; القدس.. القضية الأعقد | مجلة المجتمع

العنوان القدس.. القضية الأعقد

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000

مشاهدات 68

نشر في العدد 1411

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

بعد خمسة عشر يومًا من المفاوضات في معزل كامب ديفيد فشلت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني في التوصل إلى اتفاق حول قضايا الوضع النهائي، ما رشح من الكامب - وهو في غالبه من مصادر إسرائيلية - أشار إلى المأزق الذي وقع فيه عرفات بخصوص مستقبل القدس المحتلة. 

من الواضح أن القدس كانت وحدها محور النقاش والتفاوض بين الجانبين، حيث كانا يسعيان إلى صيغة مقبولة لهما على ضوء مقترحات إسرائيلية لقيت دعمًا وضغطًا أمريكيين تسمح للفلسطينيين بحكم إداري على بعض الأحياء العربية في القدس الشرقية، مع بقاء السيادة المطلقة عليها للكيان الصهيوني.

 أجواء المفاوضات لم تكن صحية بالنسبة للمفاوضين الفلسطينيين على الأقل، إلى الحد الذي يمكن القول معه إن عرفات قضى أيامه في الكامب معتقلًا ومعزولًا عن العالم الخارجي وعن كثير من مساعديه، وهي إجراءات مدروسة من الجانب الأمريكي لمحاولة انتزاع تنازلات خطيرة منه، بعيدًا عن تأثير مساعديه وعن رد فعل الشارع الفلسطيني، الذي تمور مخيماته وقراه غضبًا، بعد أن أدركت أن قضية اللاجئين باتت في حكم المنتهية، وأن التوطين هو الحل المطروح والموافق عليه من جانب عرفات. 

وكان استدعاء الرئيس الفلسطيني لثلاثة من أعضاء اللجنة التنفيذية للاجتماع به في كامب ديفيد، ومن ثم رفض الراعي الأمريكي السماح لهم بلقائه دليلًا على أن هذا الأخير يتعرض لضغوط كبيرة وقوية لحمله على القبول بالتسوية المطروحة حول القدس، وما يثير السخرية أن استدعاء عرفات لهؤلاء الثلاثة كان لغرض استمزاج رأي المعارضة داخل منظمة التحرير حول المقترحات المعروضة. وكأن أحزابًا نكرة كحزب الشعب «الشيوعي سابقًا» الذي يمثله سليمان النجاب، والجبهة الديمقراطية التي يمثلها تيسير خالد وجبهة النضال برئاسة سمير غوشة تمثل المعارضة الفلسطينية، أو أن لها وزنًا في الشارع الفلسطيني، وعلى الرغم من هذه الحقيقة عاد «المناضلون» الثلاثة من واشنطن دون لقاء عرفات.

 حالة التوتر والقلق لم يكن عرفات يعيشهاوحده في كامب ديفيد، فهي لازمت رئيس الوزراء الصهيوني باراك أيضًا. وعلى حد قول صحيفة «هآرتس» العبرية أخبر باراك عرفات في أحد اللقاءات «إذا لم ننته من هذا الأمر الآن أو في الاجتماع المقبل، فلن أبقى رئيسًا للوزراء». الصحيفة نفسها زعمت أن عرفات رد عليه « إذا تنازلت لك في موضوع القدس فسيقتلونني عند عودتي وعندها ستكون مضطرًا للتفاوض مع أحمد ياسين».!

 هذه الحالة النفسية التي عاشها عرفات وباراك عكستها ردود الأفعال المتباينة في الشارعين الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء، فباراك ذهب إلى كامب ديفيد مهيض الجناح، بعد أن خسر ائتلافه نتيجة استقالة وزراء شاس والمهاجرين الروس والحزب القومي الديني، وظل في حكومة أقلية لن يكتب لها الاستمرار أو البقاء على قيد الحياة ما لم يعد بطلًا منتصرًا في معركة القدس، عند الصهاينة وقبيل ساعات من سفر باراك إلى واشنطن نجا من التصويت على اقتراح بسحب الثقة عن حكومته وكانت المعارضة اليمينية تحتاج إلى سبعة أصوات إضافية لإسقاط حكومة باراك لكن أعضاء الكنيست العرب كانوا صمام الأمان له حين صوت بعضهم لصالحه والبعض الآخر آثر الامتناع عن التصويت. وقد عكست نتيجة التصويت حقيقة أن المجتمع اليهودي غير راض عن أي تنازلات بعكس ما يروج له كثيرون من أن غالبية الصهاينة يريدون السلام ويؤيدون إقامة الدولة الفلسطينية. ويبدو أن الأمور تسير باتجاه تشكيل المعارضة اليمينية لحكومة «وحدة وطنية» من الليكود وشاس وعدد من الأحزاب اليمينية الأخرى كما طالب بذلك أريل شارون زعيم الليكود أو نحو إجراء انتخابات برلمانيةمبكرة للخروج من المأزق السياسي الذي تعيشه حكومة باراك حاليًا.

أما في الجانب الفلسطيني، فلم يكن عرفات يريد العودة دون أن يحقق إنجازًا ما في موضوع القدس خصوصًا مع اقتراب موعد إعلان الدولة الفلسطينية, ونظرًا لحساسية هذه القضية وأبعادها المختلفة على الصعد الفلسطينية والعربية والإسلامية، إضافة إلى الموقف الإسرائيلي المتطرف من مسألة مستقبل القدس المحتلة، فقد كانت القضية الأعقد في مفاوضات الكامب. وقد دفع هذا الأمر بعض المراقبين إلى الزعم بأن عرفات أبدى صلابة في موضوع القدس ورخاوة في قضية أربعة ملايين لاجئ فلسطيني ويبدو أن دخول أطراف عربية على الخط وخصوصًا مصر زاد من حرارة الكامب، وسبق لمصر أن حذرت على لسان أسامة الباز - مستشار الرئيس المصري - الطرف الفلسطيني من أي تنازل في موضوع القدس، نظرًا لأنها قضية تعني أطراف عربية أخرى كما قال، وهو ما يفسر حركة الاتصالات التي جرت بين كلينتون وباراك من جهة والرئيس المصري من جهة أخرى، والذي حاول بدوره استمزاج رأي قيادات عربية لاتخاذ موقف محدد من المقترحات المعروضة على الفلسطينيين.

وفلسطينيًا أيضًا لا يحظى عرفات بتأييد الشارع الفلسطيني الذي يشكل اللاجئون أكثر من ثلثيه, وكان واضحًا فشل مؤيدي عرفات في حشد مظاهرة أو مسيرة لتأييده مقابل المظاهرات الحاشدة التي نظمتها المعارضة وحماس على وجه التحديد في عدد من مناطق الضفة والقطاع, وتجري حاليًا حملة قوية لجمع تواقيع أكثر من مليوني لاجئ ونازح فلسطيني في الأردن لتأكيد حقهم في العودة إلى ديارهم ورفض أي اتفاق يتنكر لهذا الحق التاريخي، ووصل الأمر إلى حد خروج بعض التهديدات من جانب ممثلي اللاجئين ومن ناشطين داخل حركة فتح نفسها بإنشاء قيادة بديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية كما صرح بذلك حسام خضر عضو المجلس التشريعي الفلسطيني «معارض من فتح».

ما عرض على عرفات في شأن القدس لم یزد على كونه إدارة مدنية لبعض الأحياء العربية في القدس المحتلة، أو كما وصفه بعض مسؤولي السلطة بأنه «سلطة لنقل الزبالة» في تلك الأحياء.

بعد انتهاء قمة كامب ديفيد كل الاحتمالات مفتوحة وقائمة إلا أن الطرف الفلسطيني سيبقى الخاسر مهما بلغ حجم «التنازلات» التي ستقدم له، فالمساومة التي تجري هي على حقوق الشعب الفلسطيني التي أثبتتها قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة.. ولكن رضيت منظمة التحرير الفلسطينية أن تكون مادة قابلة للنقاش والمساومة عليها مع عدوها الصهيوني. 

الرابط المختصر :