العنوان القرار الفلسطيني.. التصحيح أم الإصرار على الخطأ؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 22-مارس-1992
مشاهدات 75
نشر في العدد 994
نشر في الصفحة 24
الأحد 22-مارس-1992
المجتمع
ــــــــــــــــــــــــــــ
إن قيادة منظمة التحرير تتحمل كل حجم الخسائر التي لحقت وستلحق بالقضية الفلسطينية.
بعد مضي ما يزيد على 5 أشهر على بدء مسيرة المفاوضات.. وبعد 4 جولات
من المفاوضات الثنائية المباشرة بين الوفود العربية والوفد الصهيوني ما تزال
الأمور تراوح مكانها، دون تحقيق أي تقدم يذكر. وقد عبرت تصريحات رؤساء الوفود
العربية عقب انتهاء الجولة الأخيرة من المفاوضات -والتي كانت أكثر الجولات فشلًا
كما وصفها المراقبون- عن مدى حالة الإحباط واليأس التي أصابت الوفود العربية
المشاركة في إمكانية تحقيق تقدم في المسيرة السياسية التي لم يتوقعوا أنها ستكون
بهذه الصعوبة.
وبدلًا من إعادة النظر ومراجعة الحسابات حول مدى صحة القرار العربي في
المشاركة في العملية التفاوضية، فإننا نجد أن الوفود العربية تستعد لحضور الجولة
الخامسة القادمة من المفاوضات، والتي يتوقع لها أن تنعقد خلال الشهرين القادمين في
واشنطن، مؤكدة بذلك إصرارها على متابعة المسار الذي يعلم أعضاء تلك الوفود قبل
غيرهم أنه لن يؤدي إلا إلى إضاعة الوقت وتكريس الاحتلال الصهيوني، مما يؤكد مجددًا
أن القرار العربي بالمشاركة في "العملية السلمية" ليس قرارًا ذاتيًا،
وإنما جاء استجابة ورضوخًا لمطالب الإدارة الأمريكية التي ما تزال ترى في الكيان
الصهيوني الحليف الاستراتيجي الأول في المنطقة والعالم.
مسلسل التراجعات الفلسطينية
لقد كان القرار الفلسطيني في قبول المشاركة في العملية السياسية وفق
الشروط الصهيونية-الأمريكية هو القرار الأخطر في مسيرة العمل الفلسطيني، والذي قد
يفرز نتائج سلبية مدمرة على حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية. ولا نعتقد أن
التبريرات التي لا تفتأ ترددها رموز القيادة التنفيذية في منظمة التحرير
الفلسطينية حول ظروف اتخاذها لقرار المشاركة ستفيد شيئًا في التقليل من حجم
الخسائر التي لحقت وستلحق بمصير القضية الفلسطينية، والتي لا شك أن قيادة المنظمة
تتحمل مسؤوليتها كاملة.
ومع مراعاة أن القيادة الفلسطينية كانت قد اتخذت قرارات تنازلية خطيرة
قبل دخول مسيرة التسوية السياسية -كان أبرزها الموافقة على قرارات 242 و338 وخطة
السلام الفلسطينية التي شكلت خرقًا واضحًا وصارخًا للميثاق الفلسطيني -فإننا نجد
أن السياسة الفلسطينية خلال الشهور الخمسة الماضية قد شهدت مزيدًا من التراجعات
الخطيرة والتي تشكل تجاوزًا للقرارات الهزيلة للمجلس الوطني الفلسطيني في دورته
التي انعقدت ما بين 23-28 أيلول من العام الماضي، والتي فتحت الباب أمام المشاركة
الفلسطينية التي استخدمت ذريعة ومبررًا للمشاركة العربية الرسمية في مسيرة التسوية
السياسية، ويمكن إجمال أهم هذه التراجعات في النقاط التالية:
1 - التراجع عن حق
منظمة التحرير في تشكيل الوفد الفلسطيني من داخل وخارج الوطن حيث اقتصرت عضوية
الوفد على الداخل فقط تلبية للشروط الصهيونية.
2 - تراجعت قيادة
منظمة التحرير عن شرط تمثيل القدس في الوفد المفاوض. والذي كانت تؤكد عليه
باستمرار على اعتبار أن أي تنازل في الشكل هو تنازل في المضمون!!
3 - تراجعت قيادة
منظمة التحرير عن شرط وقف الاستيطان في الأرض المحتلة كضرورة لا غنى عنها لبدء
عملية السلام حيث شارك الوفد الفلسطيني -وما يزال- في المفاوضات رغم عدم تحقيق هذا
الشرط، بل إن الكيان الصهيوني مستمر في تأكيد حقه في بناء المستوطنات، معتبرًا أن
الاستمرار في ذلك أهم عنده من العملية التفاوضية بكاملها.
4- تراجعت قيادة
منظمة التحرير عن شرط توفير الحصانة لأعضاء الوفد الفلسطيني، حيث أن الكيان
الصهيوني قد أقدم على اعتقال عضوين ومنع أربعة آخرين من السفر قبيل بدء الجولة
الأخيرة من المفاوضات، ورغم ذلك فقد اتخذت قيادة المنظمة القرار بالمشاركة في تلك
الجولة ضاربة عرض الحائط بقرار الوفد الفلسطيني على لسان الناطقة الرسمية بتعليق
المشاركة الفلسطينية احتجاجًا على التصرفات الصهيونية.
5 - رغم أن قيادة
المنظمة كانت قد ذكرت أن ورقة الضمانات الأميركية قد نصت على حق قيادة المنظمة في
المشاركة بشكل مباشر في المؤتمر متعدد الأطراف، إلا أنها ورغم منعها من المشاركة
في أعمال المؤتمر قد وافقت على المشاركة في اللجان الفرعية المنبثقة عن المؤتمر.
إن التراجعات السابقة والتي تأتي ضمن مسلسل التنازلات الفلسطينية،
تعطي انطباعًا عن الاستعداد الفلسطيني لتقديم المزيد من التنازلات مع ازدياد
التعنت الصهيوني والضغط الأمريكي، الأمر الذي أثار قلق كثير من الأوساط الفلسطينية
التي أيدت القرار الفلسطيني بالمشاركة في بداية الأمر، فقد وجهت 169 شخصية
فلسطينية في 22/2/1992 مذكرة انتقاد إلى قيادة المنظمة، عبروا فيها عن قلقهم وقلق
قطاعات واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات -كما جاء في المذكرة-
إزاء مجرى العملية السياسية.
وأشارت المذكرة إلى أن الشروط والأسس التي فرضتها إسرائيل والولايات
المتحدة على عملية السلام تهدف إلى دفع هذه العملية نحو تصفية القضية والحقوق
الوطنية للشعب الفلسطيني، وذلك على أساس الحكم الإداري الذاتي لسكان الضفة
الفلسطينية وقطاع غزة.
وتوفير الشروط لإدامة الاحتلال وتوطين اللاجئين من أبناء شعبنا خارج
وطنهم وتوطيد العلاقات العربية الإسرائيلية ومحاولة شطب منظمة التحرير الفلسطينية
«كممثل شرعي ووحيد لشعبنا الفلسطيني» وتمزيق وحدته، وتجزئه قضيته الوطنية.
وأضافت المذكرة أن مواصلة هذه العملية وفق الشروط الأمريكية
-الإسرائيلية يلحق الضرر بمنجزاتنا الوطنية والسياسية، ودعا الموقعون على المذكرة
إلى رفض الشروط الأمريكية -الإسرائيلية، وإلى اشتراط وقف الاستيطان للاستمرار في
العملية التفاوضية.
وتأتي أهمية هذه المذكرة من أن 115 من الشخصيات الموقعة عليها هم من
أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني -من بينهم ثلاثة أعضاء في اللجنة المركزية لحركة
فتح- الذي أقر أصلًا قرارًا بالمشاركة في المفاوضات ورغم مرور قرابة شهر على رفع
تلك المذكرة إلى ياسر عرفات إلا أن السياسة الفلسطينية ما تزال تؤكد إصرارها على
المضي في نفق التسوية المظلم، مما يؤكد أن القرارات داخل هيئات وأجهزة المنظمة
تتخذ من قبل مجموعة قليلة متنفذة، وهي لا تعبر عن آمال وطموحات الشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من أن الصحوة قد جاءت متأخرة للشخصيات الموقعة على المذكرة
والتي طالما دافعت بكل قوتها عن قرار المشاركة في المفاوضات، وشككت في إخلاص
ومصداقية القوى الرافضة والمعارضة لقرار المشاركة، إلا أنها تعطي مؤشرًا على حالة
الإحباط والتخبط التي تسيطر على التيار المؤيد للتسوية، فهل تشهد الساحة
الفلسطينية في الأيام القادمة تراجعًا عن الموقف الخاطئ لقيادة المنظمة؟ أم أنها
ستصر على سياسة المكابرة والعناد؟!