العنوان ملف الانتخابات الرئاسية اليمنية «3 من 3»
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
مشاهدات 67
نشر في العدد 1368
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
- القوى السياسية بين المشاركة والمقاطعة
أثارت المراحل التمهيدية للانتخابات الرئاسية في اليمن خلافات بين الأحزاب وفرقاء الحياة السياسية، على الرغم من أن المعركة الانتخابية نفسها كانت لاتزال بعيدة زمنيًا ويمكن القول إن هذه الخلافات قد خلطت الأوراق في اليمن وربما يحتاج الأمر إلى زمن ليس قصيرًا - المعرفة هل ستشكل نتائج هذه الخلافات واقعًا سياسيًا جديدًا أم أن منعطفات قادمة سوف تخلط الأوراق من جديد؟
ويمكن القول إن مواقف الأحزاب في اليمن وتقييماتها للموقف وتوقعاتها لنتائج أول انتخابات رئاسية هي التي عملت على إثارة الخلافات قبل موعد الحملة الانتخابية، فيما أضافت الانتقادات الحادة للجنة العليا للانتخابات مزيدًا من الخلافات، بعد أن اكتشفت الأحزاب المعارضة أن المخالفات والتجاوزات ما تزال مستمرة في المرحلة التمهيدية للانتخابات لكن النقطة الوحيدة التي اتفقت آراء الأحزاب اليمنية حولها هي الأهمية السياسية والتاريخية لأول انتخابات رئاسية تجري في اليمن في تاريخه الحديث وعلى أساس تعددي ومباشر، وهي نقلة غير معهودة في معظم الجمهوريات العربية التي لم تعهد أن يتنافس مرشحون للفوز بمنصب الرئاسة.
ومنذ أن بدأت بواكير الاهتمامات السياسية بالانتخابات الرئاسية في أكتوبر ۱۹۹۸م، عاشت الأحزاب اليمنية فترة من الجدل الفكري والسياسي، بعضه كان داخليًا والبعض الآخر بين بعضها البعض حول الموقف من الانتخابات والمشاركة فيها أو مقاطعتها.. لأسباب متعددة بعضها سياسي والآخر من نوع اليأس من أي خطوة تغييرية متوقعة.
وهذا الجزء الأخير من ملف الانتخابات الرئاسية في اليمن يستعرض مواقف الأحزاب اليمينية الرئيسة من الانتخابات، ويحلل الدوافع التي أدت بالأحزاب إلى اتخاذ تلك المواقف.
أولًا: المؤتمر الشعبي العام
لم تثر انتخابات الرئاسة خلافات أو تباينات في وجهات النظر داخل حزب المؤتمر، فرئيس الحزب هو رئيس الجمهورية نفسه، وهو المرشح الذي أجمعت كل الآراء على أنه الفائز في الانتخابات دون جدال.. ولعل ذلك يفسر الهدوء الظاهر الذي يعامل به المؤتمر طوال الفترة التي سبقت إعلان أسماء المرشحين، وربما كانت المسألة المهمة لدى قيادة المؤتمر هي معرفة موقف الحزب الأكثر شعبية، وهو التجمع اليمني للإصلاح، لأنه الوحيد القادر على خوض معركة انتخابية ساخنة إعلاميًا وسياسيًا، لكن الإصلاح، أعلن منذ وقت مبكر أنه لن يتقدم بمرشح خاص به بل كانت المفاجأة التي لم يتوقعها كثير من الأوساط، أن قياديين في الإصلاح أعلنوا أن الرئيس علي عبدالله صالح، هو مرشح الإصلاح!
وقد أدى ذلك الترشيح المبكر والمفاجئ إلى تخفيض حدة الانتخابات المتوقعة، ولم يبق أمام حزب المؤتمر مرشح من الوزن الثقيل يمكن أن يضطره إلى الإعداد القوي والمكثف للانتخابات القادمة.. وصار الحزب الحاكم مضطرًا - بعد ذلك - إلى العمل لضمان وجود مرشح واحد - على الأقل - كما يقتضي الدستور اليمني الذي يفرض على مجلس النواب تزكية مرشح آخر، في حالة وجود مرشح واحد فقط.
ويبدو أن حزب المؤتمر الحاكم كان حريصًا على أن تجري أحداث الانتخابات الرئاسية الأولى من نوعها في اليمن في أجواء منضبطة سياسيًا وإعلاميًا، ولا يتحقق ذلك إلا بنوعية معينة من المرشحين الذين لا يعرف عنهم الميل إلى الحدة السياسية والمناكفة اللسانية، ولذلك لم يكن غريبًا أن تعرض القيادة اليمنية فكرة الترشيح على عدد من الشخصيات السياسية اليمنية التي تعيش خارج اليمن مثل الرئيس السابق علي ناصر محمد أو القيادي الاشتراكي سالم صالح محمد، كما تردد في الصحافة حينها وحتى عندما أعلن الاشتراكي وحلفاؤه عزمهم على المشاركة في الانتخابات بمرشح يمثل الأحزاب الخمسة المتحالفة، لم يكن المؤتمر يتوقع أن يقع الاختيار على أمين عام الحزب الاشتراكي علي صالح عباد المعروف بالحدة والتورط في الملاسنة التي لا تراعي حتى أبسط الشكليات في التعامل مع الآخرين.
أدى ترشيح أمين عام الحزب الاشتراكي إلى إثارة جدل حاسم داخل حزب المؤتمر الحاكم وجعلت الحزب يراجع قرار سابق له بدفع عدد من أعضائه لتزكية مرشح المعارضة وحدث انقسام في الرأي داخل الحزب الحاكم بين المؤيدين والمعارضين لمنح التزكية ورجحت كفة المعارضين بعد نشر تصريحات صحفية لمرشح المعارضة المفترض حملت كل مفردات الاستفزاز والمناكفة السياسية المشهورة عنه، مما حسم الأمر وأدى إلى إقرار منع التزكية عن المرشح المشاغب.. وأعد المؤتمر أوراقه للتوافق مع الدستور، فتم تزكية مرشح آخر ينتمي للحزب الحاكم وهو نجل أول رئيس للجمهورية في «عدن».. وبالفعل حصل المرشحان على التزكية الدستورية المقررة، وتم إبعاد أمين عام الاشتراكي بطريقة قانونية، وضمن الحزب الحاكم بذلك إجراء الانتخابات الرئاسية في أجواء هادئة لم يشبها صراع سياسي حاد ولا مهاترات عنيفة يصعب تحملها في منافسة سيكون الرئيس نفسه هو طرفها الأول والرئيس.
ثانيًا: التجمع اليمني للإصلاح
منذ انتهت الانتخابات النيابية في أبريل ۱۹۹۷م، والإسلاميون يضعون في صدارة اهتماماتهم ضرورة تصحيح الإجراءات الأولية لأي انتخابات قادمة، فقد كشفت انتخابات ۱۹۹۷م، أن استمرار وجود المخالفات والخروقات في سجلات الناخبين معناه أن نتائج أي انتخابات قد صارت محسومة سلفاً لصالح الحزب الحاكم، ومنذ بدأت الملامح الأولى لاهتمام الأوساط اليمنية بالانتخابات الرئاسية، كان الإسلاميون منشغلين بقضية تصحيح السجلات التي اعتبروها أهم مرتكزات العملية الديمقراطية، وظلوا طوال الأشهر الأولى من العام ۱۹۹۹م، وهم يضغطون بهذا الاتجاه سياسيًا وإعلاميًا.
أما بالنسبة لانتخابات الرئاسة، فالواقع أن الإسلاميين ينظرون إليها من خلال رؤيتهم الكلية لتطور الأوضاع العامة في اليمن، ووفقًا لقاعدة مراعاة سنن التطور التي تحكم المجتمعات البشرية، ولذلك لم تكن المنافسة في انتخابات الرئاسة مسألة أساسية في أولوياتهم، أو كما عبر أحد قيادات الإصلاح بأن الأولى - في مجتمع كاليمن لا يزال حديث عهد بالتجربة الديمقراطية - أن يحاول ممارسة مبدأ التداول السلمي للسلطة في مستويات أقل من مستوى رئاسة الجمهورية.. بمعنى أن تبدأ عملية التداول عند مستوى النقابات والمنظمات الجماهيرية ثم الحكومة نفسها.
هذه القاعدة التي تحكم موقف الإسلاميين في اليمن كانت أحد مبررات إعلانهم المبكر - في أكتوبر ۱۹۹۸م - أن الرئيس علي عبدالله صالح مرشحهم في الانتخابات الرئاسية.. وهو الإعلان الذي أثار جدلًا إعلاميًا طويلًا، بل وأثار اعتراضات - وإن كانت قليلة - داخل التجمع اليمني للإصلاح نفسه!...
وفيما حسم الإسلاميون موقفهم في مجلس الشورى العام إلا أن الآخرين، ولا سيما الحزب الاشتراكي وحلفاؤه بالغوا في محاولة استثمار إعلان الإصلاح ترشيح الرئيس على صالح في الانتخابات كما لوحظ أن بعض مراكز النفوذ داخل الدولة نفسها، والمعروف عنها عداؤها للإسلاميين، أسهمت- من خلف الستار - في استهداف الإسلاميين وقرارهم!
بني الإسلاميون موقفهم على جملة من الحيثيات، كان أبرزها أن الدخول في معركة انتخابية ضد شخص رئيس الجمهورية نفسه ومنافسته ستكون مسألة غير هيئة، ولا سيما في ضوء واقع أن أجهزة الدولة ما تزال غير قادرة على استيعاب حقيقة المنافسة الانتخابية وما تقتضيها من حملات انتخابية سياسيًا وإعلاميًا فما تزال بيروقراطية الماضي تحكم تصرفات كثير من أجهزة الدولة والتي لن ترى في منافسة الإسلاميين - المتوقع أن تكون قوية - إلا مناسبة لتكرار ما حدث في الانتخابات النيابية عام ١٩٩٧م.. عندما تعرض كثير من الإسلاميين للمضايقة والاحتجاز العشوائي من قبل بعض السلطات المحلية التي يبدو أنها وجدت أنه من واجبها توفير أقصى ما يمكن توفيره من فرص لفوز حزب الرئيس بالأغلبية!
بالإضافة إلى ذلك، فإن الإسلاميين وجدوا أن هناك قناعة جماعية أن الرئيس علي صالح هو المرشح للفوز بأغلبية ساحقة، وبالتالي فإن المشاركة بمرشح في انتخابات معروفة النتائج سلفًا لن تكون مبررة مع سلبياتها العديدة المتوقعة.
ويؤكد الإسلاميون أن موقفهم من رئيس الجمهورية يختلف عن موقفهم من الحكومة والحزب الحاكم الذي يرأسه رئيس الجمهورية.. فالعلاقة بين الرئيس والإسلاميين تحكمها قواعد أخرى تختلف عن موقف معاوني الرئيس الذين يرى بعضهم أن الإصلاح، خصم لهم فيما يرى الرئيس أن الإصلاح لا يجوز التعامل معه مثل بعض أحزاب المعارضة التي لا تفرق - أحيانًا - في مواقعها السياسية بين النظام» و«الوطن».
موقف الإصلاح في ترشيح الرئيس لم يمر بسهولة - كما أسلفنا - فقد اتهمه صحفيون ومتابعون - موالون للاشتراكي وحلفائه - بأنه موقف مساومة مقابل منافع شخصية ومادية وحزبية!.
لكن هذا الموقف يعكس ادعاءات أكثر مما يكشف عن حقائق.. فلا شك أن إثارة الصدام بين الإسلاميين والدولة إحدى الأهداف التي تسعى لها جهات داخل اليمن وخارجه.
الحزب الاشتراكي وحلفاؤه
شكل الحزب الاشتراكي اليمني - بعد هزيمته في حرب ١٩٩٤م - مجلسًا للتنسيق مع عدد من الأحزاب التي أيدت مواقفه في الأزمة السياسية الشهيرة والحرب الأهلية ١٩٩٣م - ١٩٩٤م.. لكن هذا التحالف الذي ضم عدداً من الأحزاب منها الناصري والبعثي تعرض لهزة عنيفة في انتخابات ۱۹۹۷م، عندما رفضت ثلاثة أحزاب - أهمها الاشتراكي - المشاركة، بينما وافق الناصريون والبعثيون على المشاركة .. لكن التحالف سرعان ما استعاد جزءاً من نشاطه بعودة الحزب الاشتراكي فقط إلى عضويته، بينما ظل حزبان خارجه احتجاجاً على مشاركة بعض أحزابه في الانتخابات!.
قرر «الاشتراكي» وحلفاؤه المشاركة في الانتخابات النيابية كل من منطلقه الخاص به، لكن موقف الاشتراكيين كان الأهم باعتبار مقاطعتهم للانتخابات النيابية عام ۱۹۹۷م، حيث صوتت أغلبية كاسحة في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي إلى جانب المشاركة.
الموقف الاشتراكي كان واضحًا في منطلقاته، فقد أدت المقاطعة عام ١٩٩٧م إلى جعله حزبًا شبه معزول، وخسر وجودًا في البرلمان كان يمكن أن يجعله قناة قوية معبرة عن آرائه ومواقفه العامة ولذلك تغلب تيار المشاركة هذه المرة، وبدأ الاشتراكيون يبحثون عن اسم لترشيحه قبل أن يستقر بهم الأمر على أمينهم العام على صالح عباد «مقبل» وتم الاتفاق عليه مع حلفائهم في مجلس تنسيق المعارضة.
- تراشقات إعلامية وخلافات سياسية سبقت المعركة الانتخابية بشهور وانتهت بمواضيع أخرى لا علاقة لها بالمنافسة الانتخابية
ويبدو أن اقتراح اسم الأمين العام للحزب الاشتراكي كمرشح في الانتخابات الرئاسية هو اختيار اضطراري فقد رفض الترشيح باسم مجلس تنسيق عدد من قيادات الحزب، أن الأحزاب الحليفة للحزب الاشتراكي قدمت أسماء أقل شهرة ومع ذلك، فقد كانت نقطة الضعف الخطيرة في التحالف، أن أحزابه لا تملك نسبة (۱۰%) من مقاعد مجلس النواب لتتمكن من تزكية مرشحها وفق الدستور، لكن التحضيرات استمرت بعد إشارات وتصريحات قوية من قبل الحزب الحاكم أبدى فيها عزمه على دعم مرشحين معارضين للدخول في المنافسة الانتخابية.. ويبدو أن طبيعة الحدة والانفعال المشهورة عن أمين عام الحزب الاشتراكي غلبت الرجل فأطلق تصريحات حادة ضد الحزب الحاكم والحزب الثاني ومجلس النواب الذي يسيطران عليه، مما جعل التيار المعارض لمنح أمين عام الاشتراكي التزكية المطلوبة يتبنى قرار منع التزكية عنه.. وهو ما حدث بالفعل داخل مجلس النواب.
كان قرار منع التزكية ضربة غير متوقعة للحزب الاشتراكي وحلفائه، وبدا واضحًا أنهم تلقوا تأکیدات قوية من السفيرة الأمريكية بصنعاء بأنهم سوف يحصلون على تزكية الحزب الحاكم، وربما كان هذا هو السبب الذي جعلهم يبدون واثقين في تحركاتهم وتصريحاتهم الصحفية الساخنة، ويصح القول إن مفاجأة منع التزكية وخروج الاشتراكيين وحلفائهم أربك تحركاتهم فلم يصدر منهم سوى بیانات وتصريحات غاضبة ولم يستطع التحالف - حتى الآن - تنظيم فاعليات حقيقية على المستوى الجماهيري والشعبي واكتفى بإصدار نداء لليمنيين يدعوهم إلى عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية وربما كان اختيار عدم المشاركة وتفضيله على مصطلح المقاطعة، راجعًا إلى رؤية حذرة.. لأنه من اليسير على الحزب الحاكم وحلفائه أن يثبتوا فشل نداء المقاطعة، نظرًا للشعبية الضخمة التي يتمتع بها حزب المؤتمر والإصلاح.
وبالطبع هناك مجموعة أخرى من الأحزاب الصغيرة التي اتخذت مواقف إما مؤيدة للمؤتمر الشعبي أو أعلنت عدم اقتناعها بالمشاركة في الانتخابات احتجاجًا على عدم توافر ظروف ملائمة للمنافسة المتكافئة، ومن الأحزاب المقاطعة للانتخابات منذ البداية حزبا التجمع الوحدوي ورابطة أبناء اليمن جناح عبد الرحمن الجفري لكن تأثير موقفهما يبقى ضئيلًا بسبب ضعف الوجود الشعبي للحزبين!.
وربما يلاحظ المتابع لمواقف الأحزاب اليمنية أن الخلافات السياسية والتراشقات الإعلامية سبقت المعركة الانتخابية بشهور واختصت بمواضيع أخرى لم يكن لها علاقة أساسية بموضوع التنافس الانتخابي.. وهو ما يدل على أن الصورة العامة للوسط السياسي اليمني لا تزال بحاجة إلى زمن وظروف معينة لتبدو أكثر نضوجًا وفاعلية في الأداء السياسي.