; القرآن الكريم والعطاء المتجدد في الهجير | مجلة المجتمع

العنوان القرآن الكريم والعطاء المتجدد في الهجير

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 76

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

سرني كثيرًا أن يقام للقرآن الكريم مؤتمر في الكويت يتدارس جوانب عطائه، وخصائص منهجه، ووسائل تربيته، وأساليب إعجازه ونفحات إحياءاته وإشراقاته على الأمة الإسلامية وعلى البشرية من قبل ومن بعد، كي يفرح المؤمنون بنصر الله لنداء القرآن إلى قومة جديدة بعد هجوع وإحياءه فتية بعد موات: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ﴾ (الأنفال: 24 :25). 

ولا عجب. فالقرآن الكريم هو كتاب الدعوة المفحم، وجماع مبادئها، وقانونها، ودستورها وصراطها المستقيم فضله على المناهج البشرية كفضل الله على خلقه، فهو كتاب الإنسانية وحياتها وغذاء فطرتها، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد ولا: تنته تنقضي عجائبه، وهو الذي لم الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا﴾ (الجن: 1) مَنْ علم علمه سبق، ومن. قال به صدق ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

كتاب بهذا الحجم، ودستور بهذه المنزلة ومنهج بهذا الإشراق، لا بد وأن يكون البعد عنه والانفصال عن تعاليمه يمثل كارثة مروعة بمقدار هذه الخسارة الفادحة لقد كان معروفاً أن القرآن أحدث إحياءه عملية مبهرة، وأضاء جاهلية عمية مظلمة، وأقام أمة عظيمة مبدعة، فلا بد وأن يكون معروفًا أنه بمفاصلته والتخلي عنه سيخر على الأمة سقفها، وتزهق روحها، وترجع جاهليتها ويحمد عقلها، ويخبو إبداعها، يقول الباحث الأمريكي «لوثروب ستودارد» مؤلف كتاب «حاضر العالم الإسلامي» لقد كان قيام الأمة الإسلامية هو النبأ الأعجب في التاريخ الإنساني، لقد ظهر الإسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان خاملة الذكر، فلم يمض على ظهوره عشرة عقود حتى انتشر في نصف الأرض بغير إكراه، ممزقاً ممالك عالية الذرا، مترامية الأطراف، وهادماً أديانًا قديمة كرت عليها الحقب والأجيال، ومغيرًا ما بنفوس الأمم والأقوام وبانيًا عالمًا حديثًا متراص الأركان هو عالم الإسلام».

 ومازال القرآن هو القرآن، ومازالت فاعليته وقوته الروحية والحضارية مشعة، وستظل إلى يوم الدين، ولكن هل يراها الصم البكم العمي الذين لا يعقلون يقول المفكر الفرنسي «مارسيل بوازار»، في كتابه «إنسانية الإسلام» «إن القرآن لم يأت لإصلاح أخلاق العرب الجاهليين فقط بل إنه يحمل الشريعة الخالدة والكاملة والمطابقة للحقائق البشرية والحاجات الاجتماعية في كل الأزمنة، إن روح القرآن تخلق مناخًا للعيش ينتهي به الأمر إلى مناغمة التعبيرات الذهنية والمساواة بين العقليات والنظم الاجتماعية بأكثر مما تفرضه التعريفات السياسية والطوابع الأيديولوجية التي تسند إلى الدول، ولا يكفي قط ما يتردد عن درجة التأثيرات القرآنية الكبرى في الذهنية الإسلامية المعاصرة، فهو لا يزال مصدر الإلهام الفردي والجماعي الرئيسي، كما أنه ملجأ المسلمين وملاذهم الأخير، إن الأدوات التي يوفرها التنزيل القرآني قادرة ولاريب على بناء مجتمع حديث لا يبارى».

 ولكن العجب كل العجب فعلاً في تأخر المسلمين وفيهم هذا الكتاب، ولهم هذه المنزلة وعندهم هذه المناهج، وهذا ما دعا رجلًا مثل «هيلير بيلوك» الإنجليزي إلى القول: «لا يساورني أدنى شك في أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين بالقرآن، وتتماسك أطرافها تماسكًا قويًا بالإيمان، وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام. لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب بل ستكون أيضًا خطرًا على أعدائه، ومن الممكن أن يعارض المرء هذا الرأي فيقول: «بأن الإسلام فقد سيطرته على بعض الأشياء المادية وخاصة ما يتصل بالحرب، فهو لم يلحق بالتقدم التكنولوجي الحديث، ولا استطيع أن أدرك بحق لماذا لم يعوض الشرق الإسلامي ما فاته في هذا الميدان إذ لا تحتاج علوم الهندسة الحديثة إلى طبيعة عقلية خاصة، بل يتطلب الإلمام بها والتفوق فيها إلى الخبرة وتوجيه الخبراء، ومن المؤكد أنه غالبًا ما يحدث أن تكون حضارة ذات منزلة عالية في التقدم التكنولوجي هي أقل درجة من حضارة أخرى لم تبلغ تطورها بعد في هذا المجال، إذن فهناك احتمال كبير في أن يصبح شعب ظهر حتى الآن أن مواهبه في الناحية التكنولوجية ضعيفة. سيدًا على شعب أخر استولت التكنولوجيا على حواسه ومشاعره لماذا لا يتعلم العالم الإسلامي ما تعلمناه في مجال التكنولوجيا وفي مقابل هذا سوف يكون من الصعب علينا استعاده التعاليم الروحية، وهي من العوامل الأساسية لوحدة أوروبا التي فقدتها المسيحية، بينما لم يزل الإسلام يحافظ عليها.

إنه ليتضح للقاصي والداني اليوم سواء كان عدوًا أو صديقًا، أن قوة القرآن في جمع شمل المسلمين لم يصبها الوهن ولم تنجح الأحداث التي مرت على المسلمين في القرون الأخيرة في زعزعة ثقتهم في كتابهم، أو إضعاف قوته الروحية التي تستطيع أن تجمع التيارات المختلفة، لقد نادى رجال يعدون من الصفوف الأولى التي صارعت الاستعمار الغربي على الصعيد السياسي بالإسلام، وهذا يظهر أن الروح الإسلامية مازالت تسيطر على تفكير القادة في الأمة وعواطفهم، وستظل كذلك ما دامت هناك شعوب إسلامية ربطت مصيرها بتعاليم الإسلام.

ونحن اليوم وإن كنا نشجع حفظة القرآن ومعلميه، ونتمنى لهم الخير والتوفيق والسداد لندعو أن تربي الأمة الرجل القرآني والعقل الرباني: ﴿وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79) وأن تتعهد المسيرة الراشدة والزحف المقدس، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وينكشف الغطاء، ويزاح الستار عن الرجال الذين ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلا﴾ (الأحزاب: 23).

أيها السادة. اسمحوا لي أن أبعث التحية والسلام إلى معلم القرآن الأول محمد بن عبد الله ﷺ القدوة الذي كان خلقه القرآن، ومنهجه القرآن، ومعجزته القرآن، ونبته أشجاناً هو بها أعلم، وبخطرها أفهم.

فقل لرسول الله يا خير من خير مرسل

 

 

أبتك ما تدري من الحسرات

 

شعوبك في شرق البلاد وغربها

 

 

كأصحاب كهف في عظيم ثبات

 

بأيمانهم نوران ذكر وسنة

 

 

فما بالهم في حالك الظلمات؟

 

وقل رب وفق للعظائم أمتي

 

 

وهيئ لها الأفعال والعزمات

 

 

الرابط المختصر :