; القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة- توحيد الذات | مجلة المجتمع

العنوان القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة- توحيد الذات

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983

مشاهدات 63

نشر في العدد 610

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 01-مارس-1983

القضية الرابعة:

«ونؤمن أن ذات الله سبحانه وتعالى لا تشبه شيئًا من مخلوقاته ﴿ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(الشورى:١١) وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد».

الشرح:

يؤمن أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى لا يشبه المخلوقين لا في ذاته ولا في صفاته جل وعلا والدليل على ذلك قوله تعالى  ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشوري:١١) فليس هناك من شيء يشبه الله فالله هو الخالق وغيره مخلوق والمنافاة عظيمة وبعيدة بين الخالق المتصف بأنه الأول الذي لم يسبقه شيء ولم يتقدمه عدم وبين المخلوق الحادث المصنوع الذي سبقه عدم، وتولد عن غيره وشيء قبله كما قال تعالى عن الانسان ﴿و هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (الإنسان:١) فالإنسان كائن بعد أن لم يكن كذلك سائر المخلوقات. والعوالم العلوية والسفلية هي كائنة سبقها عدم، وأما الله سبحانه وتعالى فكما قال عن نفسه: ﴿قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَم يَلِد وَلَم يُولَد *  وَلَم يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُ  (الإخلاص:1-4) وقد جمعت هذه السورة القصيرة توحيد الذات وتوحيد الصفات فقد أثبتت أن ذات الله لا تشبه ذوات خلقه قط، فهي أولًا ذات واحدة لا تتعدد ولا تتزاوج ولا تتكاثر. وأما الصمد فقد فسره بن مسعود أحد الأربعة الذي أمرنا رسول الله أن نأخذ عنهم القرآن، وكذلك ابن عباس ترجمان القرآن الذي قال فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» وكذلك سعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن رباح وعطية العوفي والضحاك والسدي ونقل ذاك ابن كثير -رحمه الله-. ونقل أيضًا عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال الصمد: هو المصمت الذي لا جوف له، وقال الشعبي هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب.

وتفسير الشعبي مأخوذ أيضًا من قوله تعالى ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (الأنعام:١٤)

 وكما نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه الولد هنا نفى عن نفسه الزوجة أيضًا كما قال جل وعلا ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الأنعام:١٠١) وكذلك في قوله عن مقالة الجن الصادقة في ربهم ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (الجن:٣).

وكل هذا يدلنا على وحدانية ذات الله سبحانه وتعالى حيث لم يتولد ربنا – سبحانه – من شيء قبله، بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم فهو الأول أزلًا، وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا ينفصل من ذاته شيء يتجسد فينسب إليه كما يقول مشركو النصارى في عيسى حيث يزعمون أن الكلمة انفصلت من الله فتجسدت في عيسى فهو إنسان من حيث ولادته من مريم، وإله من حيث تجسد الكلمة التي انفصلت عن الله في زعمهم. وتعالى الله عن ذلك أن يتولد عنه شيء وأن ينسب إليه ولد، بل الجميع عبيده وخلقه.

ويشبه قول النصارى في عيسى قول جهال كثيرين من المسلمين في محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث يزعمون أن وجوده إنما تجسد من نور الله أو من نور عرش الله وأن هذا النور سار في الأصلاب من لدن آدم حتى تجسد في بطن أم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا شرك أكبر مضاهيء تمامًا لشرك النصارى في عيسى بن مريم فنور الله لا يتجسد بشرًا، بل الله سبحانه الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ومسألة النوع هذه التقطها أيضًا كثير من مشركي المسلمين فزعموا أن الأنبياء جميعًا قد خلقوا من نور الرسول وهذا كفر وضلال في العقيدة أيضًا لم ينزل من الله فيه من سلطانه، بل تعدى بعض هؤلاء الجهلة وزعم أن أولياء الله جميعًا قد خلقوا من نوره «۱» هو كما خلق الأنبياء من نور الرسول وهذا غاية في الكذب والافتراء على الله.

وكذلك ضلت طوائف كثيرة من المسلمين عندما ظنت أن الإنسان جنس الإنسان مخلوق من نفخة الله في آدم ففيه -في زعمهم– جزء أرضي وهو الطين وجزء إلهي وهي نفخ الله فيه، وهذا جهل عظيم لأن النفخ في طين آدم كان من جبريل عليه السلام وليس من الله سبحانه وتعالى. 

وجبريل هو روح الله سماه الله روحًا لأنه ينزل بالقرآن الذي هو حياة القلوب كما قال تعالى في شأن القرآن ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ (الشورى:٥٢)

وقال الله عن جبريل ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (الشعراء:192-195)

وقال أيضًا ﴿قُلْ مِن نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ (النحل:١٠٢)

فسماه روح القدس أي الروح المقدسة وجبريل عليه السلام هو الذي نفخ أيضًا في فرج مريم فكان من ذلك عيسى كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (مريم:١٧)

وروح الله هنا هو جبريل عليه السلام ولذلك قال تعالى في شأن خلق عيسى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (آل عمران:٥٩)

أي فكما خلق الله آدم من تراب ثم من نفخة جبريل فكذلك كان خلق عيسى من نفخة جبريل حيث كونها الله في أحشاء مريم طفلًا بشرًا مخلوقًا كما خلق آدم من قبل.

ولذلك فمن الجهل العظيم، بل من الشرك الأكبر الاعتقاد أن الإنسان فيه جزء من الله وأن النفخة في آدم هي جزء من الرب تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، بل هذا باطل وزور وضلال عظيم كما قال جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ۚ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ (الزخرف:١٥) وهذه الآية وإن كانت في مشركي العرب الذي زعموا أن الملائكة بنات الله إلا أنها تعم كل من نسب الله جزءًا منفصلًا عنه متجسدًا كالنصارى في عيسى الذين قالوا بتجسد الكلمة و مشركي المسلمين الذين قالوا بتجسد نور الله في محمد، وكذلك ضلال المسلمين الذين قالوا بتجسد النفخة المنفصلة عن الله في آدم وذريته.

«هذا والله سبحانه وتعالى لا ينسب إليه نفخ سبحانه فليس النفخ صفة من صفاته تعالى وتقدس، وكذلك ليس لذات الله روح فذات الله سبحانه وتعالى لا توصف بالروح كما لا توصف بالجسد فالإنسان هو الذي يوصف بالروح والجسد وأما الله فهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد كما وصف نفسه سبحانه وتعالى. 

والمهم هنا في هذه القضية إثبات أن ذات الله سبحانه وتعالى ذات منفردة لا تشبه ذوات المخلوقين، ولا ينسب مخلوق قط إلى ذات الله لا بتجسد كلام الله أو نوره أو غير ذلك، وكذلك الأمر فإن صفات الله منفردة أيضًا ولا يحل الله بصفاته أو بذاته في شيء من مخلوقاته، كما أن المخلوقات لا يحل شيء منها في ذات الله سبحانه وتعالى وسيأتي لهذا زيادة إيضاح وشرح في القضية التالية «٥» والقضية رقم «۲۳».

«١» هو محمد عثمان المرغني السوداني صاحب الطريقة الختمية وقال هذا في كتابه «تاج التفاسير ص ١٣٦ ج «١».

الرابط المختصر :