العنوان القرآن.. كتاب حركة واعية لمستلزمات المراحل السياسية
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1982
مشاهدات 145
نشر في العدد 580
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 27-يوليو-1982
- الذي يدرس القرآن من حيث هو كتاب حركة، يدرك إلى أي مدى ركز في سوره على بناء الإنسان الصالح لكل العصور. والذي يجول مع القرآن- عبر المراحل التاريخية التي مرت بها الجماعة الإسلامية الأولى- يدرك إلى أي مدى ركز في سوره على بناء حركة إسلامية ناشطة ويقظة وواعية لقضية التطور السياسي ومستلزماته. وستوضح لمن يدرس القرآن من حيث هو كتاب حركة أنه يهدف لبناء إنسان فعال مؤثر مثابر دؤوب يقظ يستوعب التحول التاريخي من مرحلة إلى أخرى والتكيف السياسي من وضع لآخر ويعيش في قلب الأحداث لا على هامشها وعلى وعي تام بطبيعة حركة التاريخ والمجتمعات ويتزود ويتحصن بتصور صحيح لهذا الكون ومجرياته وببناء نفسي متماسك يصعب لغير نداء الله أن يخترقه. كما يتوضح لدارس القرآن من حيث هو كتاب حركة أنه يهدف لبناء حركة تتفاعل مع التاريخ، تارة تصنعه، وأخرى تستر شد به، وفي كل ذلك هي حركة عصرية تعيش العصر وتتفاعل مع المرحلة من حيث روحها وقضاياها ومنعرجاتها، وهي حركة واقعية لا تتعامل مع الطوباوية لا من قريب ولا من بعيد فهي تعرف أن الصراع والصدام والحرب والقتال وتضارب المصالح بين الناس. حقائق مركوزه في كينونة المجتمعات البشرية، مثلها مثل ضرورة التعايش والتعاهد والتهادن والتبادل والمقايضة. إذن يريد القرآن أن يبني إنسانا وأن يبني حركة لديهما قدرة على استيعاب وفهم كل هذا والاستعداد له ورفع الكفاءة الحركية لتوظيفه لصالح قضية الإسلام عبر كل المراحل السياسية. من أجل ذلك يكرر الله- سبحانه وتعالى- على سمع المؤمن وقلبه وعقله ولبه حقائق أساسية لفتح مغاليق الصراع الإنساني فوق هذا الكوكب بحيث تتحصل لدى المؤمن جملة مدركات تعينه على أن يصير إنسانا جديرا بحمل لواء الدعوة وجديرا بمكان في صفوفها.
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: 71).
- ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (النساء: 102)
- ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)
- ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140).
- ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60).
- ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال: 61)
فالسلاح والحذر والإعداد للعدو مع الاستعداد للهدنة وتقلب الأيام، يوم لك وآخر عليك. كل ذلك حقائق ينبغي أن تتشكل شخصية المؤمن وتربيته لاستيعابها وتوظيفها لصالح قضية الإسلام عبر كل المراحل السياسية.
- مقارنة بسيطة بين سورة محمد وسورة الفتح توضح ما ترمي إليه، فسورة محمد مدنية وآياتها ۳۸ وموضوعها: الجهاد في سبيل الله، ونزلت في السنة الثالثة من الهجرة وهي مرحلة من مراحل الدعوة. والذي يقرأ السورة ويتنسم جوها ويعيش صورها لا يمكن أن يتوقع نزول سورة الفتح بعدها بثلاث سنين وهي سورة نزلت في السنة السادسة من الهجرة لتعبر بالجماعة الإسلامية خلال مرحلة أخرى ذات طبيعة مغايرة أي مرحلة صلح الحديبية وما استلزمه من عمل سياسي وتخطيط لانتشار الإسلام في مكة وغيرها من القرى ومحاولة تأسيس علاقات ممتدة مع الأوساط القبلية والاستنصار بها عبر شبكة من التحالفات. سورة محمد هي عبارة عن إعلان حزب من الله والجماعة الإسلامية على الذين كفروا، لذلك جاءت عباراتها بتاره فصاله:
﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (محمد: 4-6)
﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 35) ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْما غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38)
جو السورة كله تحريض على القتال وتحقير للكافرين ودعوة، بل أمر رباني بالإثخان والغلظة عليهم وشدة التقتيل فيهم وحض المؤمنين على الثبات في القتال وعدم الدعوة إلى السلم أو الهدنة ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (محمد: 35). الهدف من القتال والإثخان فيه تحطيم قوة العدو وكسر شوكته. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (محمد: 10). يقول سید قطب رحمه الله: «وهي لفته عنيفة مروعة فيها ضحة وفرقعة وفيها مشهد للدين من قبلهم يدمر عليهم كل ما حولهم وكل ما لهم فإذا هو أنقاض متراكمة وإذا هم تحت هذه الأنقاض المتراكمة وذلك المشهد الذي يرسمه التعبير مقصود بصورته هذه وحركته والتعبير يحمل في إيقاعه وجرسه صورة هذا المشهد وفرقعته في انقضاضه وتحطمه» «في ظلال القرآن- الطبعة الأولى ج ٢٦- ص ٦٠». ثم يؤكد الله تعالى المؤمنين ﴿أَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 38) ويحذر الله الجماعة الإسلامية الأولى من أي تردد أو وجل أو زغل أو دخل ويقول لهم بصريح العبارة ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْما غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38)
هذه السورة- سورة محمد نزلت في السنة الثالثة من الهجرة وهي مرحلة قتال وجهاد وتمييز وتثبيت لدعائم الإيمان من خلال السلاح والدم والغبار والشهداء وكانت مرحلة..
- وبعد أن اشتد عود الجماعة الإسلامية الأولى وفعلت آيات الكتاب بها ما فعلت وبعد ثلاث سنوات من العمل العسكري ضد قريش وحلفائها. وبالذات في السنة السادسة من الهجرة تنزل سورة الفتح وهي تعبير عن مرحلة أخرى سياسية تمر بها الجماعة الإسلامية الأولى مرحلة ذات طبيعة خاصة تستلزم تصعيد العمل السياسي وتهدئة العمل العسكري ضد قريش وحلفائها. حتى ألفاظ وصور هذه السورة أهدأ بكثير من سورة محمد. فهي تعبير عن مرحلة تتطلب شيء من الهدوء والعمل الهادئ والتخطيط السياسي. فقد وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك العام على صلح الحديبية:
«هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا أسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها» ابن هشام- ح ۳- ص ۷۸۲.
واضح من خلال نص الصلح وملابساته إننا في إزاء مرحلة جديدة دقيقة يغلب عليها العمل السياسي رغم أن بنود الصلح استفزت القاعدة الصلبة من المؤمنين ومع هذا قبلوا وفاءوا إلى الرضى واليقين والصلة المباشرة بروح رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. وفعلا كان صلح الحديبية في واقع الحال فتحا في الدعوة وفتحا في الأرض وفتحا في الموقف وصدق الله العظيم حين قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحا مُّبِينا﴾ (الفتح: 1). نعم كان فتحا في الدعوة. يقول الزهري: فلما كانت الهدأة ووضعت الحرب وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ولم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا وإلا دخل فيه لقد دخل في تينك السنتين «بين صلح الحديبية وفتح مكة» مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام والدليل على قول الزهري إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو ابن العاص وكان صلح الحديبية فتحا في الأرض فقد أمن المسلمون شر قريش فاتجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى تطهير الجزيرة العربية من بقايا اليهود وفتح المسلمون خيبر وغنموا منها غنائم ضخمة. وكان صلح الحديبية فتحا في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها.
﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحا قَرِيبا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزا حَكِيما، وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطا مُّسْتَقِيما، خْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرا، وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّا وَلَا نَصِيرا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا، وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرا﴾ (الفتح: 18-24)
- انتقل بنا القرآن- من خلال سورتي محمد والفتح- عبر مرحلتين مرت بهما الجماعة الإسلامية مرحلة فيها أتون ونار وحريق وغبار الجهاد وأما الأخرى فكانت عبر صقيع العمل السياسي ومستلزماته. الروعة في كل هذا أن الجماعة الإسلامية الأولى حققت نجاحات طيبة في المرحلتين: مرحلة الجهاد ومرحلة العمل السياسي «صلح الحديبية». هنا لا بد أن تقول بإن الملفت للنظر هو مقدرة الجماعة الإسلامية على التكيف السياسي مع المراحل وتثمير الأحداث المستجدة لصالح قضية الإسلام ولا شك أن خلف هذا وذاك منهاج تربوي متكامل- كتكامل تجربتي الجهاد والعمل السياسي التي مرت بهما الجماعة الإسلامية الأولى بنجاح- يعد المجاهدين الصالحين للقتال مثلما هو بعد القادرين على اجتياز صقيع العمل السياسي. عليه أقول لا بد من أن ندرس سورتي محمد والفتح من حيث هما سور تحرك مرحلي بكل مستلزمات المرحلة وهنا تكمن عظمة القرآن من حيث هو كتاب حركة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل