العنوان القاصّ الرسالي حارس أمين على حدود القيم المجتمعية
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الجمعة 01-أبريل-2016
مشاهدات 62
نشر في العدد 2094
نشر في الصفحة 73
الجمعة 01-أبريل-2016
الروائي المغربي مولاي أحمد الإدريسي لـ «المجتمع»:
القاصّ الرسالي حارس أمين على حدود القيم المجتمعية
حاوره: عبدالغني بلوط بن الطاهر
يرى القاصّ والروائي المغربي مولاي أحمد صبير الإدريسي، في هذا الحوار؛ أن القارئ اللبيب صاحب ذوق رفيع، توّاق إلى الجمال والكمال والجلال الذي ينشده في الإبداع عموماً، وهو في إقبال مستمر ما دامت الساحة الثقافية قادرة على إقناعه وكسب ثقته، ولذلك لا تزال الأعمال النّوعية تحتفظ بمكانتها، وما زالت الأسماء الكبيرة تحتفظ بجمهورها الذي يرقب جديدها ويتطلع إليه.
ويشير الإدريسي إلى أن المساس بالمنظومة القيمية لأي مجتمع من شأنه أن يهدد سلمه الاجتماعي والسياسي، والقاصّ الرسالي يده على القلم كحارس الحدود يده على الزناد، معتبراً أن القاص يواكب تحولات مجتمعه لكن بعين غير التي ينظر بها غيره، وبقدرة على الرصد مغايرة لأشكال أخرى يتبنّاها سواه.
< أضحى السرد منذ خمسينيات القرن الماضي بحق ديوان العرب، وهيمن على باقي أجناس الأدب والفنون.. ما آفاق توسيع إمكانات السرود؟
- إنها الدورة الحضارية التي تترجم سُنة التداول في هذا الكون، فبعد أن تربع الشعر لقرون عديدة على منصة التتويج، وظل سيد الأجناس الأدبية حينا من الدهر لم يكن يسيراً، وظل مفخرة العرب وديوانهم الذي لا يضاهى، أدركه ما يدرك باقي الكائنات، وكانت البداية مع التحولات التي عاشها العالم العربي أثناء انفتاحه على الغرب، فأفسح المجال راغماً للسرد الذي حاز الصدارة منذ قرن أو يزيد، دون أن ننسى الإشارة إلى أن هذه الأشكال السردية وفي مقدمتها الرواية، لم تحز الكمال شكلاً ومضموناً دفعة واحدة، بل بدأت بالتقليد ومحاكاة النموذج الغربي المهيمن، واستصحاب الألوان التراثية قبل أن يستقيم عودها، وتحقق نجاحها الواسع وحضورها العالمي بحصول الرواية العربية على جائزة «نوبل للآداب».
إن غواية السرد مغرقة في التاريخ العربي، ويمكن الإشارة هنا إلى «ألف ليلة وليلة»، «حيّ بن يقظان»، «التوابع والزوابع»، «رسالة الغفران»، والمقامات والأخبار والحكايات والطرائف والرسائل السرديّة وغيرها من أنماط الكتابات والمخاطبات، زد على ذلك ما تحقق بفضل الانفتاح على آداب الأمم الأخرى في العصر الحديث؛ حيث برزت أشكال سردية جديدة أبانت عن قدرة هائلة على التفاعل مع محيطها والتفاعل مع تحولاته وقيمه.
وبذلك فحاجة الإنسان إلى السرد لا يضاهيها سوى حرصه على استمرار نسله في الحياة، هذا الكائن السارد بامتياز والسارد بالفطرة لا يسعه إلا أن يظل وفياً لهذه الخاصية التي استعصت عن المسخ كما هي حال ميزات بشرية أخرى.
وعليه؛ فإن من شأن هذه الرغبة وهذا الحرص اللذين يغذيان إمكانيات السرد بالتنوع والاستمرار، ويمدانه بما يكفي من السحر والجاذبية والحياة؛ أن يوسعا آفاق أشكال السرد، وأن يحفظا ثقة الإنسان في هذه الخاصية، وأن يطورا رغبته في التعاطي معها بما تستحق من اهتمام وتطوير وإبداع.
< هناك أزمة قراءة للإنتاج الأدبي عامة، فهل ذلك ناجم عن أزمة ثقة بين الإبداع والقارئ، أم بنيات لا نرى لها حلاً عاجلاً؟
- يصعب جداً حصر أسباب أزمة القراءة في سببين أو ثلاثة بعد أن أصبحت هذه الأزمة مركبة جداً، فبإلقاء نظرة سريعة على الواقع الثقافي اليوم، سنجد أن أزمة القراءة تعيش أسوأ حالاتها، وباستقرائنا لواقع هذه الأزمة نقول: إذا كان الكتاب لزمن طويل مصدر الثقافة بامتياز، فإنه لم يعد يغري أمام الاكتساح المعلوماتي الذي صادر من الكتاب كل مقوّمات الإغراء والتشويق والمتعة، فصار جمهور الكتاب في تراجع متواصل، اللهم ما كان من «جبهة الصمود والتحدي» التي تشكلها نخبة من المثقفين الذين ما زالوا يقاومون من أجل أن يبقى للكتاب وهجه وجاذبيته.
وتجاوزاً لهذا الربط الميكانيكي بين أزمة القراءة والثورة المعلوماتية، لا يمكن للمتتبّع إلا أن يستوقفه الضعف المتنامي لدينامية الإبداع عموماً والتأليف على الخصوص، فدُور النشر العربية والجامعات ومراكز البحث واتحادات الكتاب والمبدعون ومكونات المجتمع المدني ذات الصلة بالمجال الثقافي والمؤسسات المنتخبة ووزارات الثقافة، لا تؤدي الدور المطلوب للإقلاع بالكتاب والعودة به إلى سابق عهده، فهي تشتغل كأنها جزر متناثرة، وتفتقر لأدنى مقوّمات التواصل والتشارك والتعاون.
إن القارئ اللبيب صاحب ذوق رفيع، توّاق إلى الجمال والكمال والجلال الذي ينشده في الإبداع عموماً، وهو في إقبال مستمر ما دامت الساحة الثقافية قادرة على إقناعه وكسب ثقته، ولذلك لا تزال الأعمال النّوعية تحتفظ بمكانتها، وما زالت الأسماء الكبيرة تحتفظ بجمهورها الذي يرقب جديدها ويتطلع إليه.
< ما الذي تقترحونه للتخفيف من أزمة القراءة التي نجدها في المدرسة والجامعة وتتوارى خارجهما؟
- جرت العادة أن نستحضر صرح المدرسة والجامعة عند الحديث عن الثقافة ومتعلقاتها، فهناك إجماع على أن دورهما اليوم لا يمكن تجاوزه ولا التغاضي عنه، فالمدرسة رافد أساسي للجامعة، وامتداد طبيعي للمشروع الحضاري الذي ينطلق مع الأسرة أولاً، وينضج مع المدرسة بمراحلها الثلاث ثانياً، ليستكمل قوامه ويبلغ أشده مع الجامعة ومؤسسات مجتمعية أخرى، والتلميذ الذي لا ينشأ على مصاحبة الكتاب وإدمان القراءة في سن مبكرة لا يمكن المراهنة عليه ليكون قارئاً ناجحاً وهو طالب في الجامعة، فالأسرة والمدرسة من أهم مؤسسات إنتاج الحضارة والثقافة والقيم، والقراءة إحدى أقوى دعامات هذا الإنتاج.
إن التاريخ القريب يذكر للجامعة دورها الريادي في حركة النهضة والاستقلال والتغيير الاجتماعي، وقد ظلت حاضرة في جميع الظروف والمواقف، حاملة للقضايا والأفكار ومدافعة عن القيم، وهي اليوم مطالبة بأداء دور إنمائي وفي مقدمته البناء الثقافي وتجديد آلياته والنهوض بمرافقه.
لقد آن الأوان أن تخرج الجامعة من حالة الجمود وأحياناً من حالتي الفوضى والعبث، إلى حالة الأمن الثقافي واستقرار الهوية الفكرية، وتجنيب أجيال المستقبل تبعات الاختراق والغزو، والمساهمة في إعادة تشكيل المشهد الثقافي، والعمل على تجاوز حالات التراجع والضعف والفقر التي تطبع مدرّجاتها ومحترفاتها وعموم منتوجاتها.
وهنا يمكن الحديث عن آليتي التعاون والتشارك، فالجامعة بإمكاناتها البشرية والفكرية يمكن أن تقود مصالحة مع القراءة مستعينة بالدعم الذي يمكن أن تمدها به مؤسسات أخرى.
< ظهرت القصة القصيرة والقصيرة جداً كجنسين أدبيين حديثين، ما جدواهما في المجتمع المعاصر؟
- سؤال الجدوى في عالم الإبداع سؤال مشروع، والجواب عنه يستدعي استحضار ما تميز به عصرنا المسكون بإيقاع السرعة، وهوس الاختصار والاختزال، وهيام بالرسالة والتغريدة، مما شكل نوعاً من التحوّلات التي صار لزاماً على الإبداع عموماً - وضمنه الأدب - أن يراعيها، وأن يساير هذه السرعة التي انطلقت على إيقاع لا يمكن أن يتوقف.
وقد حقّق هذان الجنسان الأدبيان هذا الاستواء وهذا الحضور بعد صهرهما العوائق اللغوية، والتخلص من الاستطراد الزائد، وتفادي الإطناب المخل، والابتعاد عن الحشو المسفّ والفائض المقرف؛ فكان لهما ما تعلم من انتشار وإقبال.
وهنا لا بد من الإشارة إلى التفسير الذي يبرر هذا الانتشار بسهولة هذين الجنسين الأدبيين، لنؤكد أنه سهل فعلاً، ولكنه ممتنع، وبسيط ولكنه ممتع، لا ينقاد إلا لمن امتلك ناصية اللغة، وكانت له القدرة على تكثيفها.
لقد استأثرت القصة القصيرة والقصيرة جداً - مع ما بينهما من تمايز - بما تفرّق في غيرهما، فمحتا من سحر الشعر وسلاسة السرد ولذة الحكي، وقد أثبتتا معاً قدرتهما بالرغم من ضآلتهما وقصر حجمهما، على تصوير الواقع كل الواقع بجميع تجلياته وإيحاءاته وحمولاته، ومواكبة تحولاته الاجتماعية والسياسية والقيمية.
ولعل التنامي المسجل في عدد العناوين وعدد المهرجانات والندوات والموائد المستديرة والأيام الدراسية ذات الصلة بهذين الجنسين خير شاهد على هذه الجدوى.
< وما الذي أغرى الأستاذ مولاي أحمد بالإقبال على القصة القصيرة جداً ومواصلة الإصدار في هذا الفن المثير للنقاش؟
- يحلو للبعض أن يفسر الإقبال المتزايد على هذا الجنس الأدبي بأنه “صيحة” وسرعان ما ستزول، ولو كان الأمر كذلك، فإنه بدون شك سيكون مدعاة للاستهجان؛ لأن “الصيحة” مهما جيشت من جمهور، واستقطبت من أتباع، إلا أنها سرعان ما تزول في انتظار الصيحة التالية.
إن الإقبال المتزايد على القصة القصيرة جداً لا ينطبق عليه هذا التفسير لسبب بسيط؛ هو أنه إقبال مقرون بالاستمرار، وهما لا يجتمعان إلا على غاية مفيدة، والغاية المفيدة هنا بدون شك هي سحر القصة القصيرة جداً وألقها وإغراؤها.
لقد صرح كتَّاب كثيرون بأسباب إقبالهم على هذا الجنس، ولم يتردد بعضهم في التصريح بأن البداية كانت صدفة ثم ما لبثت العلاقة أن توطدت، وبعضهم صرح بأنها كانت عبارة عن خوض تجربة ثم سرعان ما ترسمت، وبعضهم اعتبر الإقبال على القصة القصيرة جداً هروباً من أجناس سردية مطوّلة معقدة التركيب والبناء، إلى هذا الجنس الذي يفتح للكاتب آفاقاً رحبة للسرد في حيّز أقل كلفة.
ومهما تعددت أسباب هذا الإقبال وتنوعت دوافعه، فإنني أرى أن سر إقبالي شخصياً، يكمن فيما توافر لهذا الجنس الأدبي من سحر وما حوى من إغراء.
< عمَّ يبحث القاصّ في إنتاجاته للجواب عن سؤال حركية المجتمع وتحولاته الاجتماعية والسياسية؟
- التحولات المعاصرة أكبر من أن تسايَر؛ لأن إيقاعها متسارع بشكل لا يمكن ضبطه أو مسايرته، كما أن كتَّاب القصة في هذا الباب ليسوا على شاكلة واحدة، وليسوا على موقف واحد، فلكل رؤيته التي يصدر عنها، وعدد كبير - وأنا واحد منهم - تستهويه التحولات القيمية بشكل كبير؛ لأن المساس بالمنظومة القيمية لأي مجتمع من شأنه أن يهدد سلمه الاجتماعي والسياسي، والقاصّ الرسالي يده على القلم كحارس الحدود يده على الزناد، لا فرق بين الاثنين إلا في وسيلة الدفاع والحماية، القاصّ يواكب تحولات مجتمعه لكن بعين غير التي ينظر بها غيره، وبقدرة على الرصد مغايرة لأشكال أخرى يتبنّاها سواه، إنه يتفرد عنهم بآلية اللغة وسحرها وجمالها وجلالها وكمالها ومرونتها وغناها وقدرتها على التعبير عن المعاني الثاوية في ثنايا ما يعرض من أحداث وتحولات، وهذا لا يتأتّى إلا للقاصّ.
إن القاص ينخرط في الجواب على بعض الأسئلة، لأنه لا يمكنه الجواب عنها كلها، فعلى قدر التمعّن في حركية الواقع، تتعاظم قائمة الأسئلة، وللقاصّ ما يكفي من القدرة على الصياغة لإقناع جمهور قرائه.
إن سر أجوبة القاصّ يكمن في الشكل الذي تتمّ به هذه الأجوبة، واللغة التي يعبر بها، وعليه، لا يمكنك إلا أن تجد القاصّ في أتون هذه التحولات، والقصة في خضم الأسرار المتوارية في ثناياها.
< كيف تعاملت الرواية مع «الربيع العربي»؟
- أصبحت الرواية ديوان العرب منذ البدايات الأولى للقرن العشرين، وقد واكب هذا الجنس الأدبي محطات مفصلية من تاريخ الأمة العربية على مراحل مختلفة، ولعل كتابات الرواد منذ سبعينيات القرن الماضي تشهد على قرب الروائي من تفاعلات مجتمعه وصلته بتحولاته.
في حين أن «الربيع العربي» الذي وصف بـ «الزلزال» لم يكن ليمر دون أن تلتفت إليه الرواية، وحسب متابعاتي فقد صدرت أعمال روائية ذات صلة بهذا الموضوع في بلدان عاشت هذا «الربيع» وأخرى في بلدان لم تعشه؛ مما يدل على أن هذا الجنس الأدبي يتمتع بقدرة هائلة على المواكبة والتتبع والمسايرة دون حاجة مبدعيه إلى القرب من مكان أو زمان الحدث.
إن إمكانات السرد في هذا الجنس الأدبي الذي «يوفّق ما بـين شـغف الإنسـان الحـديث بالحقـائق وحنينه الدائم إلى الخيال، وبين غنى الحقيقة وجموح الخيال»، كما يقول نجيب محفوظ، هذا الفن الذي رصد فتوّات زقاق من أزقة مدينة كالقاهرة كيف لا يرصد زلزالاً ارتجت لهزته الكرة الأرضية.
لقد شكَّل «الربيع العربي» محطة مستفزة ملهمة ومثيرة، لكن النكسة التي أعقبته حدّت من إغراء عدد كبير من الروائيين، وأجبرت آخرين على التوقف بعد أن تأكد لهم أن الخوض في المتغيرات التي طالت المشهدين السياسي والاجتماعي غير مضمونة العواقب.
وحسب متابعتي، فإن ما صدر في هذا المجال لا يتجاوز عشر روايات، وهو عدد لا يرقى إلى المأمول من تفاعل الرواية مع هذا الزلزال الذي هزنا وهز ما حولنا.>