; القرآن الكريم المصدر الرئيس للثقافة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان القرآن الكريم المصدر الرئيس للثقافة الإسلامية

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 2023

نشر في الصفحة 49

السبت 13-أكتوبر-2012

أتعجب حينما يزهو إنسان مسلم ويفاخر بأن مرجعيته الثقافية ترتبط بهذا الشخص أو ذاك، أو تعود إلى هذه الفلسفة أو تلك النظرية غافلا عن المرجعية الإسلامية الشاملة التي تشكل وعي المسلمين وتكوينهم الفكري والثقافي في جميع شؤون الحياة ومن خلال مصادرها المتعددة. 

إن القرآن الكريم هو المعين الأول والمنهل الرئيس للثقافة الإسلامية هذا الكتاب الذي تناول في آياته، أخبار الأولين والآخرين ومصائرهم، واشتمل على أحكام العقيدة والعبادات والأخلاق والآداب والمعاملات قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] (الأنعام: ۳۸)، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. 

وقد ورد لفظ القرآن في اللغة مصدراً مرادفاً للقراءة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ﴾ [القيامة: 17 - 19]، ثم صار علما شخصيا لذلك الكتاب الكريم، يطلق بالاشتراك اللفظي على مجموعه، ويطلق على بعضه: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204]، وجاءت تسميته قرآنا كونه متلوا بالألسن، كما جاءت تسميته كتاباً كونه مدوّناً بالأقلام، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن حفظه لا يكون إلا في موضعين لا في موضع واحد، وأعني أنه يجب أن يُحفظ في الصدور والسطور جميعاً ، أن تضل إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. 

وجاءت هذه العناية المزدوجة - التي بعثها الله في نفوس الأمة الإسلامية اقتداءً بنبيها صلى الله عليه وسلم- ليبقى القرآن محفوظاً في حرز حريز إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، ولم يُصبهُ ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها ، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 44]؛ أي بما طلب إليهم حفظه. 

والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومُهيمنا عليها، فكان جامعاً لما فيها من الحقائق الثابتة زائداً عليها بما شاء الله سبحانه زيادته، وكان سادا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله تعالى أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمراً يسر له أسبابه، وهو العليم الحكيم، وإذا رجعنا إلى أصل الأسماء وجدنا أن مادتي " ك ت ب "، و"ق رأ" تدوران على معنى الجمع والضم مطلقا، وهذا لا يعني فقط أن هذا المسمى جامع للسور والآيات أو أنه مجموع تلك السور والآيات، من حيث هو نصوص مؤلفة على صفحات القلوب، أو من حيث هي نقوش مصفوفة في الصحف والألواح، أو من حيث هي أصوات مرتلة منطوقة على الألسنة، بل يعني شيئاً أدق من ذلك كله، وهو أن هذا الكلام قد جمع فنون المعاني والحقائق، وأنه قد حشدت فيه كتائب الحكم والأحكام.

ومن أسمائه كذلك: "الفرقان"، و"الذكر"، و"التنزيل"، وقد تجاوز صاحب البرهان حدود التسمية فبلغ بعدّتها خمسة وخمسين، وأسرف غيره في ذلك حتى بلغ بها نيفا وتسعين. 

ومعلوم أن للقرآن صفات، لا يشاركه فيها غيره من كلام الله تعالى أو كلام البشر، أما بالنسبة لكلام الله فهناك الكلام الإلهي الذي استأثر الله به أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا ،به لا ليُنزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى منزلاً، بل الذي أنزل منه قليل من كثير: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [الكهف: 109]، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]، وهناك ما أُنزل على الأنبياء السابقين، كـ"الصحف" المنزلة على إبراهيم عليه السلام، و"التوراة" المنزلة على موسى عليه السلام، و"الإنجيل" المنزل على عيسى عليه السلام، و"الزبور" المنزل على داود عليه السلام، وأما بالنسبة لكلام البشر فهذا واضح، وذلك كوصف كونه عربيا الذي يشاركه فيه الحديث الشريف، وكوصف كونه متواترا الذي يشاركه فيه بعض الأحاديث. 

فانظر كيف عبر بالقراءة والإقراء والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون القرآن عربيا، وكل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة.

 القرآن إذن صريح في أنه لا صَنْعَةً فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله تعالى بلفظه ومعناه، والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على ذلك، وهذه القضيّة لو وجدت قاضيًا يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس "الدعاوى" فتحتاج إلى بيّنة، وإنما هي من نوع "الإقرار" الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه أي مصلحة لمن يتحدّى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييده في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخا؟ 

وإن من تتبع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته، لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة.. وأن سره وعلانيته كانا سواء في دقة الصدق، وصرامة الحق في جليل الشؤون وحقيرها، وأن ذلك كان أخص شمائله وأظهر صفاته، قبل النبوة وبعدها، كما شهد بذلك أحباؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا؛ ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 16]، إن كتاباً عظيماً بهذه الدقة، وهذا الإعجاز اللغوي والبياني والعلمي لجدير بأن يكون ملهماً للأمة الإسلامية، ورافداً من أهم روافدها الثقافية. 

الرابط المختصر :