; الفيتو الأمريكي.. وسياسة التلاعب بالمنظمة الدولية | مجلة المجتمع

العنوان الفيتو الأمريكي.. وسياسة التلاعب بالمنظمة الدولية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997

مشاهدات 68

نشر في العدد 1248

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 06-مايو-1997

الافتتاحية

تحت شعار «القدس غير مقسمة» عقدت منظمة «الإيباك» التي تعتبر أقوى لوبي يهودي صهيوني أمريكي مؤتمرها السنوي العام مؤخرًا، بحضور ٢٥۰۰ شخصية سياسية وحزبية وأكاديمية وإعلامية، وبمشاركة نائب الرئيس الأمريكي آل جور، ورئيس مجلس النواب نبوت جنجرتش وعشرات من رجال الكونجرس وصناع القرار، وقد صفقوا جميعًا بحرارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وهو يعلن بإصرار وصلف استمرار بناء المستوطنات وضم القدس، وتابعه بعد ذلك «ريتشاردسون» المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة بالقول: «لقد استخدمت بكل فخر وفي مرتين «الفيتو» للدفاع عن إسرائيل».

لعل من أشد الأمور التي تلفت النظر وتثير الاشمئزاز خلال العقدين الأخيرين -على وجه التحديد- الطريقة التي أحالت فيها الولايات المتحدة المنظمة الدولية إلى مجرد أداة لخدمة سياساتها وسياسات الدول التي تدور في فلك التبعية لها، وهي سياسات تحمل مضامين متناقضة وجائرة في أغلب الأحيان، الأمر الذي جعل هذه المنظمة الدولية مطية ذلولًا لسياسة التغول الأمريكي، بل مسخًا تتندر الشعوب عليه بضحك كالبكا لسخافة آلاعيبه السياسية وسلوكياته اللا أخلاقية التي تتستر خلف براقع غير مبررة.

إن الحقيقة المرة هي أن الولايات المتحدة وبسبب دعمها المالي البالغ ٢٥% من مجموع الميزانية العامة للأمم المتحدة التي تقدر بــ3.11 مليار دولار، قد غدت تتحكم باتجاهات أي قرار يصدر عن هذه المنظمة الدولية.

وفي الساحة الأهم بالأمم المتحدة -أي مجلس الأمن- تتمتع أمريكا بحق النقض «الفيتو»، حيث يمكنها تعطيل أي قرارات لا ترضى عنها، ولا تجد فيها خدمة لمصالحها وسياساتها الاستعمارية، وتبقى ساحة الجمعية العامة منبرًا للخطابة والمزايدات، حيث تتخذ الدول فيها مواقف تنسجم بالعادة مع رغبات شعوبها والحسابات الإقليمية لمصالحها واتفاقياتها الدولية، وتحاول الولايات المتحدة عدم التدخل المباشر كون قرارات هذه الساحة «لا يترتب عليها عمل بالضرورة»، بل مجرد مواقف أخلاقية في عالم لا يعطي -للأسف- للأخلاقيات أي وزن أو اعتبار، فالسياسة هي فن التلاعب على الآخرين والضحك على المغفلين لتحقيق القدر الأكبر من المكاسب والمصالح، لذلك وفي ضوء هذه المعطيات يمكن فهم الموقف الأمريكي الرافض دائمًا لأي صيغة إدانة لإسرائيل، ولا تعجز الولايات المتحدة عن إيجاد صياغة تبرر بها مواقفها المتناقضة والمنحازة بشكل مكشوف للموقف الإسرائيلي الذي لا يضع احترامًا للأعراف والقوانين والمواثيق الدولية.

وكما لاحظنا فقد عارضت أمريكا للمرة الثالثة اتخاذ الجمعية العامة موقفًا متشددًا تجاه السياسة الإسرائيلية الاستيطانية بالقدس، وانفرد مندوب الولايات المتحدة بالدفاع عن الموقف الإسرائيلي والتباكي على عملية السلام -كما يسمونها- التي سيتم تقويضها إذا ما تم اتخاذ قرار بإدانة إسرائيل في المنظمة الدولية.

إن أمريكا تدرك أن مواقفها المنحازة وغير العادلة تجاه شعوب المنطقة العربية والإسلامية تكلفها الكثير من سمعتها وأخلاقياتها السياسية المجروحة أصلًا، ولكنها وبكل أسف تعاود تكرار أخطائها دون مبالاة لردود الفعل على الساحتين العربية والإسلامية.

إن السمة الواضحة الآن في سياسات واشنطن تجاه المجموع العربي والإسلامي هي الاستخفاف وعدم المبالاة، بالرغم من إدراك الإدارة الأمريكية بأن هذا الأسلوب من التعامل لا يخدم مستقبل علاقاتها ومصالحها الاستراتيجية بالمنطقة، وقد عبر الرئيس بيل كلينتون عن قلقه إزاء رد الفعل في العالم العربي والإسلامي، وقال: «لقد كنت واعيًا تمامًا للطريقة التي سينظر فيها إلى الولايات المتحدة من قبل شعوب العالم العربي بسبب الفيتو الأمريكي ضد القرار الخاص بالقدس»، ولكنه أضاف: «ولكننا استخدمنا الفيتو مع اعتراضنا على القرار الإسرائيلي».

إن الغصة التي تورمت بها حلوقنا -نحن العرب والمسلمين- أننا كنا ولا زلنا عاجزين عن اتخاذ موقف موحد تجاه سياسات إسرائيل العدوانية، والتي ما كان لها أن تتمرد بهذا الشكل الوقح لولا الدعم الأمريكي السافر لها على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، والذي أشار إليه فرانسس لوينبرج في صحيفة «واشنطن تايمز» قائلًا: «إنه لولا الأموال الأمريكية التي تتدفق بغزارة على إسرائيل، لكانت أعلنت إفلاسها منذ زمن.. تلك الأموال التي تبلغ عشرة مليارات دولار سنويًّا، وتمثل 20% من الميزانية العامة للدولة العبرية».

إن المطلوب اليوم وأكثر من أي وقت مضى هو تعزيز التضامن العربي، وإصلاح ذات البين بين شعوب ودول المنطقة، وأن تضع القوى الإسلامية والوطنية جهودها ووقودها في خندق الدفاع عن إسلامية القدس وعروبتها، والعمل الجاد لوقف عمليات التطبيع مع العدو الصهيوني، والحفاظ على نهج المقاومة والفعل الجهادي المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، لكسر واجهات سياسة الاستيطان والغطرسة الإسرائيليتين، وتوجيه رسالة واضحة إلى واشنطن بأن مصالحها الاستراتيجية بالمنطقة تتطلب انتهاج سياسات عادلة ومواقف متوازنة.

إن سياسة الانبطاح والهرولة والتدافع في اتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل قد جعلت منها أمة تهون على الناس فنحن في زمن الحال فيه «إذا لم تستأسد بالت عليك الثعالب»، فالسياسة الدولية لا تضع احترامًا للأذلة والضعفاء، ولا تلين إلا مع الأقوياء، وقد سبق أن قال سفاح صبرا وشاتيلا أريل شارون: «إن الأحذية الثقيلة هي التي تصنع التاريخ، وأن العالم لا يأبه بالمذبوحين والضعفاء»، كتعبير على أن القوة هي التي تفرض الأمر الواقع، وأن إسرائيل ستفرض وجودها بالقوة والإكراه، وأن النداءات المتحشرجة للمنظمات الدولية لا تجدي مع الصلف الإسرائيلي.

إن تقليب النظر في حقائق السير الذاتية للشعوب والأمم تكفي للتأكيد على أن الحق إذا لم يجد له رجالًا مخلصين، وقوة تحمله وتحميه يضيع ولا يجد من يبكيه.

إن ما نحتاجه لكي يستفيق نتنياهو وأعوانه من حلمهم التوراتي هو البرهنة على أننا أمة تعشق الموت والشهادة كما يعشق بنو إسرائيل الحياة.. والحمد لله أن وجدنا العديد من الشعوب العربية والإسلامية تخرج من إطار المعارضة الصامتة للتطبيع والرفض القلبي للغطرسة الصهيونية في إطار عقد المؤتمرات الجماهيرية والندوات والتجمعات الحاشدة، وهي تحركات لا بد أن تجد لها صدى في سياسات الحكومات لتتحقق العزة وتلتقي الرغبات الشعبية والحكومية.. ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم (محمد: 7).

الرابط المختصر :