; القضية المحاصرة بين العملاقين «الجزء الثاني» : الولايات المتحدة | مجلة المجتمع

العنوان القضية المحاصرة بين العملاقين «الجزء الثاني» : الولايات المتحدة

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1986

مشاهدات 54

نشر في العدد 777

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 29-يوليو-1986

  • اللاءات الثلاثة تحكم المبادرات الأمريكية: لا لدولة فلسطين.. لا لفصل الضفة والقطاع.. لا لفك المستوطنات.
  • الرئيس الأمريكي ريغان يقول: ألتزم شخصيًّا بأمن ورفاه إسرائيل.
  • المبادرات الأمريكية من روجرز إلى ريغان في خدمة المصالح الإسرائيلية.

خلال الزيارة التي قام بها مؤخرًا الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران للاتحاد السوفيتي أعلنت موسكو عن اقتراح جديد لحل ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط يتضمن عقد مؤتمر دولي تحضره الدول الخمس «الدائمة العضوية» في مجلس الأمن بهدف تمهيد الطريق أمام التوصل إلى ما تسميه العواصم الدولية تسوية سلمية في الشرق الأوسط. 

وتأتي الدعوة السوفيتية متزامنة مع إعلان الولايات المتحدة عن جولة يقوم بها جورج بوش نائب الرئيس الأمريكي إلى المنطقة يزور خلالها الكيان الصهيوني ومصر والأردن وربما سوريا لإجراء محادثات حول الوصول إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط.. والتحركات الجديدة للروس والأمريكان ما هي إلا امتداد لتحركات قديمة دفعت القضية الفلسطينية للدوران، ومنذ أكثر من ربع قرن داخل حلقة مفرغة يديرها تارة تآمر الغرب وتارة أخرى خداع الشرق أو بالأحرى يديرها تآمر القوتين العظميين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة معًا...

ولما كنا قد تناولنا في العدد الماضي ما يتعلق بالموقف السوفيتي من القضية الفلسطينية وخاصة ما يتعلق منها بمساعيه المشبوهة نحو تحقيق السلام بين اليهود والعرب، نحاول في هذا العدد أن نبين ما يتعلق بالموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية.

  • القضية والموقف الأمريكي:

قلنا في العدد الماضي على لسان أحد المفكرين الإسلاميين: إن التعايش السلمي وحق تقرير المصير وحرية الشعوب ومساندة الحركات التحررية... ما هي إلا شعارات تخفي وراءها الشيوعية السوفيتية سهامها الموجهة ضد المسلمين.. وأيضًا فإن دعوات الديمقراطية وسيادة الحريات وحقوق الإنسان.. ما هي إلا شعارات يخفي وراءها العدو الصليبي سهامه الموجهة ضد المسلمين.

وتكرارنا لهذا القول إنما يعبر عن قناعتنا بأن تآمر كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على الأمة وقضيتها المقدسة يسيران جنبًا إلى جنب رغم اختلاف الوسائل والمصالح.

والولايات المتحدة حين تضع إمكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.. تحت تصرف العدو الإسرائيلي فإنها بذلك تنسجم تمامًا مع استراتيجيتها الخاصة بالمنطقة والقائمة على أساس أن الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة هو الأداة الرئيسية التي يمكن من خلالها المحافظة على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.. ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت مع الاتحاد السوفيتي أول من أعلن اعترافه بالكيان اليهودي في فلسطين المحتلة عام 1947م، إلا أن النظرة الأمريكية الخاصة لهذا الكيان وربط المصالح الأمريكية الحيوية بأمنه واستمراره و... بدأت ترسم ثقلها بعد حرب السويس عام 1956م حيث كانت هذه الحرب بداية انحسار النفوذ الأوربي «بريطانيا وفرنسا» عن المنطقة، ليحل محله النفوذ الأمريكي. وكما قلنا: فإن النظرة الإيجابية من الولايات المتحدة لإسرائيل لم تكن وليدة الضغوط اليهودية داخل الولايات فقط كما يظن البعض؛ إنما كانت تنطلق من مبادئ الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط والقائمة على العديد من المصالح الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية... ولهذا فإن المبدأ الأساسي الأول الذي يحقق ويحفظ للولايات المتحدة مصالحها في المنطقة يقوم على اعتبار أن الكيان اليهودي هو ركيزة الولايات المتحدة في حفظ مصالحها في المنطقة، وفي هذا تقول الوثيقة التي قدمتها الحكومة الأمريكية للكونغرس في أكتوبر عام 1981م: «إن أمن إسرائيل يأتي في مقدمة أهداف الإدارة الأمريكية لأننا نعتبر إسرائيل حليفًا وعاملًا هامًّا في استقرار المنطقة».

وتقول الوثيقة أيضًا: «إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم على ضمان أمن ورفاه دولة إسرائيل». ومن هذا المنطلق كانت الولايات المتحدة توفر لهذا الكيان كل أسباب الحياة وبصورة لم يسبق لها مثيل بين أية دولة وأخرى، وإلى الحد الذي دفع المعلقون السياسيون إلى اعتبار الكيان اليهودي إحدى الولايات الأمريكية التي يقع عبء النهوض بها والدفاع عنها على الحكومة الفيدرالية في واشنطن.

  • أمريكا والاقتصاد الإسرائيلي:

ومن هنا يمكننا فهم مدى المساعدات الأمريكية التي تمنح لهذا الكيان؛ فهناك مساعدات مالية خاصة بالمجهود الحربي، وأخرى خاصة ببناء المستوطنات، وثالثة للتنمية الاقتصادية، و... والولايات المتحدة تعلم يقينًا أنها ما لم تستمر في منح إسرائيل تلك المساعدات الضخمة فإن الانهيار الاقتصادي سيكون أمرًا طبيعيًّا، وبالتالي فإن الانهيار الاقتصادي من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة أمن واستمرار الكيان اليهودي نظرًا للتكوين غير الطبيعي لهذا الكيان... فالحروب التي شنتها إسرائيل كلفتها ما يقرب من 30 مليار دولار، ولبناء المستوطنات أنفقت ما يقرب من 25 مليار دولار، هذا عدا النفقات الأمنية التي لا تجد إسرائيل مفرًّا منها بسبب طبيعة وضعها وسط العالم العربي، وتقدر مصادر إسرائيلية تلك النفقات الأمنية بأكثر من 6 مليارات دولار.. ولتجاوز هذا التدهور المستمر سارعت الولايات المتحدة إلى إنشاء منطقة تجارية حرة بينها وبين إسرائيل تهدف إلى تقوية الاقتصاد الإسرائيلي وتخليصه من الاعتماد على المساعدات الخارجية، وبالتالي تحقيق الهدف الأساسي المتمثل بضمان الأمن الإسرائيلي واتفاقية التجارة الحرة التي أبرمتها الولايات المتحدة مع إسرائيل لم يسبق لها مثيل؛ حيث لم يسبق للولايات المتحدة أن أبرمت مثيلًا لها مع أي من دول العالم.. وهذا الاستثناء يوضح مدى وطبيعة العلاقات بين أمريكا والكيان الصهيوني.. ويوضح ذلك وزير خارجية الولايات المتحدة جورج شولتز بقوله: «سنكون على استعداد لتقديم كامل المساعدة التي يحتاجها الاقتصاد الإسرائيلي ولو دفعة واحدة»، وقد بينت الميزانية الأمريكية التي أعلنت في شهر فبراير الماضي حجم المساعدات الأمريكية لإسرائيل للعام 86- 87 بحيث بلغت 11 بليون دولار. 

  • إسرائيل والسلاح الأمريكي:

ينطلق التسليح الأمريكي لإسرائيل من مفهوم استراتيجي يقوم على اعتبار الكيان اليهودي أحد أهم القواعد الأمريكية التي من خلالها يمكن الحفاظ على المصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة، ومن هنا فإن الإدارة الأمريكية تبدي اهتمامًا في القوات المسلحة الإسرائيلية يماثل إلى حد ما اهتمامها بالقوات المسلحة الأمريكية.. ولذلك فإن وزارة الدفاع الأمريكية تجري دراسات سنوية خاصة بحاجات القوات المسلحة الإسرائيلية من الأسلحة والمعدات و... وبمقارنة نوعية السلاح الدفاعي الذي يبيعه السوفيات للعرب بالسلاح الهجومي الحديث والمتطور الذي تدفع به الترسانة الأمريكية لإسرائيل يمكننا فهم أخد الأسباب الرئيسية للهزائم العربية المتكررة..

يقول تقرير صادر عن الحزب الجمهوري ضمن برنامجه الانتخابي عام 1982م: «العلاقات اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحت أوثق من أي وقت مضى.. وفي عهد الرئيس ريغان انتقلنا إلى التعاون الدبلوماسي والعسكري الواسع، وأن فريق التخطيط الاستراتيجي الأمريكي- الإسرائيلي ينسق جهودنا الدفاعية المشتركة، كما يقدم الدعم المباشر لبرامج تعزيز قاعدة إسرائيل الصناعية». وما ذهب إليه التقرير تؤكده الترسانة الإسرائيلية التي تماثل إلى حد كبير الترسانة الأمريكية في نوعية الأسلحة والمعدات.. والتعاون الاستراتيجي بين البلدين لم يعد يقتصر على تزويد الكيان الإسرائيلي بالأسلحة الأمريكية المتقدمة، بل ذهب إلى حد إنشاء الصناعات الإسرائيلية العسكرية الخاصة، وذلك بمساعدة التكنولوجيا الأمريكية.. والتصنيع الحربي الإسرائيلي أصبح له قاعدة ضخمة ضمن الاقتصاد الإسرائيلي؛ حيث فتحت الولايات المتحدة أسواقًا عديدة أمام صناعة السلاح الإسرائيلي لصالح القوات الأمريكية نفسها وإنتاج إسرائيل للطائرة المقاتلة القاذفة «لافي» أحد الأمثلة الهامة التي توضح نوعية التعاون العسكري القائم بين الولايات المتحدة والكيان اليهودي، والذي وصل إلى حد إشراك هذا الكيان بالمشروع الأمريكي المتقدم المسمى بحرب النجوم.

  • أمريكا وتسوية القضية:

يقول جيمس بلاكي المساعد السابق لوزير خارجية الولايات المتحدة لشئون الشرق الأوسط: «إن السياسة الأمريكية تهتم فقط بالحفاظ على الأمن الإسرائيلي». وما ذكرناه عن العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي بالنسبة للاقتصاد والتسليح يعبران تمامًا عن مفهوم السياسة الأمريكية بخصوص الأمن الإسرائيلي.. ومن هنا فإن مساعي السلام الأمريكية تدور حول أحقية الكيان اليهودي في ضمان الأمن والاستمرار.. ولهذا فإن أمريكا كانت وما زالت تفرض شرطين أساسيين خلال أي تحرك من تحركاتها الداعية إلى تحقيق السلام في المنطقة وهما: الاعتراف بإسرائيل وقبول قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338، والمفهوم الأمريكي لقرارات مجلس الأمن الدولي يدور حول الاعتراف بإسرائيل واعتبار الفلسطينيين لاجئين فقط؛ لا كشعب له حقوقه المشروعة. وهذا يعني أيضًا استبعاد حق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم... ولن نبحث في أية مفاهيم أمريكية أخرى؛ لأن هذين المفهومين فقط يعبران عن حقيقة الاتجاهات الأمريكية بالنسبة لعملية السلام في المنطقة، ومن هذين المفهومين كانت تدور اتجاهات السلام الأمريكية بدءًا من مبادرة روجرز عام 1970م التي أكدت على مسألة الأمن الإسرائيلي وعدم الانسحاب من كامل الأراضي العربية التي احتلت عام 1967م مرورًا بالتحركات المكوكية لليهودي الأمريكي كيسنجر الذي وضع أساسيات الاتفاقات الخيانية في كامب ديفيد، والتي لم تخرج عن حقيقة المفهوم الأمريكي لقرار مجلس الأمن رقم 242 أو مبادرة روجرز.. وانتهاء بمبادرة الرئيس الأمريكي ريغان التي أطلقها عام 1982م وما زالت الإدارة الأمريكية تصر على اعتبارها أساس التحرك نحو السلام في المنطقة.. والجولة التي يقوم بها جورج بوش نائب الرئيس الأمريكي للمنطقة تدور حول هذا المنحى، وفي هذا يقول الناطق باسم جورج بوش: إن الزيارة سوف تظهر التزام الولايات المتحدة بدعم السلام والاستقرار في الشرق الأوسط انطلاقًا من مبادرة الرئيس ريغان المعلنة عام 1982م، والتي ما زالت تمثل سياسة الولايات المتحدة تجاه التسوية في المنطقة. وأهم ما في المبادرة الريغانية النص الذي يقول: إن الولايات المتحدة تلتزم التزامًا راسخًا بأمن إسرائيل، وتنص أيضًا على عدم السماح للفلسطينيين بإنشاء دولة فلسطينية خاصة بهم؛ لأن السلام كما يقول ريغان: لا يمكن تحقيقه بإنشاء دولة فلسطينية في تلك المناطق.. والمفهوم الريغاني الذي يتضح من مبادرته ليس بعيدًا عن مفهوم روجرز أو كامب ديفيد أو... فكلاهما خرج من مشكاة واحدة؛ هي مشكاة الأمن الإسرائيلي. 

وبالخلاصة إذا كانت سياسة الولايات المتحدة ومن خلال مبادراتها وتحركاتها الخاصة بتحقيق السلام في المنطقة تدور حول اللاءات الثلاثة:

لا: لإقامة دولة فلسطينية.

لا: لفصل الضفة والقطاع.

لا: لفك المستوطنات الإسرائيلية. 

فماذا تعني عملية السلام سوى توفير الأمن للكيان الإسرائيلي وضمان استمرار تفوق هذا الكيان عسكريًّا على جيرانه العرب، وعلى حساب قضيتهم المقدسة.

القضية المحاصرة:

وهكذا بين دعاوى السلام السوفيتية ومزاعم التسوية الأمريكية تبقى القضية الفلسطينية محاصرة بين العملاقين الروسي والأمريكي.. فبينما يؤكد الجانب السوفيتي على أن دعوته لتحقيق السلام عبر مؤتمر دولي تدور حول أحقية الكيان اليهودي في ضمان الأمن والاستمرار تذهب الولايات المتحدة إلى الالتزام بهذا المبدأ من خلال معاهدات استراتيجية.. وحين يحاول السوفييت إثبات وجودهم الدولي من خلال مبادراتهم السلمية تفعل الولايات المتحدة ذلك لإثبات دورها الخاص في المنطقة.

وكما يقول أحد المؤرخين اليهود: «لم تكن هناك قط عمليات للسلام، لقد كان هناك فقط الكثير من الأحاديث، فالجميع يعرف أن الخلافات بين الإسرائيليين والعرب هي أكبر من استعداد الجانبين للتوصل لتسوية.. والولايات المتحدة مثلًا حين تلعب لعبة السلام فإنها تفعل ذلك فقط لكي تكون مؤهلة باستمرار للعب دور الحكم في الشرق الأوسط».

ويؤكد على هذا ما ذهب إليه تعليق الناطق الرسمي باسم جورج بوش حول زيارته الحالية للشرق الأوسط؛ حيث يقول: «إن الجولة التي سيقوم بها بوش في الشرق الأوسط تهدف لإظهار تمسك الولايات المتحدة بعملية السلام.. ولكن ذلك لا يعني أنه يحمل مقترحات ولكننا لا نريد أن تموت عملية السلام، وأيضًا لا نريد أن تعطي الانطباع بأننا سنقف مكتوفي الأيدي».

وهكذا فبينما يستمر السوفييت والأمريكان بإطلاق المبادرات السلمية منذ ما يقرب من عشرين عامًا، فإن القضية الفلسطينية تبقى محاصرة بين العملاقين..

والقضية في مجملها لا تخرج عن كونها حقًّا مطلقًا مقابل اغتصاب مطلق وأسلوب المؤتمر الدولي الذي يطالب به الروس أو أسلوب المحادثات المباشرة التي تطالب به الولايات المتحدة يسعيان إلى ضمان الأمن والأمان لإسرائيل، وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط، وهو تأييدهما المطلق للاغتصاب.

الرابط المختصر :