; القمة الإسلامية والمشاكل الساخنة | مجلة المجتمع

العنوان القمة الإسلامية والمشاكل الساخنة

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1987

مشاهدات 71

نشر في العدد 800

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 13-يناير-1987

الاستعدادات تجري على قدم وساق لمؤتمر القمة الإسلامي الخامس المقرر عقده في الكويت في السادس والعشرين من شهر يناير «كانون الثاني» الحالي. 

ولا يخفى على أحد ما آلت إليه أحوال المسلمين من تدهور وما يعاني المسلمون من مشاكل ومصاعب وتحديات خارجية وداخلية تقتضي أن يجتمع حكام المسلمين لتدارس أحوالهم المتدهورة وإيجاد الحلول لمشاكلهم المستعصية ودفع الأخطار المحدقة بهم.

والمواطن المسلم الذي يقع على كاهله العبء الأكبر من المعاناة الإسلامية يجد نفسه حيرانًا، فهو من جهة يطمح، بل يصر على الخروج من هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه، وهو من جهة أخرى لا يكاد يجد من عناصر التفاؤل ما يطمئنه ويشجعه.

فمؤتمر القمة العربي - والعرب جزء من المسلمين - والذي كان مقررًا عقده في الشهر أو الأشهر الماضية لم ينعقد، مجرد انعقاد.

 واجتماع وزراء الخارجية العرب الذي تأجل أكثر من مرة، ثم اجتمع مؤخرًا وتمخض عن تشكيل لجنة تقوم بالاتصال بالأطراف المعنية بالأزمة اللبنانية الفلسطينية، هذه اللجنة لم يجتمع بها المسؤولون في دمشق ولا المسؤولون في بيروت، وما زال عدوان منظمة أمل ومن یساندها على مخيمات الفلسطينيين في لبنان قائمًا، وما زال الدم الفلسطيني يراق صباح مساء.

ولجنة المساعي الحميدة التي بذلت كل مساعيها الحميدة لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية عجزت حتى الآن عن إيقاف هذه الحرب المدمرة وما زال الدم الإسلامي في العراق وإيران يراق في هجمات متبادلة بالغة العنف والقسوة.

وهذا هو الشعب الأفغاني المسلم المجاهد الصابر يقف وحده بما يملك من إيمان وعزيمة وأسلحة قليلة يصارع على أرضه دولة عظمي هي الإتحاد السوفياتي الذي بعث بجيشه لمناصرة نظام أراد أن يحكم شعبه بعقيدة ماركس بدلًا عن الإسلام الذي ارتضى به الشعب المسلم عقيدة وشريعة. والمسلم أخو المسلم، لا بد أن ينصره على الحق ويدفع عنه أذى المعتدين.

وهناك شعوب مسلمة في أفريقيا تعاني المجاعة التي صنعتها الدول الكبرى، ثم جاءت تعرض عليهم المساعدة في صور تلفزيونية ملفتة للنظر يتخللها الصليب من أي لون كان بينما المسلمون الآخرون الذين حباهم الله بالخيرات غائبون - إلا من رحم ربك - عن ساحة البذل والعطاء لسد رمق الجوعي ومنع تنصيرهم. 

وهناك حقوق الإنسان المسلم الممتهنة في كثير من ديار المسلمين وغير المسلمين، حقوق دينية ومدنية واجتماعية وسياسية واقتصادية منحها الله لعباده فحرم كثير من المسلمين منها، حرموا منها في ديارهم قبل أن يحرموا منها في ديار غيرهم وغصت السجون والمعتقلات بالأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا أنهم قالوا ربنا الله ثم استقاموا وطالبوا بهذه الحقوق المهدورة.

وهناك الأسلحة النووية الإسرائيلية التي انكشفت أسرارها مؤخرًا تهدد الأمة الإسلامية بأسرها بينما يضرب اليهود كل محاولة تقوم بها دولة إسلامية لامتلاك السلاح النووي كما حدث في العراق، والهند وهي دولة نووية تقف بالمرصاد لمحاولة الباكستان الحصول على هذا السلاح.

وهناك المحاولات المستميتة لشطب معالم الشعب المسلم في بلغاريا بهدم مساجده ورده عن دينه وتغيير حتى أسماء هؤلاء المسلمين من أسماء إسلامية إلى إسماء غير إسلامية كما حدث من قبل في الأندلس.

 وهناك المشكلات المتعددة بين دول المسلمين التي استعصت على الحل في أروقة الأمم المتحدة أو في محكمة العدل الدولية أو من خلال الوساطات أو الاتصالات الثنائية أو المفاوضات المباشرة مما ولد الكراهية والصراع وسفك الدماء واستنزاف الطاقات بين المسلمين. فهل يلقى مشروع الكويت لإنشاء محكمة العدل الإسلامية القبول لدى مؤتمر القمة الإسلامي؟ وهل تكون هذه المحكمة قادرة على حل مشاكل المسلمين فيما بينهم؟

 وهناك الدعاية المغرضة الظالمة التي تروج لها دوائر الغرب الصليبي والدوائر الصهيونية التي تصم العرب بالإرهاب وتصف حركات التحرر الإسلامية بإنها حركات إرهابية، بينما هي - الدوائر الغربية والصهيونية – صانعة الإرهاب الرسمي في العالم. 

قضايا كثيرة لا بد أن يناقشها مؤتمر القمة الإسلامي القادم في الكويت وهي قضايا ملحة وجوهرية ولكن قضية القضايا هي:

  • حضور جميع الدول الإسلامية هذا المؤتمر.
  • والنية الصادقة لدى جميع هذه الدول في حل مشاكل المسلمين.

فإن تعذر حضور الجميع فلا بد أن يعقد المؤتمر بمن يحضر، وإن لم تتوفر النية الصادقة لدى البعض - لأمر أو لآخر - لحل مشاكل المسلمين فلا بد من إلزام هذا البعض - بأسلوب أو بأخر - بالإجماع الإسلامي أو على الأقل برأي الأغلبية. 

ولتكن المصلحة العامة للمسلمين هي هاجس المؤتمرين، فالمصلحة العامة أولى من المصلحة الخاصة وهي في نهاية المطاف مؤدية إليها. وليتذكر هؤلاء الذين يؤثرون مصلحتهم الخاصة على المصلحة العامة أن كثيرًا من الأنظمة في ديار المسلمين ما نشأت إلا بعد أن غابت الخلافة الإسلامية عن الساحة وعاث في ديار المسلمين الاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي ثم خلف من ورائه هذه الحدود.

ونحن لا نتوقع من مؤتمر القمة إعلان ديار المسلمين دولة واحدة هي دولة الإسلام ومبايعة حاكم مسلم واحد هو الخليفة أو الإمام، فتلك غاية المنى باعتبارنا جميعًا مسلمين وهي والله حق لا بد أن يعود لكي نسود، ولكننا نعلم حقيقة الظروف التي تلف العالم الإسلامي هذه الأيام، وحقيقة الأفكار التي يحملها بعض قادة المسلمين، ولذلك فإننا نكتفي بالقول: إن على قادة المسلمين أن يعيدوا النظر جذريًا في كل مسيرة التدهور التي يعاني منها المسلمون اليوم، أن يشخصوا الداء تشخيصًا حقيقيًا لكي يصلوا إلى العلاج، ولتختف كافة المقولات الإقليمية أو العلمانية المعادية للإسلام ما دمنا مسلمين يعمر الإسلام قلوبنا ولتذكر قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا (طه:124) ولنذكر قول رسوله الكريم «المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يظلمه».

المسلمون يجب أن يكونوا كما قال -صلى الله عليه وسلم- كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص. وقال في المسلمين رب العزة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ(الفتح: ٢٩). 

لماذا نقسو على بعضنا بعضًا ونوالي أعداء الله ونحن أولى بالولاء ونفتش عن حل مشاكلنا من خارجنا والحل يكمن فينا؟ عودة إلى الذات أيها المسلمون عودة إلى الله، عودة إلى قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- «لقد تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي» هل هناك كلام أوضح من هذا الكلام؟ وهل هناك علاج أنجح من هذا العلاج لإمة المسلمين؟ لتكن البداية صفاء النفوس وصدق النوايا وطرد وساوس الشيطان ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(الأعراف:200). وليطرح كل ما عنده، ويقدم كل ما عنده، ويطلب العون من إخوانه قادة المسلمين فنحن جميعًا مستهدفون لإننا مسلمون، والترفع جميعًا شعار «أيها المسلمون اتحدوا» فوالله لو اتحدنا لما جرؤ الصهاينة ولا أعوانهم أن يعيثوا في ديارنا ويهددونا بجيوشهم وطائراتهم وقنابلهم النووية.

 تذكروا أيها القادة اجتماع المسلمين الأول في «السقيفة» وإدلاء كل صاحب رأي برأيه ثم الوصول إلى اتفاق، نعم اتفاق، كان من نتائجه الحفاظ على الإسلام والمسلمين، ثم بعد ذلك القضاء على الفتنة الداخلية «المرتدين» ثم بعد ذلك دحر الأخطار الخارجية «الفرس والروم» وسيادة الإسلام والمسلمين في أرجاء المعمورة ولولا ذلك لما اجتمع في مؤتمركم هذا مسلمون من كافة أرجاء الأرض، فهل نكون أبناء أوفياء لآباء عظام؟

 إن قضايا ساخنة ومهام عظيمة تنتظركم أيها القادة، تحتاج إلى رجال عظام يفتح لهم التاريخ أبوابه ليدخلوه قائلين: «نحن لها» أشرنا إلى بعض هذه القضايا إجمالًا من خلال هذا المقال، وسنتناولها تفصيلًا إن شاء الله في مقالات لاحقة، فلا تخيبوا رجاء الأمة التي طال انتظارها، امسحوا من تاريخنا المعاصر، الصفحات السوداء دماء المسلمين التي تذهب هدرًا تستصرخكم، أنات الثكالى تطرق أسماعكم، ودموع اليتامى تتراءى أمام عيونكم، والمسلمون الجوعى يفتحون أفواههم وفلسطين التي من حولكم، والمعتقلون ظلمًا من المسلمين ينتظرون الفرج على أيديكم، والأشبال الذين يتصدون لليهود بالحجارة هم أبناؤكم والمسجد الأقصى المهدد بالانهيار بفعل حفريات اليهود هو قبلتكم الأولى باركها الله ودنسها اليهود تقول: أین أنتم؟

أوقفوا الحرب العراقية الإيرانية، أوقفوا حرب المخيمات انصروا مجاهدي أفغانستان، ثم تفرغوا لحل المشاكل الأخرى بروح الجماعة، روح الإسلام.

الرابط المختصر :