; القابلية للغلو طبع يغلب التطبع | مجلة المجتمع

العنوان القابلية للغلو طبع يغلب التطبع

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

مشاهدات 168

نشر في العدد 1117

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

الشيخ محفوظ النحناح رئيس حركة حماس الجزائرية في مقابلة نشرت في القبس يوم 12/ 9/ 1994، وصف أطرافًا في الجماعة الإسلامية المسلحة بالمافيا الجاهلة بأحكام الدين وأن هذه الجماعات التي تسبي النساء وتقطع الأعناق وتسلب الأرزاق تمارس طغيانًا لا يقل عن تجاوزات السلطة بل تصل أحيانا العمليات المسلحة إلى مستوى غير معقول وعلى سبيل المثال قامت هذه الجماعات في الآونة الأخيرة بقطع رأس طفل لا يتعدى عمره 7 سنوات لأن عائلته أقامت عرسًا وزغردت النساء بمناسبة ختانه.

إذا صحت هذه الحادثة فلا أعلم سببًا فقهيًا أو شرعيًا لمثل هذا العمر سوى أن هناك مرضًا نفسيًا ترتكب بسببه هذه الجرائم التي ليس لها مستند في الدين أو العقل.

بالرغم من أن الغلو في المجتمعات والجماعات عمومًا له تفسيراته وأسبابه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فإن التكوين والتركيبة النفسية لها دور أيضًا.

المتشددون والمتنطعون والغالون في الأمور يغلب طبعهم التكوني الذاتي على اتجاههم الفكري، فالمتشدد الذي يعيش في مناخ إسلامي يتحول هو نفسه إلى متشدد في المناخ الليبرالي ليكون أكثر ليبرالية أو يسارية أو شيوعية فالاختيار الذاتي للفكر يتحصل نتيجة الدافعية الطبيعية له.

أمامي مثالان من الكتاب البارزين في سماء بلدنا أحدهما كان شيوعيًا متطرفًا اختار الإسلام منهجًا فأصبح أكثر تطرفًا وتشددًا في اختياراته وآخر ما برح يعيش في تشدد حلَقات الإسلاميين حتى أصبح ليبراليًا متشددًا يطعن في الإسلام في كتاباته.

على الصعيد السياسي نجد بعض السياسيين تقلدوا منصبًا رسميًا كانوا بالأمس رفاق وقادة الجبهات الشيوعية في المنطقة، ولكن منذ احتواهم كنف الحكومة أصبحوا ملكيين أكثر من السلطات نفسها فهم أكثر المتطرفين في التعامل مع الشعوب يجردون التطرف السياسي لقمع الشعوب بعد أن نازلوا نفس السلطة التي حاربوها بمعارك طويلة ثم احتوتهم السلطة وأذابتهم في إطاراتها فما استطاعوا أن ينزعوا أنفسهم من تطرف الشيوعية حتى أصبحوا متطرفي السلطة.

ومن قبيل مشاكلة مصطلح «القابلية للاستعمار» التي أبرزها مالك بن نبي رحمه الله في تراثه الفكري فإن هناك «القابلية للغلو» فالأرض النفسية القابلة لامتصاص الغلو عادة ما تكون معيارًا لاتجاهات وأفكار الغالين من الناس أيضًا.

ومن هنا نجد أن هذا الصنف من أصحاب الغلو يتحكم فيه الموقف العاطفي لا العقلي فموقفه يصدر من العاطفة التي يتحكم فيها الهوى فالتطرف والغلو ناتج كردة فعل وهو فاعلية عاطفية معنوية وليس وليدًا للتفكير التراثي وهو فاعلية عقلية.

فعندما ناظر ابن عباس رضي الله عنه الخوارج- منتدبًا من علي رضي الله عنه- مناظرة شرعية تعتمد على العقل والموضوعية نجد أن من كان ينقصه الدليل أو فهمه رجع عن معسكر الخوارج أما غيرهم فاعتبروا عليًا رضي الله عنه ظالمًا- وحشاه ذلك- وذلك لتحكيمه الرجال وخطب زعيمهم قائلًا: «اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها».

وهذا النوع من الغاليين في الدين يعمل على جعل الدين يتكلم بهواه فيختار من النصوص ما يقطعها تقطيًعا ويلويها ليًا على غرار «ويل للمصلين».

ونتيجة لأن مقرراتهم الذهنية مرتبطة ومعدة مسبقًا بطبعهم العاطفي المتشدد فإنهم يتخذون موقفًا يتلاءم وطبيعة التشدد والتنطع فيهم ثم يبدأون بنسج النصوص والشواهد التاريخية لموقفهم ولهذا عندما سئل نافع بن الأزرق عن مستنده لقتل أطفال المسلمين الذين لم يكونوا من أتباعهم مع أن الأطفال غير مكلفين أجاب: إن نبي الله نوحًا عليه السلام قال: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)  (نوح: 26- 27) ويقول نافع: «فسماهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يولدوا فكيف كان ذلك في قوم نوح ولا نقوله نحن في قومنا والله يقول: ﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) ﴾ (القمر: 43).

الأستاذ عبد الرحمن اللويحق في دراسته العلمية الرشيدة «الغلو في الدين في حياة المسلمين» أشار إلى بعض جذور الغلو النفسية فالغزالي ممن حذر من التدين المغشوش مبررًا أن الغالي ذو نفسية غير سوية وأن الغلو متأصل فيه تأصل الآفات النفسية الأخرى.. والأستاذ سمير أحمد في مقالته «محددات التطرف الديني في مصر» التي نشرت في مجلة المستقبل يؤكد على أن دراسات وبحوث علم النفس والطب النفسي ردت على أن الشخصية المتطرفة شخصية مريضة وأن هناك خصائص عديدة مشتركة بين الطرفين وبين مرض العقل.

ويؤكد دارسو الاتجاهات التعصبية في علم النفس أن هناك ارتباطا وثيقًا بين الغلو والسمات الشخصية يساعد على نمو الاتجاهات التعصبية كما أوردها معتز عبد الله في بحثه «الاتجاهات التعصبية».

لهذا فإن الاختيار الأصعب والأكثر تكلفًا والمجهد للنفس سمة بارزة للغالين الذين يقعون ضمن هذه الفئة، فالتطرف والغلو ليس كله بهذا السبب ولهذا فالنزوع إلى اختيار أشد الأمور في السياسة والعبادة والمعاملات كالتكفير والعزلة والتشدد في النفس وتحريم الطيبات وتبديع المخالفين وإنكار الإجماع وذم المقلدين وإلزام جميع الناس بالاجتهاد كلها. قد يكون من أحد أسبابها التركيبة النفسية للغالي والمتطرف.

وبالتالي فإننا لا نستطيع أن نفسر ما فعله نافع بن الأزرق في قتله لأطفال المسلمين، وبين أولئك الذين قتلوا الطفل الجزائري سوى أن نقول تلك هي القابلية للغلو.

إنه الطبع الذي يغلب التطبع.

الرابط المختصر :