; القذافي وفرانسيس فوكوياما | مجلة المجتمع

العنوان القذافي وفرانسيس فوكوياما

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004

مشاهدات 78

نشر في العدد 1591

نشر في الصفحة 43

السبت 06-مارس-2004

لا أحد كان يتوقع أن يقوم العقيد الليبي معمر القذافي صاحب النظرية الثالثة والكتاب الأخضر بنسخ كل نظرياته وإحداث نقلة في نهجه النظري بنسبة ١٨٠ درجة دفعة واحدة.

وخلال أقل من عقدين جرت تغييرات سياسية مذهلة في الجماهيرية الليبية «العظمى» من «العوربة» ومرورًا بالأفرقة وانتهاء بالأمركة.

فالعقيد الذي بدأ حياته السياسية متأثرًا بعبد الناصر ونسج علاقات بحركات نضالية عربية وحركات تحرر عالي سرعان ما تخلى عن النهج القومي عندما اكتشف أن الأمة العربية أكذوبة من صنع مجموعة من المنظرين العربوبعد انهيار مشاريع الوحدة العربية الواسعة والمجزأة التي كان يطرحها.. 

وفي سياق تتبع المسلكية السياسية للعقيد معمر القذافي ينتج سؤال منطقيهل كان العقيد يريد أن يحقق ذاته وأناه من خلال مشروع الوحدة العربية، وعندما لم يتسن له تكريس زعامته عربيًا راح يبحث عن تكريس هذه الزعامة في جغرافيا أكثر استضعافًا وتراجعًا وفقرًا وهي الجغرافيا الإفريقية؟

أم أنه كان مؤمنًا بالفكر الوحدوي العربي وعندما لم يجد الأرضية المناسبة لتفعيل هذا الفكر وخصوصاً بعد توالي النكسات والخيبات والانهيارات في كل الواقع العربي راح يبحث عن ملاذ آخر فرارًا من أوجاع الواقع العربي؟

وبالاستناد إلى علم نفس تحليل الكاريزما والشخصيات نستنبط أن القذافي كان مصابًا بداء تقديس الأنا من جهة ومولعًا بالفكر الوحدوي العربي من جهة أخرى بل إن هناك ملازمة طردية بين الأمرين في ماهية شخصية العقيد وعندما لم يؤد الفكر الوحدوي إلى تحقيق ذات العقيد راح يبحث عن حيز فكري وجغرافي آخر لتحقيق هذه الذات التي لها من الطموح الشيء الكثير خصوصًا أنها ذات عسكرية وصلت إلى دوائر القرار في سن مبكرة للغاية

ومن العوربة إلى الأفرقة حاول القذافي أن يتحرك في مواقع جغرافية لا تؤمن بالأيديولوجيا بتاتًا بحكم الجوع السائد فيها والفقر المدقع الذي يلف حالتها العامة رغم غزارة الثروات الباطنة والظاهرة فيها وهنا بذل القذافي الكثير من الدولارات لتطويع إفريقيا المضطربة بين الأمركة والفرنسة والإنجلزة والصهينة ونجح مع بعض الأفارقة في خلق الاتحاد الإفريقي خلفًا لمنظمة الوحدة الإفريقية، غير أن تغيير عنوان منظمة الوحدة الإفريقية لم يغير من واقع إفريقيا في شيء والأعباء السياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية والثقافية وصراعات الحدود فيها لا يقدر القذافي على مجابهتها أو تطويقها خصوصًا مع كثرة اللاعبين الكبار في الساحة الإفريقية وتعدد الصغار الإقليميين الباحثين عن أدوار، وهنا بدأت بعض أمال القذافي تخيب في إفريقيا خصوصًا إذا علمنا أن بعض الحكام الأفارقة الذين تسلموا مساعدات مادية من ليبيا كانوا يأكلون من مائدة القذافي ويصلون في محراب الرئيس الأمريكي.

وبعد نجاح أمريكا في الإطاحة بصدام حسين وإذلاله على مرأى من العالمين شعر القذافي أن الرسالة موجهة إليه وإلى أقرانه وهنا استشعر أيضًا أن ذاته في خطر فقلب ظهر المجن للعوربة والأفرقة للحفاظ على الذات

والضامن الأساسي لاستمرار هذه الذات الحاكمة المتنفذة هي أمريكا بحكم الأمر الواقع وهنا قرر العقيد وبسرعة البرق القضاء على كل مسببات التوتر بين ليبيا والولايات المتحدة إلى درجة أن أمريكا رضيت عن ليبيا في ظرف وجيز وقياسي لم يحدث من ذي قبل في أي علاقة متوترة مع دولة أخرى

ونجح العقيد في الحفاظ على ذاته وحكمه ما دامت الذات هي الأصل والفكر هو الفرع وبهذا الشكل أيضًا ينتقل العقيد من موقع التنظير والتأصيل إلى موقع التأثر والتلقي من شخصية يابانية متأمركة هي فرانسيس فوكوياما الذي أكد في كتابه «نهاية التاريخ» أن النموذج الليبرالي الغربي هو المنتصر الفائز، وله طويت الوسادة في قرننا المنصرم وقرننا الراهن وقرننا المقبل.

فوكوياما الذي كان في عرف القذافي مفكرًا إمبرياليًا استعماريًا رجعيًا ظلاميًا يصبح ملهمًا وواقعيًا وبراغماتيًا ومقبولًا، ويؤكد العقيد بما أقدم عليه وبسرعة البرق صحة نظرية فوكوياما، فيما فوكوياما يعتبر الكتاب الأخضر والنظرية الثالثة من ترهات أحلام اليقظة.

وأخطر ما في الموضوع أن بعضنا وفي ظرف ثوان معدودة يتخلى عن ثوابته ومنطلقاته وفكره ومبادئه وخططه واستراتيجيته، وفي الوقت الذي يسجل فيه الغرب الانتصار تلو الانتصار نسجل نحن التراجع تلو التراجع، فمن قال إن العولمة الأمريكية لم تخرجنا من جلودنا؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

124

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال