; القذافي ومهامه الإستراتيجية | مجلة المجتمع

العنوان القذافي ومهامه الإستراتيجية

الكاتب مصطفي محمد الطحان

تاريخ النشر السبت 23-نوفمبر-2002

مشاهدات 53

نشر في العدد 1528

نشر في الصفحة 40

السبت 23-نوفمبر-2002

صرح العقيد القذافي لوكالة فرانس برس، فقال: لقد تخليت عن الشأن الليبي نهائيًا، وسأتفرغ لمهمات استراتيجية ودولية في محاولة لإخراج العالم الإسلامي من قفص الاتهام والحيلولة دون قيام حرب صليبية جديدة، والمعلن أنه يسعى لتشكيل تجمع إسلامي عالمي على غرار تجمع جوهانسبرج قمة الأرض، على ألا يكون مقتصرًا على الحكومات وقادة الدول الإسلامية، بل توجد فيه فاعليات العالم الإسلامي والعربي.

وأضاف المهمة الأخرى التي سأتفرغ لها. هي الفضاء الإفريقي، وهي مهمة غير سياسية، سأحاول ربط النهر الصناعي العظيم في ليبيا مع الأنهار الطبيعية الإفريقية من النيل إلى بحيرة تشاد، وتحويل الصحراء إلى جنة (!).

وإذا كان القذافي بصدد مراجعة سياساته وأفكاره وتجاربه، فلا بأس أن نقف على بعض محطاتها فهي محطات مشتركة لا تخص ليبيا وحدها ولكنها تخص جميع الدول الثورية التي وصلت إلى السلطة على ظهر دبابة.

وإذا كانت المرحلة التي تمر بها الدول العربية والإسلامية مرحلة عصيبة، فمن المناسب أن تتناول قضايا هذه الأمة بشيء من التوضيح.

القذافي والوحدة العربية

من المعروف أن القذافي الذي قام بانقلابه العسكري في الأول من شهر أيلول «سبتمبر» ١٩٦٩م والذي باركه زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر الذي كان خارجًا من هزيمة عام ١٩٦٧م أمام إسرائيل فقال له أرى فيك شبابي وبعد سنة من مقولة عبد الناصر هذه توفي زعيم القومية العربية، فتسلم منصبة العقيد القذافي.

● نادى بالوحدة ولم يترك بلدًا عربيًا إلا حاول أن يتحد معه تونس والمغرب ومصر والسودان، كانت فلسفته في الوحدة أن ليبيا فيها الزعيم وأرصدة البترول، وهو يحتاج شعبًا كبيرًا يحكمه. وفشلت بالطبع كل هذه التجارب. وانقلبت في كثير من الأحيان إلى مآس وحروب كما حصل بين مصر وليبيا ومع الزمن أدرك القذافي أن فكرة الوحدة مع الأقطار العربية تحتاج نوعًا آخر من المبادئ والظروف والزعامات . فقلب صفحتها، وصرح في أيامه الأخيرة، بأن ليبيا لا تستطيع التعلق بعواطفها مع العرب، وأن الجامعة العربية لا معنى لها، فهي قليلة وفاشلة ولا تساوي شيئًا، وأنه قرر الانسحاب منها وأصر على موقفه رغم زيارة الأمين العام للجامعة عمرو موسى والرئيس المصري إلى ليبيا.

● وحاول القذافي - شأن جميع القادة الثوريين - أن يستغل القضية الفلسطينية.. فتدخل بالمال والسلاح مع الفصائل الفلسطينية التي كانت في لبنان.

ولكنه انتهى في آخر المطاف إلى اتهامه بتصفية. الإمام الصدر، الذي مازالت قضيته مفتوحة حتى اليوم، وإخراج الفلسطينيين الذين يعملون في ليبيا، وتركهم بالصحراء على الحدود المصرية، مع أسرهم وأطفالهم بحجة اعتراضه. على اتفاقات أوسلو وكان الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن انحرافات زعمائه ومن أجل تحرير القدس أرسل مجموعة كبيرة من عناصر الجابة الثورية ليحجوا إلى القدس وآخر إنجازاته في القضية الفلسطينية دعوته لتشكيل دولة إسراطين.

● وكان القذافي شديد الاهتمام بالثورة التحررية العالمية فهو مع كل فريق يناهض الاستعمار يقدم لهم المال والسلاح  حتى اتهموه بنسف الملهى الليلي في ألمانيا، وبتسليح الجيش الجمهوري الأيرلندي، وبإسقاط الطائرة الفرنسية «يوتا» فوق صحراء النيجر عام ١٩٨٩م. وإسقاط طائر «البان أمريكان» في «لوكربي» عام ۱۹۸۸م، وردت أمريكا على تصرفاته بهجوم جوي على ليبيا وبفرض الحصار عليها وها هو بعد هذه التجارب المريرة يصرح بأن بلاده ستنصاع من الآن فصاعدًا للشرعية الدولية التي احتجت عليها لفترة طويلة، واعترف بأنه لا يمكن إلا أن تستسلم للشرعية الدولية مهما كانت مزورة من قبل أمريكا وإلا سنداس بالأقدام ولقد اضطرت ليبيا إلى دفع تعويضات تقدر بعشرة ملايين دولار للفرد الواحد من ضحايا طائرة لوكربي.

ردة الفعل هذه  هي من نوع العمل وإذا كان  بالفعل متهورًا فإن ردة الفعل ستكون على المستوى نفسه من الإسفاف والهوان.

● ونقل القذافي أحلامه عن الوحدة العربية إلى الإتحاد الإفريقي الذي أعلن عن قيامه في «دربان» في جنوب إفريقيا في 9 يوليو ٢٠٠٢م.

كان القذافي يحلم بأن تستضيف ليبيا مقر الإتحاد عوضًا عن أديس أبابا العاصمة الإثيوبية وأن تعقد قمة إعلان الإتحاد على أرضها فهي أول من نادي بهذا الإتحاد، وأن تستضيف البرلمان الإفريقي فهل سينجح القذافي في إفريقيا فيما أخفق فيه في العالم العربي؟

هل سيتذكر الأفارقة حربه في تشاد واحتلاله الشريط الحدودي ، «أوزو» الذي قيل أنه غني باليورانيوم؟ وهل سيتذكر الأفارقة تفاهماته مع فرنسا على حساب حركة تحرير تشاد «فرولينا»، وتصفية قياداتها التي كانت تنطلق من ليبيا بحماية الملك إدريس السنوسي.

لا أعتقد أن الأمر سيغيب عن الأفارقة ولقد حملت صحيفة (ميكروري) الصادرة في جنوب إفريقيا على القذافي ووصفته بالدكتاتور الذي يبغض الديمقراطية. 

● أما تفرع القذافي للمهمات الاستراتيجية، وتخليه نهائيًا عن الشعب الليبي فهذه فكرة قديمة جديدة. 

أثناء حرب الخليج الثانية حضرت مؤتمر عقد في طرابلس الغرب لمعالجة هذه القضية وعلى العشاء كنت مع الأستاذ نجم الدين أربكان والأستاذ محمد أحمد الشريف رئيس جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا وعدد من الضيوف. 

سألت الأستاذ الشريف وهو من المقربين للعقيد القذافي ماذا تفعلون حتى تتجنب المصير الذي آلت إليه الحكومات الثورية باعتمادها على أجهزة المخابرات وقمع المعارضة، وفتح السجون لكل من يتكلم ضد السلطة فأجاب ليس عندنا سلطة، الحكم عندنا للشعب. 

تفرغ القذافي للمهمات الاستراتيجية ادعاء قديم وشعار السلطة للشعب يعتقد الكثيرون أنه مجرد ادعاء. وأن كل شيء في ليبيا هو بيد قائد الثورة والمراقبون يتساءلون لماذا لم تتضمن الموازنات الصادرة عن الحكومة الحجم الفعلي لعائدات الجماهيرية من النفط و مردود الاستثمارات الخارجية وصادرات ليبيا من البتروكيماويات؟

وإذا تفرغ القائد للشؤون الخارجية. فلمن سيعطي الصلاحيات؟ الأمر في مجمله مجرد شعارات تستر مواقف لا تمت للديمقراطية والشفافية بصلة.

● وتطرق القذافي مؤخرًا إلى أن السجون في ليبيا ستكون فارغة اعتبارًا من هذا العيد، «يقصد عيد الانقلاب»، باستثناء مجموعة من الزنادقة ويقصد بالزنابقة بالطبع الإخوان المسلمين الذين يدعى عليهم زورًا أنهم (عملاء الأمريكان).

القذافي يهوي التجديد.. فالشهور أعاد تسميتها والتقويم الهجري يبدأ من تاريخ وفاة الرسول وإذا لم يعجب الناس في ليبيا كتابه الأخضر فهو على استعداد لتطبيق الكتاب الأحمر.. شيء واحد.. أتفق فيه القذافي مع بقية الثوريين، فهو يهيئ أبناءه ليكونوا مكانه في المرحلة القادمة.

 

الرابط المختصر :