في العدد 1213

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

الدعوات أفكار ومبادئ، وتعاليم ومناهج وأخلاق، وحقائق ودساتير وقوانين وثقافات تحتاج إلى اطلاع ودأب، وصبر وتحمل وتطبيق كما تتطلب علمًا باستيعاب، وفقهًا بعقل ومعرفة بدراية، كما لابد لها من أساليب تطبق بامتياز، وطرق تسار ببراعة، ووسائل تنفذ بعقل، وحجج تبسط بعبقرية وبينات توضح باقتدار، وألسن تنطق بحكمة ومواعظ تلقى بدراسة وحب، وأناة وحسن تصرف، كما تحتاج إلى رجال بعبقريات وعقول بإبداعات، ونفوس بمقومات ومواصفات تحيط بالحياة، وتفهم الدنيا، وتدرس الواقع، وتقدر للأمور قدرها وللنفوس أحوالها، وللعادات منازلها، وللعلل أدويتها، فإذا تعرض للدعوة رجال خوت عقولهم من الأفكار، وخلت من التعاليم ونضبت من المناهج والحقائق ونفرت من العلم وتجردت من العقل والإبداع والعبقرية، فهيهات أن تبلغ شيئًا أو تتقدم شبرًا، أو تحمل فكرًا، وإذا ادعى أقوام حمل الرسالة، وقد جهلوا من الحياة كل شيء ومن الواقع كل أمر، ومن التاريخ كل حادثة وواقعة ومن النفوس كل خالجة وخاطرة وشاردة وواردة، ومن المذاهب كل صواب أو خطأ، أو علم وفكر، فهؤلاء جهالات وضلالات ومعوقات ومنفرات لا دعوات ورسالات وقد أعجبني ما كتبه الإمام الشيخ محمد الغزالي عن الدعاة حين قال: لا أستطيع البتة أن أعد من الدعاة رجلًا قليل البضاعة في التاريخ السياسي للإسلام، أو التاريخ التشريعي له، أو رجلًا لا يدري إلا النذر اليسير عن خصائص الفكر الإسلامي؛ لأن وعيه غامض في القرآن كل ما يعرفه بضعة أحاديث إن صح سندها، فهو لا يدري كيف يضعها مواضعها، لا نستطيع أن ننظم في سلك الدعاة امرأ لا يعرف عن العالم المعاصر شيئًا، ولا عن الفلسفات التي تحكمه ولا أسرار رجحان الإسلام عليها، لا نستطيع أن نعد من الدعاة امرأ يريد نشر الإسلام في الغرب بتقاليد وعادات يظن أنها من الإسلام، وهي في حقيقتها ليست من الإسلام، وقد تكون منفرة للقوم هناك، كأن يأمر الناس بشيء من سنن العادات مثل الجلباب وغير ذلك، فالإسلام شيء غير العادات المستقرة هنا وهناك، وله أحكامه التي يقررها العلماء لا الدهماء، إن هناك علماء دين لا يعرفون شيئًا عن حقوق الإنسان، ولا يعرفون شيئًا عن الدساتير التي أرست العلاقات بين الشعوب، ولا يعرفون شيئًا عن الطور الذي لغته العلاقات بين الدول؛ والأنكى من ذلك أنهم لا يعرفون وضع مجموعة الدول الإسلامية بين غيرها من المجموعات، ولا يحسنون معرفة ما يبيت لدينهم بليل، ولا ما يرسم لتحديد مستقبلهم الثقافي والاجتماعي، ويتبع هذا القصور العقلي استمساك بقضايا مضحكة تستولي على الاهتمام وتقع عليها المفاصلة وهي قضايا من النوع الهامشي أو الخيالي أو التاريخي البالي...

الداعية لبنة تربى بمواصفات قادرة على العطاء والبذل والتربية والقيادة والتوجيه والحمل، شخصية رافعة من الوهدات ومنتشلة من الضلالات ومستوعية للتوجهات، هذه اللبنة تكون مثل أعمدة الصروح، وأساسات العمارات تحمل الجسد الكلي للمباني، وتمسك الحوائط المتعددة والسقوف المتنوعة والأحمال الثقيلة للمجمعات أو ناطحات السحاب، لابد أن يكون عندها القوة والقدرة على ذلك، ولابد أن يعمل حساباتها على هذا، وإلا انهدم البناء، وانهارت المجمعات والعمارات والصروح، وأصبحت خرابًا يبابًا، فلبنات الدعوة عمد هذه الدعوة الحاملة والمؤسسة للدعوات وللرسالات وللمذاهب التي يراد لها أن تسود وتقود وتنتشل الأمم من وهدتها وضياعها، وخرابها الفكري والمذهبي والنفسي والحضاري، لابد أن يكون عندها العطاء الذي يوازي الكم الذي تدعوه، والنوع الذي تقوده، والفكر الذي تسيطر عليه وتوجهه.

الداعية المسلم يعبد الله عبادة سماوية يطهر بها نفسه ويسعد بنورها صدره، ويضيء بإشعاعها حياته، ويعبد الله في الأرض في فهم الحياة، واكتشاف أسرارها، ومعرفة طاقاتها ويُسخرها كلًّا وجزءًا لخدمة الدين، ورفعة المؤمنين، وكل جهد يبذل في ذلك يسمى شرعًا وعملًا صالحًا، وجهادًا مبرورًا، وضميمة إلى الإيمان تؤهل المرء لرضوان الله: ﴿ف فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)﴾ (الأنبياء: 94) يحول الأرض كلها إلى محراب، والجهد كله إلى إيمان والعزم كله إلى مرضاة الله والطاقة كلها إلى خدمة فكرته ورفعة رسالته، وتمايزه في الحياة، فمن المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة، فائز الدعوة، إذا كان اصحابه جهالًا بالدنيا عجزة في الحياة، والصالحات المطلوبة تصنعها فأس الفلاح، وإبرة الخياط وقلم الكاتب، وجهد العالم، ومشرط الطبيب، وقارورة الصيدلي يصنعها الغواص في بحره، والطيار في جوه والباحث في معمله، والمحاسب في دفتره والصانع أمام آلته، والخبير في مختبره العمل الصالح هو كل ما يفيد الحياة وينفع الإنسانية ويعلي همة المسلم، وهذا شأن المسلم صاحب الرسالة، يباشر كل شيء، ويجعل منه أداة لنصرة ربه وإعلاء كلمته.

وقد فشل الدعاة، وانهزمت الرسالة ودفعت الأمة ثمنًا باهظًا، عندما خبنا وتخلفنا في ميادين الحياة، وحسبنا أن مثوبة الله في كلمات ميتة تقال هنا وهناك لا يتبعها عمل، ومظاهر كاذبة تقام هنا وهناك لا تدفعها توجهات فاعلة أو نيات حسنة أو عزمات صادقة.

إن أول واجبات الدعاة هو تصحيح الأفهام العليلة التي تكهنت بالدين، وتنطعت بالإيمان، وتهمشت بالعبادة، وتقعرت بالقشور، وتجادلت في العادات واشتغلت بالسباب والهمز واللمز لمن خالف الفكر السقيم والتوجه العليل والدرب الضال، ولم تفتح بالإسلام عقلًا، أو تزكي لدعوته نفسًا، وتمنت بالأهواء والشياطين والجهالات الأماني، وتركت أمور المسلمين وحياتهم ودنياهم يعمرها غيرهم، ويستولي عليها سواهم ليكونوا عالة، ويصبحوا ذيولًا يلوثون الرسالة ويلطخون الدعوة بالعجز الفاضح والترهل المقيت والعقل الشاطح، إن هناك مثلًا ما يفوق المائة صناعة مدنية وعسكرية تتعلق بالنفط واستخراجه والانتفاع بمشتقاته، لا نعرف منها شيئًا، ولا نحسن منها أمرًا؛ فهل تخدم عقيدة التوحيد وما ينبني عليها من دعوة ومنهاج بهذا العجز المهين وهذا الجهل المميت إنه لو قيل لكل شيء في البلاد الإسلامية، عد من حيث جئت لخشينا أن يمشي الناس حفاة عراة، لا يجدون من صنع أيديهم ما يكتسون، ولا ما ينتعلون ولا ما يركبون ولا ما يضيء لهم البيوت بل لخشينا أن يموتوا جوعًا لأن بلادهم لا تستطيع الاكتفاء الذاتي من الحبوب إن الله لا يقبل تدينًا يشينه هذا الشلل في كل شيء في الحياة ولا أدري كيف نزعم أننا خير أمة، ونحن نعاني من هذه الطفولة، والحديث عن إنجاح دعوة أو سيادة رسالة لنا ونحن كذلك، حيث يثير الهزء والغثيان، فما للأطفال وتكاليف الأبطال إذًا فمتى تُزال هذه الطفولة حتى يرى الناس المسلمين قادمين عابدين ساجدين فاتحين؟

نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل