; القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها «١ من ١١» | مجلة المجتمع

العنوان القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها «١ من ١١»

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 45

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 46

السبت 03-نوفمبر-2007

القصة القرآنية، وجه من وجوه الإعجاز القرآني، ومظهر من مظاهر بلاغته وبيانه، فقد قدمت نماذج من التاريخ والواقع وغيرهما، يعجز أي قاص بشري أن يقدم مثلها، كما أنها جاءت في إطار يصعب أن يكون مسبوقًا في الفن القصصي الذي عرفته البشرية، حيث يمزج الغاية الدينية بالصور التقنية أو القصصية، محققًا من خلالهما المتعة الأدبية التي لا تتحقق في القصص البشري الذي نطالعه أو نكتبه.. فعندما يكون الهدف الأول هو تقديم الفكرة الدينية، أو أية فكرة مجردة مباشرة.. فمن الصعب أن تجد لذة فنية بعدئذ.. ولكن القصة القرآنية تحقق الفكرة والمتعة في آن، مما يعني وجهًا آخر للإعجاز البياني في القرآن الكريم. 

وقد اهتم بدراسة القصة القرآنية عدد كبير من الباحثين، وحاول بعضهم تطويعها لمفاهيم بشرية ومعتقدات أرضية، وقد باءت هذه المحاولة بالإخفاق الذريع، ولكن هناك من حاول أن يستكشف جوانب العظمة الإلهية، والإعجاز الفني في القصص القرآني، من منطلق إيماني مخلص، فاكتشف ملامح عديدة رائعة ومدهشة، ويمكن أن نعد في هذا السياق بعضًا من أدباء الإسلام المعاصرين الذين بذلوا جهدًا ملموسًا في دراسة القصة القرآنية بحكم اهتماماتهم النقدية أو الأدبية، ومنهم في المقدمة: سيد قطب، وثروت أباظة، ونجيب الكيلاني.

الأول: بحكم كونه ناقدًا أدبيًا متميزًا منذ ثلاثينيات القرن العشرين، والآخران: بحكم كونهما من كُتَّاب القصة والرواية المرموقين.

وبهذه المناسبة، فإن القصة القرآنية، لم تجد اهتمامًا ملحوظًا في الدراسات القديمة التي اهتمت بالقرآن الكريم وعلومه، إلا في محل الاستشهاد بما جرى للأمم المسابقة، أو الإرشادات العابرة، وفي كتاب مهم مثل «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي، مثلًا، لا نجد وقفة تشير إلى القصص القرآني، أو تتناول أبعاده وغاياته من الناحية الفنية أو البنائية.

أول باحث: ويُعد «سيد قطب» أول من ركز على مجال القصة القرآنية -في العصر الحديث- بوصفها عنصرًا متميزًا في بلاغة القرآن الكريم. وتحدث عنها حديثًا مستفيضًا، وإن رأى أن ما كتبه موجز وملخص لبحث أطول كان يعتزم نشره، ولم ينشر حتى الآن بحكم رحيله شهيدًا -إن شاء الله- واستغراقه في تفسير الظلال، الذي تضمن معالجات عديدة في ثناياه للقصة القرآنية.

وبصفة عامة، فقد تناول طبيعة القصة القرآنية، وأغراضها، وآثار خضوعها للغرض الديني، ومشاركة الغرض الديني للفني، أو الفني للديني في بناء القصة، وخصائصها الفنية، وما فيها من رسم للشخصيات وتصوير.

لقد فتح «سيد قطب» بما كتبه عن القصة في «التصوير الفني للقرآن الكريم» مجالًا واسعًا للكتابة عن القصة القرآنية من زوايا متعددة.

صحيح أن شقيقه «محمد قطب» قد أشار إلى القصة القرآنية في كتابه «الفن الإسلامي» وتوقف عندها وقفة مركزة ودالة، ولكن يبقى لسيّد فضل الحديث الرائد، والشامل المستوعب، الذي استغرق ثلث كتابه «التصوير الفني في القرآن» تقريبًا، حول القصة القرآنية وأبعادها، بوصفها جزءًا من التصوير الفني الذي هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل، الذي يجمع صور القرآن التي تتراءى فيها آثار الإعجاز الفني.

لقد بدأت فكرة هذا الكتاب من خلال بحث قصير نشره «سيّد قطب» في مجلة «المقتطف» عام ۱۹۳۹م، تحت عنوان «التصوير الفني في القرآن» تناول فيها عدة صور كشف عما فيها من جمال، ثم توفر عليه بعد خمس سنوات كاملة لإخراجه في كتاب كامل، حيث جمع الصور الفنية واستعرضها، وبين طريقة التصوير فيها، والتناسق الفني في إخراجها.

الحكاية والقصة:

وتعتمد القصة، أية قصة، على ما يسمى «الحكاية». والحكاية سرد واقعة أو مجموعة وقائع، حقيقية أو خيالية، لا يلتزم فيها الحاكي بقواعد الفن الدقيقة، بل يرسل الكلام كما يواتيه طبعه.

ولكن مفهوم القصة فنيًا يقوم على أساس كونها: وسيلة تعبير عن الحياة، أو قطاع معين من الحياة، يتناول حادثة واحدة، أو عددًا من الحوادث بينها ترابط سردي، ولها بداية ونهاية.

وينقسم الفن القصصي إلى ثلاثة ألوان:

 ١ـ الأقصوصة: وهي قصة قصيرة يعالج فيها الكاتب جانبًا من جوانب الحياة، أو سرد حادثة، مع التركيز في المعالجة والنضج في التحليل.

 ٢ـ القصة: وهي أطول نسبيًا من الأقصوصة، وأقصر من الرواية، وتعالج جوانب أوسع قليلًا من الجوانب التي تعالجها الأقصوصة، ويمكن أن يطول الزمن وتمتد الحوادث، ويتوالى تطورها إلى شيء من التشابك.

 ٣ـ الرواية: وفيها تمتد المعالجة وتتعدد الشخصيات والموضوعات، والزمان والمكان، ويشعر القارئ بعد الفراغ منها أنه قد عاش مع حياة بطل الرواية أو أبطالها في مراحلهم المختلفة «١».

قواعد عامة:

وهناك قواعد فنية عامة للفن القصصي الحديث، تتمثل في النقاط التالية التي نشير إليها بإيجاز شديد:

١ـ الوحدة الفنية.

٢ـ الاعتماد على التلميح لا التقرير.

٣ـ تصوير الشخصيات ورسمها بما يخدم البناء القصصي.

٤ـ الاهتمام بالزمان والمكان.

٥ـ وضوح الهدف والمغزى في ذهن الكاتب.

٦ـ البعد عن المباشرة في إظهار الحكمة أو الموعظة.

٧ـ لا بد من وجود عنصر تشويق يجذب القارئ لمتابعة القصة.

٨ـ استخدام اللغة الملائمة بعيدًا عن التقعر أو التوحش.

طبيعة القصة القرآنية:

والسؤال الآن: ما طبيعة القصة القرآنية؟ أو ما هو مفهومها، على ضوء المقاييس النقدية الحديثة؟

الحق أن هناك اجتهادات عديدة حول هذه المسألة. 

فنجيب الكيلاني مثلًا يرى أن القصة الإسلامية. وتنطبق على القصة القرآنية ضمنًا. أداء أدبي محكم مؤثر يركز على العبرة، أو المنفعة، في إطار جمالي محبب يسميه المعاصرون «المتعة الفنية أو الجمالية»، والقصة الإسلامية ليست غاية في ذاتها، ولكنها وسيلة من وسائل نشر الدعوة، ومصدر للسموّ الروحي، وتنشيط القدرات العقلية والوجدانية والنفسية، كي تقوى وتتأهل لأداء الرسالة وتطوير القلوب والأرواح.. «٢».

وقد سبق «سيد قطب» إلى هذه المعاني حول طبيعة القصة، حيث يرى أن القصة القرآنية ليست مستقلة بذاتها، ولكنها وسيلة من وسائل القرآن الكريم الكثيرة إلى تحقيق هدفه الأصيل وهو «الدعوة الدينية» قبل كل شيء، فالقصة وسيلة إبلاغ وتثبيت، شأنها في ذلك شأن مشاهد القيامة وصور النعيم والعذاب وأدلة البعث والقدرة الإلهية والشرائع والأمثال.

ومن هذا المنطلق، فإن «سيد قطب» يرى أن القصة القرآنية تخضع لمقتضى الأغراض الدينية في موضوعها وبنائها.. ولم يمنع ذلك من بروز خصائص فنية في عرضها، وفي مقدمة هذه الخصائص: التصوير «٣».

الفنيَّة في السرد:

ومع أن «سيد قطب» يسعى فيما بعد إلى محاولة استنباط بعض الخصائص الفنية للقصة القرآنية -إلى جانب خصائصها الموضوعية- فإن ثروت أباظة، بحسّ الأديب الذي يمارس كتابة القصة، يسعى من جانبه إلى إظهار ناحية جديدة من إعجاز القرآن في الإطار الفني للقصة القرآنية، فهو يعتقد أن أحدث ما وصل إليه الفن القصصي هو النسق الذي سار عليه السرد في القرآن الكريم، وينطلق في هذا السياق من فرضية أن الفن القصصي قد عُرفت قواعده من خلال الاستقراء، فالرواية مثلًا بدأت في الظهور قبل خمسمائة عام أو يزيد، دون أن يكون لها قواعد، وحين أُلِّفت نجح منها ما نجح، وأخفق ما أخفق، وبدأ النقاد يتساءلون: لماذا نجح الناجح وأخفق غيره؟ فكانت هذه القواعد.

إن النقاد -وفقًا لمفهوم «ثروت أباظة». لم يهتموا بالقصص القرآني إلا على أساس أنه کتاب سماوي. أما روعته اللغوية والفنيّة فبعيدة عن أذهانهم كل البعد. ويبدو أن «ثروت» لم يطَّلع على ما كتبه سيد قطب في هذا السياق، وإن كنت أرجح أنه يقصد الأنماط الخاصة بالبناء الفني القصصي، ولكنه يعجب لأن النقاد المنبهرين بكل ما هو أجنبي لغة وأدبًا لم يلتفتوا إلى هذه المعجزة في القرآن الكريم. «يقصد الفنية في السرد القصصي» «٤».

وبصفة عامة، فإن «ثروت» يرى أن العرض القصصي في القرآن الكريم يتمشى مع أحدث ما وصل إليه الفن القصصي «٥».

أمثال:

ويربط «ثروت» بين القصص القرآني والأمثال التي تضرب للناس، فهو ينزُه القرآن أن يكون قصصًا -مجرد قصص- وإنما هي أمثال تضرب للناس ليتخذوا مما يروى لهم عبرة وليهتدوا إلى صراط مستقيم، ولذا فقد يرى الناقد المحترف أن القصة القرآنية بعيدة عن قواعد القصة العادية، لأن الموعظة فيها تقترن بالعرض. وهذا الناقد إن فعل يكون مجانبًا للصواب، مجافيًا للنظرة المتعمقة، فالقصة التعليمية مذهب فني معترف به لا يحتاج إلى تأكيد وجوده، والقصص القرآني قصص من نوع خاص، فهو ليس فنًا خالصًا يقدمه صاحبه لا يعنيه فيه الجانب الخلقي، وإنما قصص القرآن قصص صاغها الله سبحانه وتعالى ليكون قصصًا للناس.

ولا شك أن «ثروت» يرتكز في نظرته انطلاقًا من مبدأ الالتزام، حيث صار أغلب كتاب الفن القصصي ملتزمين لا يكتبون قصصهم من أجل التسلية أو قضاء وقت الفراغ. ولكنهم يكتبونها لغايات وأهداف تحركهم وتدفعهم إلى كتابة ما يكتبون «٦».

الهوامش:

«١» راجع محمد يوسف نجم، فن القصة، دار الثقافة بیروت، د.ت. ص ۹. ۱۱. وفؤاد قنديل: من كتابة القصة الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة. ٢٠٠٢م، ص ٢٦، ٢٧ ٣٥، وكتابي: النقد الأدبي الحديث دار النشر الدولي، الرياض ١٤٢٧هـ. ٢٠٠٦م، ص ٣٣٢ – ٣٤٢.

«٢» نجيب الكيلاني حول القصة الإسلامية، مؤسسة الرسالة بيروت ١٣٤١هـ. ١٩٩٢م، ص ٢٢.

«٣» سید قطب التصوير الفني في القرآن، ط ٨ دار المعارف القاهرة ١٩٧٥م، ص ۱۱۹.

«٤» ثروت أباظة، السرد القصصي في القرآن الكريم، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة د. ت ص ٣.

«٥» السابق، ص ٦ وما بعدها.

«٦» السابق أيضًا، ص ٥.

الرابط المختصر :