العنوان القوقاز: العدوان على مسلمي القوقاز تزييف التاريخ.. وتشويه الجغرافيا
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
مشاهدات 87
نشر في العدد 1370
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
• الأراضي الإسلامية تحت الاحتلال الروسي لم يكن يذكرها أحد قبل انهيار الشيوعية غابت عن القاموس السياسي ولم تحظ باهتمام الغرب.
• هناك أراضي ذائبة في الاتحاد الروسي لقيت مصير الأندلس بعد تفريغها من أهلها.
يبدو أن
الحرب التي تشنها روسيا ضد مسلمي القوقاز لن تضع أوزارها عما قريب... فوقائعها تنتقل
من قطر إلى قطر، فقبل أسابيع شهدت داغستان فاصلًا داميًا من هذه الحرب، بعدها عادت
الشيشان لتكون مسرحًا أشد دموية بعد أن اجتاحتها روسيا أواخر الأسبوع الماضي لتقضي
على ما عمره أهل الشيشان بعد الغزو الروسي البربري لأراضيهم والذي دام عامين
(١٩٩٤م - ١٩٩٦م). هذه الأحداث المأساوية التي تعيشها منطقة القوقاز تثير التساؤلات
حول خريطة التواجد الإسلامي في القوقاز، وخاصة أن عددًا من المناطق تم تجاهلها تاريخيًا
وجغرافيًا بغية التعمية على حقيقة التواجد الإسلامي في تلك المنطقة. إلى وقت
قريب لم تتحدث المفردات السياسية عن الأراضي الإسلامية، تحت السيطرة الروسية إلا نادرًا،
وإذا كانت الدول الغربية تمارس سياسة رفض الاعتراف القانوني الدولي بالاحتلال الروسي
لأراضي البلطيق مثلًا، إلا أنها لم تصنع مثل ذلك بالنسبة إلى أراضي المسلمين ما بين
المحيط الهادي شرقًا والبحر الأسود غربًا، وهي التي عرفت في كتب التاريخ الإسلامية
بمنطقتي القوقاز وتركستان الغربية.. «تقع تركستان الشرقية تحت سيطرة الصين الشعبية»،
وهذه الأراضي الشاسعة موجودة بشكل عام في :
۱ - الجمهوريات
الإسلامية في وسط آسيا والتي استقلت بسقوط الاتحاد السوفييتي، وهي طاجيكستان وقيرغيزيا
وتركمانيا وأذربيجان وكازاخستان. وتوجد أراض إسلامية أخرى تابعة لجورجيا وأرمينيا
.. إداريًا وسياسيًا، حيث يمثل المسلمون فيها أقلية.
٢ - «الجمهوريات والمقاطعات في شمال القوقاز... التي لم تحصل على الاستقلال، وتتبع الاتحاد الروسي حتى الآن، وقد اشتهر على الألسنة من بينها بسبب الأحداث المعروفة كل من داغستان وتتاريا والشيشان وأنجوشيا.. وغيرها «إحدى عشرة جمهورية».
والجدير بالذكر والتأمل هنا، أنه لم يكن أحد -إلا
من رحم ربي- يذكر هذه الجمهوريات الإسلامية وأوضاعها قبل انهيار الشيوعية. ويسري موقف
مشابه في الوقت الحاضر على المناطق الإسلامية في شمال القوقاز، والتي تشهد ثورات لم
تنقطع منذ مطلع التسعينيات الميلادية طلبًا للتحرر بل بات بعض المنتسبين إلى فئة المفكرين
والمثقفين يحذر من الدعم المعنوي على الأقل لمطالبة شعوب تلك المناطق بالاستقلال، فهذا
يتناقض في نظر هذه الفئة مع الواقعية السياسية.. وهي الحجة ذاتها التي كانت تتردد بمنطق
«متخاذل» يتقمص ثوب الواقعية السياسية، بصدد أذربيجان وطاجيكستان وأخواتها في العهد
الشيوعي هذه ملاحظة يدعو إلى ذكرها أننا يمكن أن نرصد كيف يبلغ الأمر مداه مع أدعياء
تلك الواقعية المقلوبة رأسًا على عقب، عندما نضيف إلى ما سبق قسمين آخرين من الأراضي
الإسلامية والشعوب المسلمة، التي تخضع خضوع استعمار واغتصاب للسيطرة الروسية فمن الأراضي
الإسلامية أيضًا:
٣- ما
هو معروف نسبيًا، ولكن اعتبر من الأراضي الضائعة نهائيًا، على غرار الأندلس ويمكن وصفه
بالأراضي الإسلامية تاريخيًا والتي أدت سياسات الإبادة والتهجير في العهدين القيصري
والشيوعي إلى تفريغ تلك الأراضي حتى أصبحت خالية من المسلمين أو شبه خالية مثل أراضي
سيبيريا الشاسعة والغنية بالنفط حيث قامت مملكة سيبر التتارية الإسلامية وقضى عليها
إيفان الرهيب في القرن السادس عشر الميلادي .. أو مثل شبه جزيرة القرم على الساحل الشمالي
للبحر الأسود، ولا تتبع للروس حاليًا، وكانت نسبة المسلمين التتار فيها أكثر من ٩٠٪
وأجلاهم الشيوعيون عنها وشردوهم في المنفى بسيبيريا وسواها، وتم توطين الروس فيها.
حيث أصبحت أشهر منتجعات «الساسة الروس»« تتبع للدولة الأوكرانية في الوقت الحاضر».
وقد عاد إليها في هذه الأثناء، وخلال النصف الأول من التسعينيات الميلادية، نحو مائة
وخمسين ألفًا من أهلها التتار المشردين عنها من قبل، ولكن أجبر القسم الأعظم منهم على
البقاء في المغارات والكهوف والخيام في الجبال والوديان وعلى أطراف العاصمة، لأن الحكومة
المحلية وحكومة كييف تخشيان من ارتفاع نسبة المسلمين في القرم من جديد.
٤- ثم توجد الأراضي الإسلامية الشاسعة المغتصبة إداريًا .. وهو أسلوب آخر من أساليب اقتطاع أرض المسلمين واغتصابها، لا يختلف كثيرًا عن الأسلوب الإداري الصهيوني بفلسطين الذي جعل من ثلث الضفة الغربية ارضًا تابعة للقدس إداريًا، ثم اعتبر القدس غير قابلة للمفاوضات.. أما الاغتصاب على الطريقة الروسية، فشمل بصورة خاصة جزءً كبيرًا من أراضي المسلمين التي كانت تابعة إداريًا لكازاخستان قبل استقلالها، وتقع الآن ضمن الأراضي التابعة للاتحاد الروسي على امتداد حدود كازاخستان الشمالية الرسمية، وقد الحقت بروسيا «بمعنى جمهورية روسيا التي تشكل وحدة سياسية إدارية في إطار الاتحاد الروسي» كأقاليم ومقاطعات، ومن ذلك جومو التاي ، وتوفا.
وبورجاتيين
وغيرها. الجدير بالذكر أيضًا أن كلمة «شمال القوقاز». المتداولة في الوقت الحاضر، تستخدم
للتعبير عن بعض الجمهوريات والمقاطعات الإسلامية تحت سيطرة الاتحاد الروسي، أي داغستان
والشيشان وأوستنيا الشمالية وأنجوشيا.. ولا تشمل مجموعة أخرى من الأقاليم والمقاطعات
والجمهوريات الواقعة إلى الشمال من شمال القوقاز، على السفوح الغربية لجبال الأورال
وأهمها باشكيريا وتاتاريا وكارتشاي الشركسية وقبارديا - بلغار، وماري .. ثم مناطق «مغتصبة
إداريًّا»، ضمت إلى إدارة جمهورية روسيا في العهود السابقة، ولم تعد توجد على الخرائط
الإدارية الراهنة علامات تثبت حدودها السابقة.
توزع المسلمين في الاتحاد الروسي
كما كان
الحال في العهد الشيوعي السوفييتي، لا تتوافر الآن أيضًا معلومات إحصائية مضمونة عن
عدد المسلمين وتوزعهم في الاتحاد الروسي، فالسلطات تمنع أو تتجنب ذكر الانتماء الديني،
ولكن ما يذكر من معلومات عن الانتماء العرقي يساعد على الوصول إلى تقديرات قريبة من
الصحة. وينبغي التمييز هنا بين استخدام بعض التسميات ولاسيما التتار و الترك، استخدامً
سياسيًا واجتماعيًا بحكم الاعتياد لوصف سائر المسلمين في الاتحاد الروسي دون تمييز،
وبين استخدام هذه التسميات بالمفهوم الاصطلاحي للتوزع السكاني العرقي، وهو ما يعتمد
في السطور التالية انطلاقًا من أن أقل التقديرات الغربية تنطلق من ١٥ مليون مسلم أي
۱٠ ٪ من سكان الاتحاد الروسي، بينما يصل بعض التقديرات الإسلامية إلى ٢٥ مليون مسلم..
أكبر الشعوب الإسلامية عددًا تحت السيطرة - الروسية حاليًا هم «التتار».. والأصل أنهم
انتشروا في سائر أرجاء الاتحاد الروسي بحدوده الراهنة، أي من ساحل المحيط الهادي، حيث
أقاموا - مملكة سيبير إلى أقصى غرب «روسيا الأوروبية» - فقد وصل سلطانهم في فترة من
التاريخ إلى بودابست عاصمة المجر وبلجراد عاصمة صربيا ثم كانت الحملات العسكرية الروسية
الأولى التي ادت إلى تجمعهم في منطقة القوقاز في الدرجة الأولى من جديد وشردتهم سياسة
التهجير الشيوعية في عهد ستالين في أنحاء سيبيريا وغيرها من المناطق التابعة للاتحاد
الروسي وأصبح بعضهم في الجمهوريات المستقلة مثل كازاخستان أو حاول العودة إلى موطنه
الأصلي في شبه جزيرة القرم داخل نطاق الحدود الأوكرانية. ولعل الثلث فقط أو أقل من
التتار في نطاق الحدود الروسية هم من يعيش في جمهورية تشاريا، شمال غرب القوقاز، والتي
حصلت على حكم ذاتي بصلاحيات واسعة، بينما يتوزع الباقون على مختلف المناطق الأخرى مثل
موسكو نفسها. حيث يمثلون النسبة العظمى من أكثر من مليوني مسلم يعيشون فيها وترجح أن
يكون عددهم بين ٥،٦ ملايين مسلم تتاري بالمجموع ويلي التتار من حيث العدد المسلمون
«الكرج»، كما يذكرهم المؤرخون المسلمون، وقد يصل تعدادهم إلى أكثر من 4 ملايين مسلم
يعيش قسم منهم في جمهورية كارتشاي الشركسية مع الشراكسة الذين عرفوا باسم «الأديجة»
أيضًا، وهم في حدود ٢.٥ مليون مسلم على أقل تقدير، هذا علاوة على المسلمين الشيشان
في حدود ١.٥ مليون ، والداغستانيين بعدد مماثل، وكذلك المسلمون «الأنجوش» الذين سجلت
التقسيمات الإدارية وعمليات التهجير والتشريد والبطش في حقهم رقمًا قياسيًا، حتى في
نطاق ما تعرض له مسلمو القوقاز عمومًا. وكانوا في العهد الروسي الجديد أيضًا في مقدمة
من تعرض للبطش العسكري الروسي بحجة الفصل في منازعاتهم مع الأوستينيين في أوستينيا
الشمالية، عقب إعلان الطوارئ في المنطقتين عام ١٩٩٢م . ويقدر عدد الأوستينيين بنصف
مليون تقريبًا، يعيش قسم منهم في إقليم تابع للاتحاد الروسي هو أوستينيا الشمالية،
كما يوجد أوستينيون يعيشون خارج حدود الاتحاد الروسي في أوستينيا الجنوبية الملحقة
بجورجيا .. ويسري هذا، أي وجود نسب عالية من الشعوب الإسلامية في المنطقة، في حياة
المنفى والتشريد على سائرها، كالشركس الذين ترتفع نسبتهم في الأردن، أو الشيشانيين
الذين ترتفع نسبتهم في تركيا وغيرهم. ويتبع للوجود البشري الإسلامي في المنطقة أيضًا
الأبخاز أو الأباظة، في منطقة أبخازيا الملحقة بجورجيا والتي شهدت أحداثًا عنيفة منذ
استقلال جورجيا، وسبق تهجير أكثر من ٧٠٪ من الأبخاز عن أرضهم لتوطين الروس والجورجيين
مكانهم، وعلى الرغم من ذلك أصبحوا يمثلون الغالبية في الإقليم مجددًا، ويبلغ عددهم
فيه نحو ١٢٠ الفًا، ولكن يوجد أكثر من ٥٠٠ ألف مهاجر أبخازي في تركيا، وعدد آخر مجهول
في سواها!.