; القراءة الصحيحة لفعاليات الشباب.. هل تكون؟ | مجلة المجتمع

العنوان القراءة الصحيحة لفعاليات الشباب.. هل تكون؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011

مشاهدات 66

نشر في العدد 1950

نشر في الصفحة 25

السبت 30-أبريل-2011

الأمم التي تستطيع قراءة فعاليات الشباب في مجتمعاتها أمم مبصرة لمستقبلها، فاقهة لدورها في الحياة، ساعية إلى مجدها وعزتها أما الأمم التي تعمى أو تتغابى عن تلك القراءة، أو عن فقهها الصحيح؛ فإنها لابد وأن تكون محالفة للنحس، تسعى إلى حتفها بقدميها، وتدمير نفسها باختيارها وسفهها، وقد أصيب العالم العربي في كثير من أممه بعمى الألوان والقلوب والبصائر، فما استطاع في كثير من الحقب التاريخية الحديثة قراءة توجهات الشباب، أو ترجمة فعالياته إلى طاقة محركة، أو قوة دافعة نحو النهضة، أو تلبية الغايات والطموحات ولهذا أصيبت أمتنا بالعقم التكنولوجي والعلمي وبالجدب الفكري والحضاري، وهرمت وأصيبت بالوهن والخرف والسفه، حتى أنك قد تراها هنا وهناك، تقيم المآتم، وتدشن الجنائز لشبابها الناضر، وفتيانها الميامين، وتحفر القبور لعزائمها الفوارة، وتشحذ الأسلحة لبتر سواعدها القوية وأغصانها اليانعة، وكان حقيقاً بها أن تقيم لهم الأفراح، وتمنحهم الجوائز فرحا واعتزازًا بهذه الطاقات الصاعدة، والفعاليات الشابة، التي يريد العالم أن يطاردها حتى في بلادها حسدا وبغيا.

نعرف ويعرف كل باحث فاقه أن أي نهضة أو فكرة أو حضارة في أمة من الأمم لا تنجح أو تسود إلا إذا قوي الإيمان بها، وتوافر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها.

وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة الإيمان والإخلاص، والحماس، والعمل، من خصائص الشباب؛ لأن أساس الإيمان القلب الذكي، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي، وأساس الحماس الشعور القوي، وأساس العمل العزم الفتي، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب، ومن هنا كان الشباب قديماً وحديثاً في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها ، وفي كل فكرة حامل رايتها، وفي هذا تتضاعف حقوق الأمة على هذا الشباب وتثقل الأمانة على كواهله، وتكبر المسؤولية في أعناقه.

ومن هنا وجب على أولي الأمر في الأمة أن يفكروا طويلًا، وأن يعملوا كثيراً لتوجيه هذا الشباب وتربيته وتهيئته لهذا الدور المهم، وأن يتقدم كل مخلص في الأمة لإنقاذ هذا الشباب من كل ما يعطل مسيرته، أو يعوق مسؤوليته، وخصوصاً إذا ظهر هذا الشباب في فترات جهاد وعمل وكفاح، قد استولى على أمته غيرها واستبد بشؤونها خصمها، فهي تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد الحق المسلوب والتراث المغصوب، والحرية الضائعة والأمجاد الرفيعة، ولهذا كان من أوجب الواجبات على الشباب أن ينصرف إلى أمته أكثر مما ينصرف إلى نفسه، وأن يلتفت إلى همته أكثر مما ينصرف إلى شهوته.

وكان من أوجب الواجبات على الأمة إزاء هذا الشباب أن تسخر جهودها لتربيته، وعقولها لتنشئته، وكوادرها لريادته، وآذانها للسماع إليه، والفهم عنه.. وتاريخ الأمة الإسلامية على مر العصور رفع راية الكفاح فيه شبابها، وتحمل عبء الجهاد فيه فتيتها منذ بعثة الرسول ﷺ، حيث حالفه الشباب ورادوا الميادين معه كماة، وصالوا المواقع خلفه أبطالا لا يخافون في الله لومة لائم، أنباؤهم وأمثالهم معلومة، وقصصهم وأخبارهم مدونة ﴿ونَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهَا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾ (الكهف 31).

وظلت الأمة على مدار التاريخ تقرأ همة الشباب قراءة صحيحة، حتى جاء العصر الحديث، وأصيبت الأمة بالاحتلال الأجنبي غربي أو صهيوني، فقام الشباب قومته، وذهب إلى فلسطين مجاهداً، وأبلى بلاء حسنا، وكان قاب قوسين أو أدنى من النصر، فأجهض ونجح التآمر عليه، وجاء مكبلا من أرض المعركة ليودع السجون، وقام الشباب في الجزائر، وقدم أكثر من مليون شهيد، واستطاع إخراج المستعمر، فعرف المستعمر قوته وقدر عزمه، فضرب الشباب ومازال يضرب إلى اليوم، ويرفض التفاهم معه وقام الشباب في مصر يحارب الإنجليز في القناة في فترة عصيبة شاهدت عجز الأنظمة والأحزاب واستسلامهم، فروع المستعمر وأيأسه بحفنة من طلبة الجامعة لم تتجاوز أعمارهم ثمانية عشر عاما، حتى كان الشاب منهم يواجه الكتيبة وحده، وينسف القطارات بما فيها من ذخيرة وجند وعتاد، ثم يكر على الفارين من الموت فيرديهم ويبيدهم.

وحين قرأت بعض ما سطره أحدهم عن عملية نسف قطار إنجليزي، كاد قلبي أن يطير من روعة هذا الشاب حيث يقول: «صليتُ الظهر والعصر جمع تقديم، وودعني إخواني وداعاً حاراً، وتوجهت إلى موقعي بين الأحراش والأشواك والحشائش أنتظر الصيد الثمين بعد أن أعددت لكل شيء عدته، وكنت أعيش دقائق الموقف وأنا أعبر بمشاعري الطريق من الدنيا إلى الآخرة، من الحياة إلى الموت، فاستغفرت ربي كثيرا، واتجهت بكل قلبي ومشاعري إلى لقاء ربي، ثم مضت فترة، وجاء القطار فشعرت باطمئنان غمرني وسكينة شملتني، وذكرت لحظتها قول ربي: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رمی ﴾ (الأنفال: ۱۷)، ثم جاء القطار حتى كان في وسط الهدف فضغطت على السلك، وسمعت انفجارا مزق سكون الفضاء، وتطاير القطار بمن فيه وما فيه أشلاء، ثم أخذت سلاحي أجهز على من بقي يريد الفرار، ثم حمدت الله ورجعت قبل أن يتمكن أحد مني.

ويئس الإنجليز وقرروا بعد فترة من الجهاد الجلاء، وأبلغوا رئيس الوزراء ذلك، واشترطوا شرطاً واحداً، وهو الموافقة على مشروع الدفاع الإقليمي فرفض الشباب وطلبوا الجلاء بغير هذا الشرط، وقامت الثورة المصرية، وبعد فترة أودع هذا الشباب بعينه السجون، وحكم على صاحب القصة السابقة بالسجن المؤبد بدون ذنب أو جريرة، ترى لماذا ؟ لا أدري !

وأتساءل: هل قرأ «حزب الله» و«حماس» فعالية شبابهما قراءة صحيحة، وقد كان يراد لهما أن يصفي بعضهم بعضا بالوقائع والفتن؟ أقول: نعم، ولهذا نجحا رغم قلة فعالياتهما التي عوضها الشباب، وأرهب بها المستعمر، فهل تقرأ السلطة» و«فتح» وهما في أزمتهما هذه، فعاليات شبابهما قراءة صحيحة؟ وهل تقرأ الشعوب العربية فعاليات شبابها اليوم قراءة صحيحة، أم تظل تقرؤه القراءة الخاطئة، حتى تغرق وتنحدر إلى قرار سحيق، ولا يغني مولى عن مولى شيئًا ولا هم ينصرون؟

أيها الصارخ من بحر الهموم               ما عسى يغني غريق عن غريق

إن هذا السهم لي منه كلوم               كلنا نازح هم لا يفيق

 فهل نفيق؟ وهل تفيق الأمم ومن تبقى من الشعوب العربية إلى الطريق المستقيم بدل الدمار والهلاك؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :