العنوان القسم الأخير من كلمة رئيس الجماعة الإسلامية بالهند في مؤتمرها الموسع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1974
مشاهدات 94
نشر في العدد 229
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 10-ديسمبر-1974
القسم الأخير من كلمة رئيس الجماعة الإسلامية بالهند في مؤتمرها الموسع
ليست الأمة الإسلامية اسما لجيل أو وطن أو قوم، إن كيانها بالإسلام، ومن أهداف كيانها أن تمثل الإسلام بحديثها وعملها وتقدم نموذجًا حيًا لدعوة الإسلام وتنفذ كل ما يحب الله في الدنيا ويرضاه تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143).
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ (آل عمران: 110).
فمن رسالة هذه الأمة أن تمثل هذا الدين الحق، بمثاليتها الاجتماعية أمام النوع البشري كله، ليس هذا المجال مجال دراسة مسهبة لتاريخ هذه الأمة منذ ألف وأربعمائة سنة ولكن يجب أن أشير إلى هذا الواقع أن أمتنا الإسلامية قد تغافلت عن رسالتها منذ أمد طويل، وكان العالم الإسلامي تحت سيطرة الاستعمار سياسيًا إلى مدة ليست قصيرة، ثم تحرى فرأى سحب الحضارة الغربية كثيفة على سمائه والذي يبشر بالخير أن الأمة الإسلامية منذ مدة تشعر بشخصيتها الإسلامية ومثاليتها الفعالة وبدأوا يشعرون بمسؤوليتهم نحو تبليغ رسالة الله إلى الجنس البشري كله.
وقد عمل جديًا بعض المفكرين والمجددين ليعيدوا المسلمين إلى الإسلام الصحيح ويوثقوا روابطهم بالكتاب والسنة وقد تقدمت حركات إسلامية بهذه الدعوة وحملت أعبائها على كواهلها منذ نصف قرن مضى، إنهم نشروا بين المسلمين الفكرة الصحيحة للإسلام وحددوا التعاليم الشائبة الشائكة المنافية التي التصقت بالتعاليم الإسلامية وتقاليد المسلمين وأفكارهم وذكروا رسالة هذه الأمة أنها أخرجت لتنشر الخير والفلاح في الدنيا كلها وتزيل المنكر وتنفذ في العالم نظام الإسلام إن هذه الحركات قوومت في داخلها وأصيبت بخسائر فادحة ولم تعرفها الأجانب حق المعرفة ولكن هذه الحركات بقيت جادة برسالتها، وقد اختار الرأي العالمي العام والبلاد المسلمة فكرة وطرقًا مقتصدة نحو هذه الحركات ومن أهم أسباب ذلك هو تلقي هذه الحركات من قبل عامة المسلمين وخاصتهم.
ومن فضل هذه الجهود المثمرة أنها بدأت تنشىء اتجاهات بين مسلمي العالم كله لمعرفة النظام الإسلامي للحياة وتطبيق تعاليم الإسلام في الحياة العملية وتيقظت حوافز للإصلاح الداخلي في البلدان المسلمة على الأسس الإسلامية والوحدة الإسلامية وأواصر التعاون والود والإخاء فيما بينها، وقد عقدت مؤتمرات كبيرة في عدة بلاد لفهم فكرة الإسلام ونشرها وتعريفها وتؤسس مكاتب وجمعيات في البلاد المختلفة لنشر الأفكار الإسلامية والقيم الدينية، إن هذه الجهود إذا تحققت على أسس إسلامية صحيحة لتطبيق الأهداف الإسلامية السامية لتنتفع الإنسانية كلها وتجنى ثمارها اليانعة، سواء كانت رابطة العالم الإسلامي أو كانت الأمانة العامة الإسلامية فإنها ستثمر للإنسانية العامة فوائد جمة إذا تقدمت لنشر الفكرة الإسلامية والخلقية في نشاطات البلاد المسلمة الداخلية والخارجية، وإن قررت البلاد الإسلامية أن ترفض بتاتًا النظرات الرأسمالية الغربية والأسس الاشتراكية المستبدة لإنهاض اقتصادها وتطويره وتعمل جديًا تحت ظلال الإسلام وتوجيهاته الرشيدة بهذا الصدد فستكون جهوده الجدية هذه مفيدة ومثمرة للدنيا كلها عامة ولآسيا وأفريقيا ولبلدانها المجاورة خاصة، وإنشاء بنك إسلامي غير ربوي والجهود التعاونية المشتركة فيما بين البلاد المسلمة تكفل توفير الوسائل المادية والنهضة الاقتصادية القوية المحكمة، وذلك ما أرجوه وأتوقع، ورجاؤنا الحار أن تكون هذه المؤسسة والمكاتب والمصالح المذكورة أعلاه نشيطة في تأدية رسالة الأمة الإسلامية العالمية- من مصلحة هذه الرسالة أن تقدم البلاد الإسلامية يد التعاون والمساعدة نحو الأمم المجاورة الضعيفة الساكنة في آسيا وأفريقيا، إذا صارت البلاد الإسلامية على هذه الخطة فتمثل تعاليم الإسلام عمليًا في تأدية حق الجوار من ناحية ويمهد طرق السعي والجد والتعاون المشترك فيما بينها وتجنبها من أن تتسكع هذه البلاد أمام كتلتين كبيرتين في العالم وتعيش بحرية وسلام من ناحية أخرى وبذلك تستطيع هذه البلاد الإسلامية الساكنة بين طنجة وجاكرتا وبين هذه البلاد وحولها البلدان الناهضة ستتحد كلها وتتعاون في تحررها من القوى الأجنبية والاعتماد عليها في الاقتصاد وصهرها في بوتقة حضارتها وثقافتها.
ولا بد من الوحدة والتعاون بين الأمم الضعيفة المستوطنة في آسيا وأفريقيا لمقاومة القوى الاستعمارية الجديدة والقديمة واستغلالها وإضعاف تأثير الرأسمالية الغربية والاشتراكية الملحدة في هذه الأمم. إن الوحدة بين البلاد الإسلامية لهذه الأهداف المشتركة ستصبح خطوة صحيحة سليمة للتعاون والتضامن في نطاق واسع، إن الأمر الذي يهدد السلام العالمي اليوم في آسيا وفي أفريقيا خاصة هو إسرائيل التي أسستها الصهيونية بمؤازرة القوى الاستعمارية في العالم وإن التقدم الذي يشاهد لتصفية هذه القضية هو من فضل الخطوة الإسلامية المتحدة وتضامن البلاد الآسيوية والأفريقية للاتحاد الإسلامي والجدير بالذكر أن مؤتمر الرباط الذي اشتركت فيه البلاد العربية قد أصدر قرارًا للاعتراف بمنظمة التحرير الوطني الفلسطينية كمندوب وحيد للشعب الفلسطيني واعترف له هذا القرار أن بعد تحرير أراضي فلسطين ستستطيع هذه المنظمة أن تؤسس حكومة مستقلة فيها وإن الأمر يبشر بطمأنينة وسرور عامة ويرجى أن يضغط على إسرائيل أن تجلى عن تلك المناطق التي سيطرت عليها ظلمًا ووقاحة إن شاء الله- وتقع في هذه المناطق القبلة الأولى «بيت المقدس» لجميع مسلمي العالم، ونحن نبتهل إلى الله عز وجل لاستعادتها ونحن على استعداد تام لأن نقدم كل مساعدة مادية وخلقية لها.
ويشرفنا بين أيدينا في هذه الساعة ضيوف العالم الإسلامي المكرمون الذين قدموا للحضور في هذا المؤتمر من البلاد العربية والشرق الأقصى، وأنتم تعلمون جيدًا أن مسلمي الهند قد أيدوا قضية فلسطين واستعادة القبلة الأولى من بداية القضية إلى الآن ومن دواعي سرورنا أن البلاد كلها في هذه القضية معنا ومعكم.
ويسرنا كثيرًا أن إندونيسيا وماليزيا في الشرق الأقصى تربط علاقاتها الاقتصادية والثقافية بالبلاد الإسلامية في غرب آسيا وأفريقيا على أسس إسلامية خالصة، وإن استطاعت البلاد الإسلامية الانتفاع والتعاون المشترك القوي المحكم بوسائلها الطبعية وتكفلت واعتمدت على القوى الكبرى قليلًا فيمكن لها أن تخطط بحرية تامة سياستها الداخلية والخارجية وعبأت نفسها لرسالة الإنسانية العالمية كأمة مسلمة، لا تستطيع الأمة المسلمة أن تمثل الإسلام في العالم بخطبها ومحاضراتها وكتبها ومؤتمراتها فحسب بل إن أعمالها و خطواتها التي ستختار لنفسها هي التي تعتبر تمثيلًا وشهادة لها، إن سدس سكان العالم يتألف من المسلمين وإن نصف عددهم تقريبًا يسكن في البلاد التي أغلبية سكانها من المسلمين وهم يستطيعون أن يخططوا نظم ثقافتهم وتربيتهم وسياستهم واقتصادهم حسب تعاليم الإسلام ويستطيعون أن يجعلوا مجتمعهم نموذجًا حيًا للمساواة الإسلامية والعدالة الاجتماعية ويجعلوا القيم الإسلامية والرحمة والمواساة نصب أعينهم في التعامل مع الأمم الأخرى في السياسة والاقتصاد والروابط العامة.
نحن نتمنى أن يشعر كل بلد إسلامی مسؤوليته نحو تعميره من النظام الاجتماعي والقانوني والإداري والعدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي والنظام الاقتصادي طبقًا لنظام الإسلام، نحن على ثقة تامة أن تطبيق النظام الإسلامي في البلدان المسلمة والروابط فيما بينها على مبادئ إسلامية ستعود بخير وفلاح ورفاهية للعالم كله وللبلدان المجاورة خاصة.
وإن أكثر من نصف عدد المسلمين في العالم يسكنون في بلاد أغلبيتها الساحقة تعتنق الديانات الأخرى، ومن أعظم هذه البلاد بلادنا نحن، التي يشكل مسلموها بعددهم سبعين أو ثمانين مليونًا ثلث عدد المسلمين في العالم ونحن نعتقد أن مسؤولية هؤلاء المسلمين الإسلامية لیست أقل من مسلمي البلاد الإسلامية المستقلة بل إنها أدق وأحزم نتيجة من بعض النواحي إن الروابط المباشرة لسكان العالم عامة بهؤلاء المسلمين الذين يسكنون في بلاد كالهند فيها يشكلون المسلمون أقلية وغيرهم أكثرية. إن نظرات هؤلاء المسلمين وأعمالهم ستكون أكثر عونًا لأخذ الرأي عن الإسلام للناس عامة وإن لهؤلاء المسلمين فرص كثيرة لتبليغ التعاليم الإسلامية الرفيعة إلى إخوانهم الوطنيين. إنهم يستطيعون بأعمالهم الشخصية والاجتماعية المتشبعة بالهداية الإلهية والأسس الإسلامية القويمة أن يساهموا في بناء البلاد وإصلاح مجتمعه مساهمة تامة فعالة ويؤدوا واجبهم الإسلامي من ناحية و يبرهنوا لسكان البلاد أن تلك الأسس التي تتجلى في أعمالهم وأقوالهم هي حق وكفيلة للفوز والنجاح والفلاح، وإن اطمأن جيراننا بأعمالنا المثالية وخدماتنا ومواقفنا في الحياة الوطنية بأن المبادئ الإسلامية نافعة ومعاونة لبناء البلاد السليم ومفيدة للناس جميعًا، فإنهم بدون شك ينظرون إلى دعوة الإسلام نظرة التقدير والاحترام، ويتحول موقفهم نحو تلك المؤسسات التي تعمل للإسلام في العالم واقعيًا ومن الجدير بالذكر أن مسلمي الهند في الماضي قد ساهموا في نشر الأفكار والمبادئ الإسلامية مساهمة بارزة فعالة، وبذلك يرجى منهم في أيامنا هذه أن يلعبوا دورًا فعالًا عظيمًا بهذا الصدد.
إن الجماعة الإسلامية في الهند التي ينحصر نطاق عملها في أكبر جمهورية في العالم «الهند» التي يسكن فيها أكبر أقلية مسلمة في العالم تقدر أن تمثيل الإسلام الصحيح عملًا وحديثًا من قبل الأمة الإسلامية في هذه البلاد يثبت خطوة مباركة عظيمة للإسلام والإنسانية في المستقبل، لذلك تنفق كل طاقاتها لتقدم معرفة الإسلام الصحيحة إلى سكان البلاد من ناحية وتوحد المسلمين جميعًا وتحثهم ليقوموا بنشر دعوة الإسلام ومبادئه وقيمه فعلًا وإيجابيًا من ناحية أخرى، وقد أعدت الجماعة الإسلامية في الهند لهذه الغاية خاصة الكتب والمنشورات الإسلامية في عدة لغات هندية لتوزع بنطاق واسع بين أهالي البلاد.
ونظمت مراكز الإصلاح والتعليم والتربية للمسلمين ولجيلهم الجديد، خاصة نشرت الكتب الدراسية واهتمت بتربية الأساتذة للتدريس وأعدت خطة شاملة لإصلاح الأحياء والقرى المسلمة واجتهدت لإصلاح الحياة الاجتماعية للمسلمين عامة وأيقظت عواطف الأخوة الإسلامية بين المسلمين بحيث استطاعوا أن يفهموا قضايا الإسلام والمسلمين في العالم من ناحية ولفتت أنظارهم إلى توثيق عرى الصداقة والعلاقة المتينة مع الأخوة الوطنيين من ناحية أخرى. وأشعرتهم بأن من واجبهم أن يعاملوا جيرانهم بالمواساة والرحمة والرفق والرأفة.
كان من هدف مساعي الجماعة الإسلامية هذه هي أن تبرز الأمة الإسلامية في الهند كداعية للإسلام وممثلة له، إن هذا العمل بحاجة إلى مساعدة مشتركة من الأمة بأسرها وبذلك تقدر أهمية الوحدة، كانت الجماعة تسعى دائمًا أن تزداد الروابط والأواصر الوثيقة بين جمعيات المسلمين وفرقهم من أي مذهب وطريقة كانت واجتهدت أن تخطو خطوات كبيرة للوحدة الدينية في العمل للقضايا... التعليم وقانون الأحوال الشخصية ومثل هذه القضايا الأخرى، بل إنها قدمت يد العون والمؤازرة مع كل جماعة ومع كل عالم وزعيم ينتمي إلى مدرسة من مدارس الفكر في كل قضية وأمر. وقد دعونا في هذا المؤتمر أيضًا الزعماء والعلماء المنتمين إلى المذاهب والطرق المختلفة المتنوعة ليفيدونا بآرائهم عن القضايا الهامة.
إن مسؤولية الجماعة الإسلامية في الهند الاجتماعية لا ترتبط بالرجال فحسب بل إن النساء المسلمات مسؤولات عن الدعوة والعمل الإسلامي على السواء، وإن هذا العمل يكلل بالنجاح إذا تعاون الرجال والنساء في هذا الميدان على السواء.
ولكن من المؤسف جدًا أن النساء المسلمات لم يستطعن لأسباب مختلفة أن يشاركن في الحركة الإسلامية كما يجب، وقد حاولت الجماعة الإسلامية من بدايتها أن تبث في المسلمات روح العلوم الإسلامية والتحمس لعمل الدعوة الإسلامية وللاشتراك في هذه الحركة، وأن عددًا لا بأس به من المؤمنات اشتركن في الجماعة كأعضاء «ومتفقات»، وإن عددًا كبيرًا منهن اشتركن في عمل الجماعة بدراسة الكتب والنشرات والحضور في الحفلات ونرجو من قدوم عدد كبير من النساء في هذا المؤتمر إنهن سيساهمن بأعمال الجماعة في المستقبل وسيقمن بذلك بدور فعال بتقديم نموذج عملي حي لتعاليم الإسلام في بناء المجتمع وتقتضي ظروف البلاد والأمة أن تساهم النساء اللواتي يشكلن نصف سكاننا في أعمال الحركة الإسلامية وينفقن مواهبهن بطريقة حيوية أكثر.
ومن الطبيعي أن يقلق بالنا نحن كهنود التخلف والأزمة والاضطراب السياسي والفوضى العامة في بلادنا. وإن من واجبنا الإسلامي ومن صلاحنا وفلاحنا أن يتغير الوضع وتسود البلاد النهضة الاقتصادية والقوة السياسية والعدالة الاجتماعية والطهارة الخلقية والطمأنينة الروحية وإن أهمية الهند في العالم وكثرة عدد سكانها ومكانتها الجغرافية الحساسة بين آسيا وأفريقيا كأكبر جمهورية في العالم كل ذلك يطالبنا أن النظام العالمي الصالح الجديد الذي ندعو إليه يجب أن يكون مركزه الأولي في وطننا الحبيب، والذين يعرفون برامجنا وخطتنا يدركون جيدًا أن قررنا أن نصرف قوتنا ومجهوداتنا كلها لإنقاذ البلاد من الفقر والجوع والمرض والجهل وقررنا أن نعم في البلاد القيم الصالحة للحياة والأسس الخلقية القويمة لإنهاض البلاد وتقدمها ورفاهيتها في كل ميدان من ميادينها.
وإن الظروف الحالية في البلاد تقتضي الإسراع والجد في مثل هذه المحاولات ولكننا بغاية الحزن والألم والأسف نشاهد أن الفوضى السياسية تزداد يومًا فيومًا بسبب تقصير رجال الحكم وفساد المؤسسات الاقتصادية ونظمها التي لا يمكن أن يغض النظر عنها، وقد أحاطت بذلك عامة الناس الأزمات والويلات، ونظرًا لهذه الظروف تنشأ حركات قد تكون أهدافها مرضية ولكن طرقها وخطتها تبعث الارتياب والخطر، يبدو أن بعض الناس يريدون أن يجربوا هذه الطرق عفوًا بدون أن يفكروا في عواقبها، إن دعوة الطلاب والشباب ليهجروا مدارسهم وجامعاتهم ليعرقلوا سير الحكم والسلطة التنفيذية، يمكن أن ينال بها بعض الأهداف السياسية مؤقتًا ولكن إذا استمرت مثل هذه الحركات الشعبية لمدة طويلة ربما يتحول الأمر إلى نوع من الفوضى وذلك ينذر بخطر الاستبداد والعناصر الهدامة. وإن النزاع الذي حدث من نتيجة هذه الحركة بين زعماء السلطة التنفيذية وزعماء المعارضة الكبار لا يبشر بالخير، وتقتضي الظروف بأن تشترك وتتعاون قوانا على إصلاح النظام وإزالة مشاكل الشعب وأزماتهم بدلًا من أن تتنازع وتتناحر وتتشاجر فيما بينها.
نرجو أن تقدر الأمة الإسلامية الهندية واجباتها في هذه الظروف الدقيقة وتنقذ البلاد بقوة وجدارة من الأخطار المحدقة بها، نحن نرى أن يعتنى بإصلاح القرى والأحياء والضعفاء من السكان والأفراد وأسس المجتمع اللازمة الضرورية، فكما ذكرنا أن أهم شيء في الأمر هو شعور المسؤولية وتصور الوحدة الإنسانية على أساس التوحيد الإلهي والرسالة الإلهية وتعاليمها ونستطيع أن نخرج بنتائج مثمرة لإصلاح النظام السياسي وإزالة الخيانة والمساوئ الاجتماعية إذا كان الأساس هو الإصلاح الأساسي الذي ذكرناه.
إن الشباب والطلبة منبع القوة والطاقة لكل قوم ورجاء المستقبل، إن لهؤلاء الطلبة والشباب دورًا فعالًا في كل قضية من قضايانا سواء كان إنقاذ الهند من هذه الأزمة أو قضية بنائها ونهضتها سواء كان إصلاح الأمة الإسلامية الهندية وتربيتها أو كان إعداد هذه الأمة كداعية لهذه الإنسانية. إننا لا نشجع طلابنا الأعزاء أن يخرجوا من معاهدهـم ومؤسساتهم التعليمية ليشتركوا في الإضراب والاعتصام في الشوارع ولكننا نذكرهـم بمسؤولياتهم، ومن مطالب هذه المسؤولية أن ينهلوا بجد واجتهاد من مناهل الثقافة والدراسة، ومن أهم العلوم هو تعلم رسالة الله- تعالى- وهدايته الربانية، ومن مسؤولياتهم أن يعيشوا كمنارة النور لما حولهم ولجيرانهم التي تبعث بأشعة الأخلاق الطاهرة والنفحات القدسية وأسس الحياة الصالحة للعالم بأسره.
إن برامج الخدمة الاجتماعية للجماعة التي أعدت للمساكن الشعبية والأحياء المختلطة هي مجال واسع لطلبتنا الأعزاء وشبابنا الأحباء. إنني أرجو أن حلقة الطلبة التي ستعقد في هذا المؤتمر ستفكر كيف يستطيع لطلبة أن يقدموا نموذجًا صالحًا للبلاد في مجهوداتهم وفي خدماتهم الاجتماعية في عصر الأزمة هذا.
يؤسفنا كثيرًا أن مسلمي الهند يصادفون في كثير من الأحيان بقضايا تصرفهم عن جهودهم الفعالة لبناء البلاد وتشغلهم في أمور قومية خاصة. ونحن نرى أن قضايا المسلمين التي تقلق بالهم تحل بسهولة ويسر إذا اعتنى بها رجال السلطة ومفكروا البلاد برحابة صدر وهمة وجرأة وحكمة وبصيرة إن عدم إنهاء الاضطرابات الطائفية تحد كبير لحكمة رجال السلطة ونظمهم، وكذلك قضايا قانون الأحوال الشخصية والجامعة الإسلامية بعليكره تقتضي التفكير والحكمة بحيث تعود بثمار عذبة حلوة اطمأن المسلمون في هذا الأمر ولم تتجدد آلامهم بسوء تدبير رجال الحكم.
نحن صارحنا المسلمين دائمًا ونقول لهم مرة ثانية أن يشاركوا الرأي العام للبلاد في مجهوداتهم لقضاياهم القومية الخاصة. إن كثيرًا من قضاياهم تجابهها الطبقات الأخرى أيضًا وتحل بمجهوداتهم الجماعية، إن تخلف المسلمين في التعليم وضعفهم في الاقتصاد له أسباب تاريخية خاصة تطالب بأن يعتنى للتقدم والنهوض في البلاد، وإن اهتم بهذه القضية الخطيرة في البلاد لاستطاع المسلمون أن يساهموا في بناء البلاد مساهمة فعالة مع السكان الآخرين جنبًا إلى جنب، ولكن طبيعة نظام المسلمين أن لا ينحصر اهتمامهم بقضاياهم فحسب بل إن عليهم لجيرانهم حقًا وإن حقوق الجيران العامة تطالب ظروف البلاد أن تساهم الأمة الإسلامية الهندية مرتبطة ومتساندة مع الشعب الهندي العام في تقديم حلول لهذه القضايا المهمة الخطيرة، ولا يمكن أن تنشر أسس الحياة الرفيعة وتعم مبادئ الحياة الصالحة بدون أن تحل هذه القضايا. نظرًا لهذا الواقع لفتت الجماعة الإسلامية في الهند في برامجها أنظار المسلمين إلى أن يوثقوا صلاتهم مع إخوانهم الوطنيين ويعملوا في مساكنهم عمل البناء والتعمير جنبًا إلى جنب. أحمد الله- تعالى- على أن عددًا لا بأس به من إخواننا الوطنيين قد اشتركوا معنا فعلًا في الأعمال الخيرية وقبلوا رسميًا أنهم يتعاونون معنا، إنني أرحب بهؤلاء الأخوة المواطنين الذين يشتركون «كمعاونين» في هذا المؤتمر خاصة. وقد اشترك الأصدقاء المواطنون في مؤتمراتنا قبل هذا المؤتمر أيضًا بعدد غير قليل واشتركوا في برامجنا أيضًا، واليوم يشترك معنا في هذا المؤتمر عدد كبير منهم.
وأرجو أنهم سيفكرون في حلقة خاصة للمعاونين كيف نتقدم في الأعمال الخيرية ونظم الخدمات الاجتماعية أكثر فأكثر.
إن آلافًا من الناس من كل ناحية من نواحي البلد أعضاء الجماعة الإسلامية ومتفقين من الرجال والنساء قدموا ليحضروا في المؤتمر هناك عدد كبير من الناس الذين لا ينتمون إلى الجماعة رسميًا جاءوا ليشاهدوا الجماعة عن كثب ويفهموا دعوتها وخطتها وبرامجها وكذلك يشترك في المؤتمر المفكرون الإسلاميون والزعماء من خارج الهند، وعدد كبير من غير المسلمين حضروا كمعاون أو مشاهد نحن نشهد بأن العمل الذي قمنا به هو حاجة كل نفس، وإننا نقدر أن الأهداف التي ذكرناها يعمل لها بعض الجماعات والطوائف الأخرى. ونحن مددنا دائمًا يد العون والمؤازرة إليها نحن مستعدون بدون أي فرق مذهبي وعنصري أن نتعاون مع كل جماعة وفرد يعمل لنشر الخير والمعروف ونهي الفساد والمنكر. وبذلك ندعو رجال كل دين وفرقة للمعاونة في الأعمال البناءة وقد شاركناهم في برامجنا لصلاح الإنسان وفلاحهم في ضوء تعاليم دين الله المبين. إن حضور رجال الديانات والفرق المختلفة في هذا المؤتمر يبعث الطمأنينة والتشجيع على أن ثقة خلق الله تزداد بخدام الدين الإسلامي الضعفاء ولله الحمد. وتنكشف غيوم سوء الظن الخاطئ التي كانت متراكمة بيننا وبين أهالي بلادنا منذ أمد طويل.
إنني بهذه المناسبة أوجه كلمة إلى عاملي الجماعة الإسلامية في الهند خاصة بأن يكبوا على عملهم معتمدين على الله بنور من النية الصالحة وخدمات مخلصة ولكن بحيث أن سيرتهم الشخصية وحياتهم العائلية وبيعهم وشراءهم ومعاملاتهم اليومية ونشاطاتهم الاجتماعية تمثل التعاليم الإسلامية الصحيحة فعلًا، وإنني على يقين أن الدعاية الكاذبة والإشاعة المغرضة لا تعرقل سيرهم بالإخلاص والنزاهة والخدمة، وستتقدم مجهوداتنا إلى الأمام للدعوة الإسلامية وإقامة الدين محتوية على الهداية الربانية المباركة. وستعود خيرًا ويمنًا وسعادة للأمة والبلاد والبشرية جمعاء. إنني أبتهل إلى الله- عز وجل- أن يوفقنا لمعرفة واجبنا والقيام لتأديته بدون غفلة وتقصير، وأبتهل إلى الله- عز وجل- أن يفتح قلوب الناس لدعوة الإسلام ويصفح عن زلاتنا ومعاصينا وينصرنا ويوفقنا لخير وسداد، آمين والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمد الأمين وعلى أله وصحبه أجمعين.
دعوتنا
دعوتنا للبشر كافة والمسلمين خاصة أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئًا ولا يتخذوا إلهًا ولا ربًا غيره.
ودعوتنا لكل من أظهروا الرضا بالإسلام دينًا أن يخلصوا دينهم لله، ويزكوا أنفسهم من شوائب النفاق وأعمالهم من التناقض.
ودعوتنا لجميع أهل الأرض أن يحدثوا إصلاحًا عامًا في أصول الحكم الحاضر الذي استبد به الطواغيت والفجرة الذين ملأوا الأرض فسادًا وأن ينتزعوا هذه الأمانة الفكرية والعملية من أيديهم حتى يأخذها رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ويدينون دين الحق ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل