العنوان القصة الكاملة لمصادرة: مجلة «البشير» صوت الإخوان في مصر
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1986
مشاهدات 83
نشر في العدد 760
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 25-مارس-1986
القاهرة: من مراسل المجتمع
- أمريكا تعارض أية مكاسب للحركة الإسلامية وترفض الشريعة
- الحكومة تسمح بالمجلات الشيوعية الماركسية، وتصادر مجلات الحركة الإسلامية
- الحكومة تقول للإخوان لا وجود قانوني.. لا أحزاب.. لا ندوات.. لا صحف أو مجلات!
أحال المستشار رجاء العربي المحامي العام لنيابة أمن الدولة، موضوع مصادرة مجلة البشير، إلى نيابة أمن الدولة- فرع الجيزة- بدعوى عدم الاختصاص!! وهو إجراء لمزيد من المماطلة والتسويف لكي يصدر العدد بعد ميعاده- إذا أفرج عنه- بمدة تكفي «لقتل» المادة الصحفية الموجودة به، فمن ذا الذي يقول إن الفرع هو المختص بينما الأصل لا يختص بالنظر في الموضوع؟! المعروف أن التحفظ على العدد تم ظهر يوم الإثنين غرة جمادي الآخرة..
أصدرت مباحث أمن الدولة في مصر، قرارًا بالتحفظ على جميع النسخ المطبوعة «20 ألف نسخة كطبعة أولى» من العدد الأول من مجلة «البشير» التي تصدر في شكل «كتاب غير دوري» داخل المطبعة الخاصة التي تتولى طباعتها. وأخذت تعهدًا كتابيًا على مدير المطبعة، بعدم تسليم الناشر أو من ينوب عنه أية نسخة من المطبوع، وأحالت الموضوع إلى نيابة أمن الدولة التي وضعت قرار التحفظ بأنه قرار سياسي في المقام الأول.. كان الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين قد عهد للأستاذ جابر رزق سكرتير تحرير مجلة «الدعوة» بإعداد مطبوع غير دوري يحمل اسم البشير، حتى لا يخضع لقانون المطبوعات المصري، بعد أن سدت كافة الأبواب أمام عودة «الدعوة» بعد أكثر من أربع سنوات من المماطلة والتسويف من جانب الحكومة، في السماح للإخوان المسلمين بإصدار مجلتهم من جديد، رغم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية لذلك..
ويأتي التحفظ على «البشير» ليفضح بذلك كل الادعاءات المزعومة، التي تصم الآذان ليل نهار، حول العصر الذهبي للديمقراطية وحرية الصحافة في مصر. ولتكشف كذلك «شهادة الزور» التي نشرتها الخارجية الأمريكية في تقريرها عن حقوق الإنسان والحريات في مصر، والتي تزعم فيها أن «حرية الكلام والصحافة مكفولتان، ولم تعرف مصر في تاريخها حرية للصحافة بمثل ما تتمتع به الصحافة في مصر الآن».. وذلك لأن قرار التحفظ على «البشير» ليس له أي سند قانوني يبرر اتخاذ مثل هذا الإجراء، وبات واضحًا أن السبب الوحيد للتحفظ على المجلة هو منع جماعة الإخوان المسلمين بمصر من امتلاك أي مجلة أو مطبوع يعبر عن فكرها ويطرح آراءها أمام الرأي العام في مصر والعالم!! بالإضافة إلى حرمانها من الوجود القانوني والمشاركة في العمل العام وحرية الاجتماعات والندوات.
أمريكا ضد الإخوان المسلمين في مصر
والمراقب لأوضاع الحركة الإسلامية في مصر، يتفهم جيدًا الدور الأمريكي والصهيوني في الضغط غير المباشر عليها، عن طريق السلطة.. فأمريكا مثلًا اعترضت على الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر، ونشر ذلك في صحفها، ولم تعلق السلطات في مصر على ذلك، مما يؤكد أن الكلام الذي نشرته الصحف الأمريكية صحيح، وهو اعتداء صارخ على كرامة مصر، وحقها في إدارة شئونها بنفسها، ولا نعجب أن نقرأ بين الحين والآخر، تعليقات الصحف اليهودية في إسرائيل التي تهاجم «التطرف الإسلامي» في مصر، وتدعو رئيس الجمهورية إلى اتخاذ إجراءات حازمة ضد هذا التيار.. فلا بد إذن من الضغط عليه وتقييد حريته، رغم أن الحركة الإسلامية في مصر ليست كأي حزب من الأحزاب المعارضة، ولكنها أصبحت جزءًا من ضمير الشعب المصري، وهي ممثلة في البرلمان وفي النقابات المهنية، كناقبة الأطباء ونقابة المحامين ونقابة المهندسين، ونقابة الصحفيين وغيرها، وهي تسيطر على الاتحادات الطلابية في أغلب جامعات ومعاهد التعليم العالي. رغم ذلك لا تتمتع بما يتمتع به غيرها من الجماعات أو الأحزاب السياسية، ولا يسمح لها بالتعبير عن نفسها في إطار القانون والدستور، لأن ذلك يغضب «الصديق الأمريكي» الذي أصبح يتصرف مع أمتنا بكل الوقاحة والصفاقة والإذلال!
رحلة مجلة الدعوة
والإخوان المسلمون يسعون إلى إصدار مجلة «الدعوة» التي تصدر من القاهرة، منذ أن أغلقت في سبتمبر 1981، حتى الآن ومحاولاتهم ما زالت تخرج من حفرة حتى تقع في مطب.. فقد حصلوا على حكم بإلغاء قرار سحب الترخيص، في فبراير 1982، وتوالت الأحكام التي تلزم الحكومة بتنفيذها حتى فتح مقر المجلة في يناير 83، وحاول الشيخ صالح عشماوي إصدار المجلة من جديد إلا أن الحكومة عرقلت التنفيذ حتى وافاه الأجل في ديسمبر من نفس العام، فسقط ترخيص «الدعوة» وفي يناير 1984 تقدم الإخوان بطلب إلى المجلس الأعلى للصحافة للحصول على «عقد تأسيس» تمهيدًا لتكوين شركة مساهمة تعمل في مجال الصحافة، واتضح أن المجلس لم يقم بإعداد هذا النموذج، ولجأ الإخوان إلى القضاء مرة أخرى حتى أعد المجلس «عقد التأسيس» وتسلمه الإخوان في يناير 1985، أي بعد عام كامل من المطالبة به، وبعد أيام كانت أوراق الشركة الإسلامية للصحافة والنشر والتوزيع قد سلمت لإدارة الشركات.. كان ذلك في 5 من فبراير 85، واستمرت المماطلة والتسويف، رغم أن القانون قد حدد مدة شهرين فقط للموافقة على تكوين الشركات المشابهة، أي أنه في أبريل 1985 على الأكثر كان لا بد من الموافقة على الشركة.. ولكن لأنها شركة إسلامية أسسها الإخوان المسلمون، فلا بد من عرقلتها بأي وسيلة، حتى أن اجتماع مجلس إدارة مصلحة الشركات كان يؤجل نظرها شهرًا بعد شهر، وإذا عرضت عليه، طلب بعض الطلبات، حتى أنه كان يأخذ نفس القرارات التي أخذها من قبل في جلسات ماضية، وكان الرد الشفهي الدائم هو أن تكون الشركة في الأساس قرار سياسي، وفي آخر جلسة طلب رئيس مصلحة الشركات من محامي الإخوان موافقة وزارة الداخلية على تكوين الشركة.. وهو طلب غير قانوني، فوزارة الداخلية هي جهة تنفيذية، وليست قانونية.. وهنا قرر الإخوان رفع دعوى قضائية للحصول على حكم بإشهار الشركة الإسلامية للصحافة، ومن المقرر أن تعرض القضية في مارس الحالي.
كل هذا العنت، وكل هذا التسويف، وتلك المماطلة دفع الإخوان دفعًا إلى سلوك أبواب أخرى لإيصال صوتهم بالطريق القانوني وباستخدام حقهم كمواطنين شرفاء في إعلان آرائهم ومبادئهم وأهدافهم، حسب نص الدستور والقانون، فقرروا إصدار كتاب غير دوري قريب الشبه بالمجلات ولكنه لا يخضع لقانون الصحافة الصادر في عام 1980، والذي فشل الإخوان في إصدار «الدعوة» عن طريقه حتى الآن. وساعدهم على هذا الاتجاه وجود عدد من الكتب غير الدورية التي أصبحت واقعًا في شارع الصحافة المصري، يكشف عن عجز القانون الحالي، حيث لم يتم عن طريقه إصدار أي مطبوعة منذ حوالي ست سنوات وحتى الآن..
لماذا منعت «البشير»؟!
وما أن ذهب الأستاذ جابر رزق رئيس تحرير «البشير» إلى توزيع مؤسسة «الأخبار» للاتفاق معهم على توزيع المجلة، حتى قامت مباحث أمن الدولة بالتحفظ على جميع النسخ المطبوعة داخل المطبعة، وجاء في مذكرة المباحث أن «بعض أفراد من جماعة الإخوان المسلمين المنحلة، المحظور نشاطها قد تحايلوا على القانون بإصدارهم هذه المجلة دون ترخيص، وضمنوها موضوعات تتعلق بجماعة الإخوان المسلمين السابق صدور قرار بحلها، وطرح تاريخ وإنجازات بعض قادتها والمطالبة بعودة الجماعة كما حوت المجلة شعارات مرسومة لجماعة الإخوان بأكثر من موضع بداخلها «مصحف وسيفين» وطرحًا للمفاهيم الإخوانية بهدف نشرها، مما يعد ممارسة لنشاط غير مشروع.. هذا بجانب ما تضمنته من موضوعات تناولتها بأسلوب إثاري، وتضمنت كذلك انتقاد نظام الحكم السابق والإسقاط على النظام الحالي ومؤسساته الدستورية، والتنديد بالقرار الجمهوري الصادر عام 1981 بغلق مجلة الدعوة ومقارها، وبعض أخبار وتعليقات على أحداث داخلية وخارجية، وبها بعض الإعلانات التجارية..».
وقالت مذكرة المباحث: «ونظرًا لأن المطبوع في حقيقته مجلة دورية وليس كتابًا غير دوري كما ذكر على غلاف العدد، كما وأن موضوعاتها غير مترابطة أو متصلة، ومصدرها شخص طبيعي هو السيد/ عمر التلمساني، وذلك وفقًا للمادة الأولى من قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936 وطبع بالمخالفة لأحكام قانون سلطة الصحافة رقم 148 لسنة 1980، بشأن إصدار الصحف، وأن أعضاء هيئة تحريرها مقيدون بنقابة الصحفيين، مما يدخل المطبوع في نطاق الصحف.. وبالإضافة إلى أن هيئة إدارة وتحرير مجلة البشير هي نفسها هيئة وإدارة تحرير مجلة الدعوة- التي سقط حق امتيازها- ومقرها وصندوق بريدها، كما تحوي المجلة أسماء العناصر التي قامت بتحرير هذا العدد، وهم من أنصار جماعة الإخوان المنحلة وهم: عمر التلمساني ومصطفى مشهور وجابر رزق وعبد الستار فتح الله سعيد، وبدر بدر محمد بدر، ومتولي صلاح الدين عبد المقصود، وأحمد أسيوف وزينب الغزالي.
نعم للشيوعيين.. لا للإسلاميين
ورد الإخوان على ذلك في مذكرة قدمت لنيابة أمن الدولة التي تتولى الموضوع، وأوضحوا فساد ما ذهبت إليه مذكرة المباحث، فواضح أن نص المادة 14 من قانون الصحافة رقم 148 لسنة 1980، قصرت حكمها على إصدار «الصحف» دون غيرها من صور المطبوعات، وأن المادة الأولى من قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936، قد تكفلت بذلك حيث جرى نصها «ويقصد بكلمة «جريدة» كل مطبوع يصدر باسم واحد بصفة دورية في مواعيد منتظمة أو غير منتظمة». ويتضح من ذلك أن المعيار الوحيد لاعتبار المطبوع، جريدة أي صحيفة من الصحف المقصودة بأحكام القانون 148 لسنة 1980 هي بصريح النص «الدورية»، وقد فهم الفقه القانوني ذلك ويتضح أنه لا محل للنظر إلى كونه يتناول موضوعًا واحدًا أو موضوعات متعددة أو إلى كونه مملوكًا لشخص اعتباري أو طبيعي أو إلى كونه يحتوي على إعلانات تجارية من عدمه، إذ إن ذلك كله، لا صلة له بالمعيار الوحيد الذي اتخذ منه المشرع فيصلًا لتمييز المقصود بالجريدة أو الصحيفة، وقالت مذكرة الإخوان: إن العمل قد استقر لدى الجهات المختصة على هذا المفهوم ومن أمثلة ذلك:
1- مجلة «فكر» للدراسات والأبحاث، وهو مطبوع أثبت أنه كتاب غير دوري يصدر عن دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، وأن رئيس التحرير هو الدكتور طاهر عبد الحكيم وأن مستشاري التحرير الدكتور فؤاد زكريا والأستاذ علي فهمي والأستاذ لويس عوض، وغيرهم وقد صدر منها في ديسمبر 1985 العدد الثامن من السنة الثانية، وفيها افتتاحية لرئيس التحرير وعدة مقالات في موضوعات متعددة لا رابط بينها.. والمعروف أنها مجلة ماركسية متطرفة.
2- «المواجهة» كتاب غير دوري يصدر عن لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، ورئيسة التحرير الدكتورة رضوى عاشور، وهي مجلة كذلك ماركسية.
3- «الهدف»- عربية غير دورية- سياسية ثقافية، والمشرف على التحرير الأستاذ مصطفى بكري وقد صدر العدد الثاني منها في يناير 1986. وهي ناصرية يسارية.
4- «الطليعة» وهي تصدر الآن- كتاب غير دوري- يحمل نفس الشكل الذي كانت تصدر به قبل سحب ترخيصها أيام الرئيس السادات.. وهي ماركسية يصدرها لطفي الخولي الشيوعي المعروف، وتقوم بتوزيعها مؤسسة الأهرام! وقد صدر منها عدد فبراير 1986.
5- رسالة التوحيد- ويصدرها الأستاذ محمد جلال كشك، وقد صدر منها ثلاثة أعداد حتى الآن.
بالإضافة إلى الطليعة العربية- اليقظة العربية- قضايا فكرية- عالم الغد، وغيرها من المجلات التي تصدر في شكل كتب غير دورية، ويسمح لها بالصدور والانتشار والتوزيع عن طريق مؤسسات التوزيع الحكومية..
حرمان الفكر الإسلامي دون غيره
وقالت مذكرة الإخوان إن التحفظ على العدد الأول من السنة الأولى لمجلة البشير، على اعتبار أنه يصدر بصفة دورية لا يجوز. لأن ذلك لا يتضح إلا بصدور الأعداد التالية، وخاصة أن المطبوع قد أفصح بصورة واضحة عن تجاه نيته إلى عدم إصداره بصفة دورية.
وأضافت المذكرة: ولا نظن بعد ذلك أن المقصود هو حرمان الفكر الإسلامي مما يتمتع به الآخرون مما تبيحه القوانين المعمول بها من صور التعبير، لأننا ننزه الجهات المسؤولة أن تكيل بكيلين..
وقد تقدمت هيئة تحرير البشير بمذكرة إلى نقابة الصحفيين تستنكر تصرف جهاز مباحث أمن الدولة إزاء العدد الأول من البشير، وتدعو النقابة إلى اتخاذ موقف حازم تجاه هذه الاعتداءات الصارخة على الدستور والقانون وعلى الصحافة الحرة، في بلد يزعم أنه يتمتع بحرية الصحافة كاملة..
الشيء العجيب فعلًا، أنه في الوقت الذي تقول فيه الحكومة للإخوان المسلمين.. لا للوجود القانوني.. لا لحرية تكوين حزب سياسي «يمنع القانون قيام حزب على أساس ديني» لا لحرية الاجتماعات والندوات «يوجد قانون يجرم الدعوة إلى عودة جماعة الإخوان أو يدعو إلى أفكارها».. لا لحرية إصدار الصحف والمجلات.. رغم ذلك التضييق، فإن جماعة الإخوان تحقق المزيد من المكاسب يومًا بعد يوم، في النقابات المهنية وفي المجلس النيابي وفي الحركة الطلابية، وفي مختلف القطاعات الجماهيرية، فهل تدرك الحكومات أنه لا يصح إلا الصحيح، وأنه خير لها أن تعين الحق بدلًا من أن تقف في وجه الطوفان؟!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل