العنوان القبلية البغيضة تدمر الصومال
الكاتب الدكتور محمد يوسف
تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992
مشاهدات 91
نشر في العدد 990
نشر في الصفحة 32
الأحد 23-فبراير-1992
عندما استولى
زياد بري على مقاليد الحكم في الصومال بدأ يقود الشعب الصومالي للتقهقر والانحطاط
على عكس تيار الأمم والشعوب التي كانت تتطور وتنمو إلى الأفضل والأحسن حتى غدا
الشعب الصومالي الذي كان في طليعة الشعوب المستقلة حديثًا من الاستعمار سواء من
الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية، غدا هذا الشعب في ظل
الاستبداد والحكم العشائري الذي كان يمارسه ذلك الحاكم المقهور ونظامه من أكثر
الشعوب تخلفًا من جميع النواحي وأصبح كل شيء في البلاد مباحا للنهب والناهبين
وصارت القبلية البغيضة والحمية الجاهلية هي التي توجه الشارع الصومالي وليس
المبادئ الإسلامية أو القومية أو مصلحة الوطن ومستقبل البلاد..
وغدا المنطق
السائد هو اللامعقول، فكل الجبهات التي قامت من قبل سقوط المجرم برى ومن بعد سقوطه
قامت على أساس قبلي محض، ونتيجة لذلك تمكن زياد بري من تطويل عمره في كرسي الرئاسة
وهو شيء لم يكن يتوقعه هو نفسه، فضرب بعض القبائل على بعض القبائل الأخرى وطبق
مقولة أسياده المستعمرين «فرق تسد»!
ثم استمرأت هذه
الجبهات القتال فيما بينها بعد سقوطه بدون سبب من الأسباب اللهم إلا العصبية التي
تقودها الجهالة، ومن أجل ذلك تمكن بري الذي يجب أن يتعقبه الصوماليون جميعهم
لتقديمه إلى العدالة والانتقام منه ومن أعوانه، تمكن هو وأعوانه أن يشتركوا مرة
أخرى في تأجيج نار الفتنة وأن يكون لهم دور آخر في تحطيم البقية الباقية من مقومات
الشعب الصومالي، إن كانت هناك بقية باقية.
وهنا لا بد أن
نتساءل: أين دور المثقفين الصوماليين؟ هل رضوا أن ينضووا تحت لواء الجهل يقودهم
أصحاب الفتن والهوى والأغراض السيئة والأفكار السقيمة والاتجاهات المريبة؟ كيف
سمحت لهم أنفسهم أن يشتركوا في جريمة إعدام الشعب الصومالي ومحوه من خريطة العالم
مع زياد بري وأمثال زياد بري من الذين جاءوا أصلًا أو جيء بهم لهذا الغرض؟!
|
* لماذا لم ينهض
العلماء بدورهم الريادي ليقولوا كلمتهم في حل هذه الأزمة الطاحنة |
وأين الدعاة
والعلماء الذين كانوا هم المُعوَّل عليهم عند الأزمات في كل تاريخ شعبنا، لماذا لم
يقولوا كلمتهم فيما يجري في بلدهم؟ ولماذا لا ينهضون لدورهم الريادي المعتاد في
مثل هذه الظروف؟ لقد مرت بالشعب الصومالي وبدينه ظروف مشابهة نوعًا ما فقام
العلماء المصلحون بواجبهم فأنقذوا الشعب ودينه، الذي كاد أن تعصف به الفتن وأن
يطمس عليه الجهل وظلمات القبلية.
ثم أين دور طلبة
الجامعات في الداخل والخارج؟ فإن الطلبة في كل الشعوب المتأزمة لهم دورهم في تنوير
الشعب ومحاربة الفساد بأشكاله وأكبر فساد في الساحة الصومالية هو التعصب القبلي
الأعمى.
ما لهؤلاء جميعًا
لا يفقهون دورهم القيادي ولا يدركون واجبهم الديني الوطني؟!
لماذا رضوا
لبلادهم أن تمسح من خريطة العالم باسم القبلية؟ وماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون أن
يأتيهم منقذون من الخارج أو ينزل من السواحل الصومالية مصلحون يقيمون الاعوجاج
وينيرون الطريق للصوماليين أن هذا لن يحدث أبدًا.
إن الحروب
الأهلية جرت في بلدان كثيرة واستمرت في بعض منها عشرات السنين على أساس من
المبادئ، دينية كانت أو سياسية، ولكن أطراف في هذه الحروب لم تمس مقومات بلدانها
بسوء فلم تذهب البنوك المركزية ولم تعدم الوثائق الرسمية ولم تدمر الأحياء السكنية
والمدارس والمستشفيات ولم تعمل مذابح بشرية لأجل القبلية كما حدث في بلادنا ومازال
يحدث.
ومن الغريب أن
يحدث هذا بيننا وما يوحدنا أكثر مما يفرقنا، بل لا يوجد ما يفرقنا أصلا إلا الفتنة
والتعصب القبلي الأعمى.
فأصلنا واحد
وديننا واحد ولوننا واحد ولغتنا واحدة والدارسون لتاريخ الشعوب وأحوالها يعرفون
أنه إذا كان هناك شعب يوصف حقيقة بشعب الأسرة الواحدة فهو الشعب الصومالي، ولذلك
تجد المتقاتلين هم إما أبناء عمومة أو أخوال لبعضهم البعض. وإذا اجتمع صوماليان
فلابد أن تربط بينهما أواصر قربي أو رحم، فإذا لم يكن ابن عمك فهو ابن خالك أو
خالتك أو عمتك وإذا لم يكن فهو متزوج أختك أو بنت عمك ولا يوجد غير ذلك أبدًا.
انظروا إلى
جيراننا في الحبشة فعندما طردوا «هيلا مريام» تنادوا إلى مؤتمر عام يشكل كل
الجبهات التي كانت تفاضل ضد النظام السابق وقبلت الجهات كلها حضوره، ولم يقل أحد
لماذا شكلت جبهة «تجري» حكومة مؤقتة دون استشارتنا، فاتفق الجميع على بناء إثيوبيا
من جديد على أسس من الحرية والديموقراطية.
أما نحن فقد
تشاجرنا حول الرئيس المؤقت وحكومته على الرغم أنه أكد مرارًا أنه مؤقت، وعندما
يجتمع ممثلو الشعب فليختاروا من يريدونه، وقد حصل هذا في مؤتمر جيبوتي حيث تم
اتفاق الحضور على أسس وإن كانت قبلية يتحفظ من بعض بنودها أمثالي من المثقفين، إلا
أنها كانت تمثل لو نفذت خطوة إيجابية في اتجاه السلام والاستقرار في بلادنا.
إن من يخرب بيته
بيده لا يمكن للآخرين مساعدته، فلنساعد أنفسنا بأنفسنا قبل أن نطلب من الآخرين
إسعافنا، ولنأخذ على يد أصحاب الفتن الذين يؤججون النار في بلادنا، ولنطهر من
صفوفنا الخونة الذين يسعون إلى تمزيق شعبنا وتشتيته إلى قبائل متناحرة.. فهل نفعل؟
|
*
المؤسسات الإسلامية غائبة عن الساحة الصومالية ولا يوجد سوى المؤسسات الغربية. |
وكلمة أوجهها إلى
الهيئات والمؤسسات الإسلامية في العالم: أليس من العار أن تكون المؤسسات الإنسانية
العالمية غير الإسلامية هي وحدها التي تقدم للشعب الصومالي المسلم المواد الغذائية
والمعونات الطبية دون مشاركة أي مؤسسة إسلامية؟! أين واجب الإخوة ونداء الإيمان؟
إن الشعب
الصومالي المسلم لم يجد مؤسسة تقدم له المساعدات وتعينه في محنته باستثناء مؤسسات
ومنظمات إنسانية من خارج البلدان الإسلامية كمنظمة «أطباء بلا حدود» و«الصليب
الأحمر الدولي»... وغيرهما.
فأين المؤسسات
الإسلامية التي تأسست لمساعدة إخوانهم في الدين؟ أين هؤلاء من محنة الشعب الصومالي
المسلم؟
لقد صار كل شيء
في الصومال مباحًا للنهب، وصارت القبلية البغيضة والحمية الجاهلية هي التي توجه
الشارع الصومالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل