; المجتمع الثقافي .. القصة الشعرية في ديوان «أشواق وأحلام» للشاعر: خالد البيطار | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي .. القصة الشعرية في ديوان «أشواق وأحلام» للشاعر: خالد البيطار

الكاتب أحمد الخاني

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995

مشاهدات 62

نشر في العدد 1144

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 04-أبريل-1995

 

القصة في الأدب: أسلوب ممتع شيقٌ جذاب، وإذا كان هذا في النثر فكيف به في الشعر؟ بما في هذا الفن من خيالٍ وتشبيه وموسيقا. هذا ما وجدته في ديوان «أشواق وأحلام»، وجدت فيه شاعرية مرفرفة، وروحًا متوقدة تطلعًا إلى مَواطِن الصِّبا وأحلام الطفولة.

وعنوان الديوان هو عنوان أول قصيدة فيه وهذا النهج سائغ، وهو حظ مشاع بين شعراء العربية، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا أكثر من أن يحصيها العد؛ كديوان «أشواق الغرباء» للدكتور محمد وليد.

في «أشواق الغرباء» نجد القصة الشعرية لم تبدأ من مطلعها، وإنما بدأت من البيت السابع:

نأيت، وقلبي لا يصدق إننى ... نايت، ولا يدرى إلى أين يذهب

ويقص علينا شاعرنا رحلة المعاناة والشوق والحنين في غربته، فالقصة تخبرنا أن الشاعر سار دربه الطويل مبتعدًا عن وطنه، فلم يصدق بادئ ذي بدء أنه اغترب إلى أن ذاق مرارة الغربة واكتوى بنارها، فأذعن حينذاك للأمر الواقع.

وتحت ظروف قاهرة من الغربة والضغط النفسي والشوق والحنين في الغربة يرى شاعرنا بلده في الأحلام، وهذا التعويض هو المعادل الموضوعي لإعادة التوازن العاطفي في إحساس الشاعر، وفي الأحلام يرى شاعرنا ما كان يتمنى أن يراه في اليقظة، فهو يروي لنا في قصته حلمه الجميل، وأنه طاف في مدينته حمص على ملاعب صباه، وزار إخوته وداره وجيرانه وشيخه الذي كان له بمنزلة الأب، ثم يفيق من أحلامه وفى نفسه حسرة:

أيا جرح قلبي أنت في الصحو مؤلم .. قدع لي أحلام المني تتسرب

نحن هنا إزاء قصة شعرية جعلها شاعرها داخل إطار، إن صح التعبير فهو يقدم إليها ببضعة أبيات، ثم يوظف هذه القصة في شعره بعد الفراغ منها واكتمالها ببضعة أبيات أخرى يختم بها القصيدة.

ولنحاول أن نتعرف عناصر القصة في هذه القصيدة وأول هذه العناصر هو «الموضوع»، وهو هنا البعد عن الوطن وحنين الشاعر إليه، وقد تجلى في القصة قويًّا أسرًا، أخذ على الشاعر أقطار نفسه، فعبر عنه بلهفة المحب المشوق المحروم.

والعنصر الثاني من عناصر القصة هو«الشخصيات»:

وشاعرنا هو بطل القصة الوحيد، يروي أحداثها بنفسه عن نفسه.

وقد رسم لنا البطل ملامحه النفسية ونقل إلينا ما يعتلج في صدره، وأظهر أدق الأحاسيس بريشة فنان مبدع غمسها بدم قلبه وشعوره ووجدانه.

أما الحوار، فمن التمسه في القصة لا يجده، ولما كان بطل القصة وحيدًا فربما كان عذره أنه لا يجد من يحاوره، وهذه نقطة يحسن بالشاعر أن يتغلب عليها بأن يقيم «مُنولوجا» مع نفسه بين تردد وحزم، وإقدام وإحجام، أو أن نفسه تقول له ما لا ينبغي من نسيان الوطن والعيش في الغربة، فيه صفة الذوبان ونسيان الماضي، والشاعر يؤنب نفسه مثلًا على هذه الخواطر القاتلة والمنطق الذي ينسف في الإنسان كل أصالة.

 و«الحركة القصصية»، جاءت وليدة السرد المباشر والأسلوب الذي تغلب عليه التقريرية.

 أما «الصراع»، فلا صراع بالمعنى الحرفي أو الشكلي وإن كانت القصيدة كلها صراعًا مع الواقع ورفضًا له، على نحو ما جاء في قوله: 

سأمضي على دربي وإن طال، والتوت ... حبالي فلا الهو ولا أتنكب

لكن هذا البيت جاء قبل الختام ببيت واحد، جاء خارج أسوار الأسلوب القصصي في القصيدة.

وتأتي «الحبكة القصصية» جيدة متماسكة مترابطة مع سير الأحداث، يأخذ بعضها برقاب بعض. 

والقصة بلا «عقدة»، وبلا حل، أو أن العقدة ملحوظة في الحدث وهو البعد عن الوطن، ولم تسرِ في خط بياني صاعد إلى نقطة لا يستطيع القارئ أن يتنبأ بحلها، وقد جاء الاستيقاظ من النوم هو الحل، ويستطيع القارئ أن يقول: إن الحل غائب فنيًا.

 وآخر عناصر القصة «الهدف» وهو في هذه القصة واضح يفهمه القارئ بسهولة ويسر، وهو اطلاع القارئ العربي المسلم على ما يجرى في الساحة من تجاوزات مرهقة للأحرار الشرفاء ومصادرة حرياتهم الشخصية لا لذنب اقترفوه؛ بل إن ذنبهم أنهم ليسوا مذنبين مجرمين. ويمكن لهذه القصة أن تندرج تحت عنوان على هامش القصة الشعرية، الغياب بعض العناصر القصصية الفنية.

 ولكننا إذا أردنا أن نتعرف عناصر الشعر في هذا الأسلوب القصصي فماذا نجد؟ 

نجد صدق الإحساس، وهذا الصدق هو الذي من الشاعر بالكثير من غرر اللفظ، وكريم المعاني، وروائع الصور، ويبدو أن طفولة الشاعر كانت غنية، لذلك رشح عقله الباطن من مخزونه، هذه الصورة الفنية الفذة.

أحسن إلى تلك العصافير في الضحى *** لها بين أغصان الشجيرات ملعب

إلى نهرها ينساب وسط سهولها *** يتيه دلالًا حينما يتشعب

وقد ضمن الشاعر تجربته الشعورية بقيمة تعبيرية تلائمها، وجاءت الموسيقا الشعرية الداخلية متموجة تنتهي بجلجلة يثيرها حرف الباء المضموم، كأنه قرعات الطبل أو طلقات المدافع، وربما كان للعقل الباطن دورٌ في هذا الاختيار، اختيار القافية دون تدخل مباشر من الشاعر.

والقارئ حينما يعيش مع القصيدة في وجدانها وانسيابيتها، ربما لا يخفي إعجابه بالمتعة الفنية في أثناء قراءتها إلى ما يحمله المضمون من قيم عليا، والشكل من قيم جمالية. 

إن الشاعر خالد البيطار يملك الأدوات الفنية للقصة الشعرية، وهو يمتلك ناصية الشعر فنا وإبداعًا.

ولو التفت إلى الأسلوب القصصي الذي بدأه في هذه القصيدة واستمر عليه في كثير من قصائد هذا الديوان -وإن كانت جميعًا دون هذه القصيدة فنا قصصيا- لأتي بقصة شعرية ناضجة، ولغدا رافدًا جديدًا في هذا الفن القصصي الشعرى المتميز الذي لا يقتحمه إلا الأفذاذ من شعراء العربية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

206

الثلاثاء 24-مارس-1970

إلى الأمهات المسلمات

نشر في العدد 4

559

الثلاثاء 07-أبريل-1970

السّطور الخضر

نشر في العدد 2121

104

الأحد 01-يوليو-2018

حُداءُ الشِّعْرِ محمودُ