; (الافتتاحية)الفلسطينيون.. من احتلال رابين إلى احتلال عرفات | مجلة المجتمع

العنوان (الافتتاحية)الفلسطينيون.. من احتلال رابين إلى احتلال عرفات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994

مشاهدات 61

نشر في العدد 1105

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 28-يونيو-1994

حالة النشوة والفرح التي شعر بها بعض المخدوعين باتفاق غزة/ أريحا بدأت تنقشع مع وصول قوات الشرطة الفلسطينية إلى هناك قبل عدة أسابيع، حيث اكتشف أبناء الأراضي المحتلة أن الاحتلال الإسرائيلي قد استبدل باحتلال آخر ربما يكون أشد ضراوة وقمعًا من الإسرائيليين أنفسهم، ومع ممارسات الشرطة الفلسطينية التي يتزعمها العقيد نصر يوسف الذي يدين بالولاء الشخصي لياسر لعرفات، بدا الفلسطينيون في الأراضي المحتلة يعقدون مقارنات بين واقعهم الحالي في ظل سلطة عرفات وواقعهم السابق في ظل سُلطة الاحتلال الإسرائيلي الذي لا زال قائمًا بالفعل.

لقد قدم الفلسطينيون عشرات الآلاف من الشهداء حتى يتحرروا من ربقة اليهود الصهاينة ويعيشوا حياة العِزة والحرية، لكن حقيقة السُلطة الفلسطينية الجديدة جعلت المخدوعين يفيقون من خدعتهم بعدما أخذ العقيد نصر يوسف الراية من يهودا بارك -قائد الجيش الإسرائيلي- ووقف يهدد الشعب الفلسطيني بأنه لن يسمح بقيام أي عمليات جهادية ضد اليهود، بل إنه تعهد بالقضاء على الحركة الجهادية لأنها تهدد السلام -المزعوم- على حد زعمه، ثم وقف في الثالث من يوينو الجاري ليعلن بعنجهية أنه «سيلقي القبض على بعض مجاهدي حماس بعد قيامهم بقتل عناصر من العملاء الإسرائيليين حتى لو كلفه ذلك مائة عنصر من عناصر الشرطة الفلسطينية» وذَكّرنا بتصريحات طاغية البعث العراقي صدام حسين الذي قال من قبل: إنه سيستمر في احتلال الكويت حتى لو قامت الحرب وأُبيد نصف شعبه، وهذا هو منطق اللصوص والطواغيت الذين لا يأبهون بدماء شعوبهم، بل إن المدعو نصر يوسف كلف عناصر الشرطة الفلسطينية في 8 يونيو الجاري بمداهمة منزل أسامة أبو طه عضو كتائب عز الدين القسام وهي الجناح العسكري لحركة حماس للقبض عليه بناًء على طلب من السُلطات الإسرائيلية.

وفي 16 يونيو الجاري ظهرت فضيحة أخرى للمخابرات الفلسطينية حينما اعتقلت المواطن معتز كحيل واستمر تحت التعذيب أربعة أيام متواصلة دون إبداء الأسباب، ثم أفرجوا عنه ومنحوه شهادة بأنه «إنسان مناضل وشريف» ثم أصدر قائد الشرطة الفلسطينية أمرًا بعد ذلك إلى أئمة المساجد في غزة بعدم الحديث في السياسة أو لصق شعارات سياسية على المساجد أو السماح لأي جماعات سياسية فلسطينية قاصدًا حركة «حماس والجهاد الإسلامي» بقراءة أية بيانات أو ممارسة أية أنشطة سياسية داخل المساجد، وهذا ما لم يفعله اليهود ولم يتمكنوا منه طوال سنوات احتلالهم، ولعل تعيين عميل معروف للموساد الإسرائيلي يُدعى مصباح حنفي صقر قائدًا للأمن الوقائي الفلسطيني في غزة يؤكد أن سُلطة الحكم الذاتي ليست سوى فرعًا من أفرع السُلطة الإسرائيلية، وقد دفعت هذه التصرفات التي توافق رغبة اليهود وأوامرهم إسحاق رابين رئيس وزراء العدو الإسرائيلي في 17 يونيو الجاري إلى أن يُعرب عن ارتياحه للدور الذي تقوم به السُلطة الفلسطينية في غزة وأريحا بل أعلن عن استعداده لتقديم المساعدات المطلوبة لهم.

أما الجنرال يهودا باراك قائد الجيش الإسرائيلي فقد أشاد بالجهود التي تقوم بها الشرطة الفلسطينية لحماية اليهود والجيش الإسرائيلي من هجمات مجاهدي حماس والفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وقدم باراك تقريرًا إلى لجنة برلمانية إسرائيلية في ٢٢ يونيو الجاري ذكر فيه أن قوات الشرطة الفلسطينية أسهمت في انخفاض هجمات الفلسطينيين على الإسرائيليين في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث انخفض الهجمات في عدد ۱۰۸ حالات الضفة الغربية من في شهر أبريل إلى ٤٧ حالة في شهر يونيو، وفي قطاع غزة من ١٢٠ حالة في أبريل إلى عشر حالات فقط في شهر يونيو، وفي داخل الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ من ۳۸ حالة في شهر أبريل إلى خمس حالات فقط في شهر يونيو.

وأعلن باراك أن هذا الجهد الذي تقوم به الشرطة الفلسطينية قد حمل عبئًا عن قوات الجيش الإسرائيلي وجعلها تفكر في توجيه ضربات قوية إلى المقاومة اللبنانية.

أما يوسي ساريد وزير البيئة الإسرائيلي فقد وقف على منبر الكنيست يمدح الشرطة الفلسطينية وما تقوم به من قمع وتهديد للفلسطينيين قائلًا: «إن نجاح الشرطة الفلسطينية مفاجأة سارة لنا فالإرهاب لا يتصاعد والجميع مندهش»

ولم تقف السُلطة الفلسطينية الجديدة في تهديداتها وابتزازها لأبناء فلسطين المحتلة عند الحد الذي تقوم به عناصر الشرطة، ولكنها تخطت ذلك إلى فضيحة إنسانية كبيرة نقلتها وكالة «أسوشيتدبرس» عن مراسلها في أريحا قبل أيام حيث ذكرت في تقرير لها أن «منظمة التحرير الفلسطينية قررت مصادرة مركز للعجزة والمعاقين في آخر مراحل بنائه، ليكون مقرًا لإدارة الحكم الذاتي التي يرأسها ياسر عرفات في أريحا، وقد أثار القرار استياء المعاقين والموظفين الذين ظلوا يكافحون سنوات من أجل إقامة هذا المبنى بدلًا من المبنى القديم غير الصحي وغير الملائم الذي يقيمون متكدسين فيه».

ولعل هذه الفضيحة تكشف طبيعة إرهاصات الحكم الذاتي الذي بدأ باغتصاب حقوق العجزة والمسنين، ولم يكف عرفات بلايين الدولارات التي يبتزها وينفقها على قضيته الخاسرة والتي انتهت بارتمائه في أحضان اليهود وخضوعه لكل شروطهم حتى أصبح مجرد عميل رسمي لرابين وباراك.

إن الاستمرار في استعراض قائمة الممارسات القمعية للسُلطة الفلسطينية رغم قِصَر المدة الزمنية لتولي مسئولياتها يبدو أمرًا صعبًا، ويؤكد حقيقة الأهداف الإسرائيلية من وراء عملية السلام المزعوم، كما يؤكد ما ذهبنا إليه مرارًا على صفحات «المجتمع» بأن السُلطة الفلسطينية المزعومة ليست سوى احتلال من نوع جديد وجنود ينفذون أوامر رابين ويهودا باراك لكنهم أُناس يخضعون بالكلية لمطالب اليهود وليس لشيء آخر، باعوا دينهم ووطنهم بعرض زائل من أعراض الدنيا، وإنها البداية.. بداية انكشاف الزيف وفضيحة الباطل وإن سُلطة تبدأ عهدها بترويع الآمنين وقمع المسالمين وملاحقة المجاهدين لن يكون مصيرها إلا الزوال والفناء وإن غدًا لِناظِره قريب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

الرابط المختصر :