; القيم والمجتمع (2131) | مجلة المجتمع

العنوان القيم والمجتمع (2131)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 01-مايو-2019

مشاهدات 88

نشر في العدد 2131

نشر في الصفحة 17

الأربعاء 01-مايو-2019

مقدمة الملف  القيم والمجتمع.. حماية متبادلة

تعد القيمُ السياجَ الذي يحمي المجتمعات، ويحوطها من عاديات الدهر، ومن انتشار مظاهر التفسخ الداخلي الذي تكون نهايته الانهيار والتحلل؛ فكم من حضارة شيدت أركانها المادية والمعمارية لكنها غفلت عن الجانب القيمي والأخلاقي فكانت عرضة للذبول، ومن ثَم الزوال والاندحار.

وإذا كانت القيم حامية للمجتمع من ناحية، فإن المجتمع حامٍ وراعٍ للقيم من جهة أخرى؛ فهو الذي يقوم على فسح الطرق أمام انتشار القيم الفاضلة، وإغلاقها وتضييقها أمام السيئ منها حتى تنمحي.. فالحماية إذن متبادلة بين المجتمع ومنظومة القيم.

والشرائع السماوية كلها، وعلى رأسها شريعتنا الغراء، جاءت لترسيخ وسائل هذه الحماية؛ حفظاً للمجتمعات ورعاية لها.

وفي هذا العدد الذي يتزامن مع بداية شهر القيم والخير شهر رمضان المبارك، تقدم «المجتمع» هذا الملف الذي يعرض للموضوعات التالية:

- كيف يحمي المجتمع الإسلامي منظومته القيمية؟

- 7 قيم تأسيسية للأسرة الناجحة.

- غرس القيم لدى الأطفال.. دليل عملي.

- قيم الأمة في القرآن الكريم. 

 

كيف يحمي المجتمع الإسلامي منظومته القيمية؟

 

القيم ليست مكتسبات محصَّنة من الضياع بل هي عرضة للتغير ما لم تتحصن بوسائل حماية

الإسلام أمر بستر الأخطاء لأن نشرها يؤدي إلى تطبيعها ويشجع المتردد على اقترافها

من لم يزحف بمبادئه زُحف عليه بكل مبدأ والنفس تتشرب من المبادئ الأخرى

شاربو الخمر يحبون أن يشرب كل من حضر عندهم إما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير وإما حسداً له

حامد العطار

 

المجتمع الإسلامي له قيمه وآدابه التي تميزه عن غيره من المجتمعات السائبة، تعبر عن شخصيته العامة، وتُبرز سلوكياته المنضبطة.

ومن خصائص هذه القيم والسلوكيات أنها ليست مكتسبات محصَّنة من الضياع والتنقص، بل هي عرضة للذبول والتغير والتبخر، ما لم تتحصن بوسائل الحماية اللازمة، شأنها في ذلك شأن الشخصية الإنسانية القابلة للتغير العنيف الذي حدثنا عنه القرآن فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً) (النساء: 137)؛ فالشخصية الإنسانية قابلة لهذا التغير العنيف: آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً، وما المجتمعات إلا مجموعة من الأفراد والشخصيات!

 

حرص الإسلام على أن يقدم مجموعة من التدابير لحماية قيم المجتمع الإسلامي من الاختراق والضياع، منها:

لا تصاحب إلا مؤمناً:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ أنه سمع النبي [ يقول: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي»(1)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي [ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»(2)، فالخلة الحقيقية لا تتصور إلا في الموافقة الدينية.

يقول الإمام الغزالي: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدرى(3). 

ولا ينكر أحد دور الصداقة في تكوين الاتجاهات والثقافات، وتبديل الميول والاهتمامات؛ ولذلك كان مما ذكره القرآن من تعليل حرمة زواج المسلم بالمشركة قوله: (أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) (البقرة: 221)، فالمساران مختلفان، والطريقان متغايران، فأُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وأنت أيها المسلم لك منهج آخر، من معالمه أنه (وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) (البقرة: 221)، وطول العشرة سيكون لها تأثيرها.

الجليس الصالح:

ولم يقف الأمر عند اختيار الصديق الملازم، بل حتى الجلسات العابرة، التي لا تكون بالضرورة بين الأصدقاء، ندب النبي [ أن يختار فيها المسلم جليسه، فعن أبي موسى قال: قال رسول الله [: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة» (متفق عليه).

يقول ابن تيمية: كثير من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم، ومعاداتهم لمخالفيهم.

وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيراً ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم؛ إما للمعاونة على ذلك، وإما بالموافقة، كما في المجتمعين على شرب الخمر؛ فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم؛ إما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير، وإما حسداً له على ذلك، لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم، وإما لئلا يكون له عليهم حجة، وإما لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه، أو بمن يرفع ذلك إليهم، ونحو ذلك من الأسباب، قال الله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة: 109)، وقال تعالى في المنافقين: (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) (النساء: 89)، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ودت الزانية لو زنى النساء كلهن»(4).

نشر الفضائل:

ربما كانت الوسائل السابقة وسائل لتحصين الفرد مع مجموعة محدودة، مع الصديق، والجليس، لكن ذلك لا يكفي في إصلاح المجتمع، وغرس قيم الخير فيه؛ فلذلك كانت هناك وسائل أخرى، منها نشر الفضائل، أي المجاهرة بها، والإفصاح عنها بغية الاقتداء في ذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) (البقرة: 271)، هذا لمن قويت نفسه على المجاهرة مع تحقيق الإخلاص، وإلا فإنجاء نفسه أوجب.

ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية أثر ظهور نشر الفضيلة فيقول: فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير؛ فكم ممن لم يرد خيراً ولا شراً حتى رأى غيره -لا سيما إن كان نظيره- يفعله ففعله! فإن الناس كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض.

ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر له مثل من تبعه من الأجر والوزر، كما قال النبي [: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً»(5).

حدثني رجل أعمال كبير أنه كان مدعواً على الإفطار في رمضان في أحد الفنادق الكبرى، فذهب متوضئاً، ولما أُذّن للمغرب نظر فلم يجد مكاناً مخصصاً للصلاة، فنادى في المدعوين: إنني سأصلي المغرب فأنا متوضئ، وبدأ الصلاة وحده، يقول: فانضم إليه عدد كبير من المدعوين، كانوا أصـلاً متوضئين، لكنهم لم يجرؤوا على المبادأة مع أنهم كانوا متوضئين ومستعدين للصلاة، وبحث آخرون عن الحمامات ليتوضؤوا ويدركوا الصلاة.

الستر على النفس والغير:

حرص الإسلام على عدم نشر الفواحش والسيئات في المجتمع؛ لأن نشرها يؤدي إلى تطبيع الفاحشة بجعلها شيئاً طبيعياً في المجتمع، ويشجع المتردد، ولِمَ لا وقد بدا له الأمر عادياً وسائداً، فمن ذلك قوله [: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الجهار أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه»(6).

ويقول [: «اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عز وجل عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله عز وجل»(7).

وفي القرآن: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (النور: 19).

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

من وسائل حماية القيم الدينية في المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي القرآن: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {104}) (آل عمران).

فمن لم يزحف بمبادئه زُحف عليه بكل مبدأ وفكرة، والنفس تتلقى وتتشرب من الأخلاق والمبادئ الأخرى.

فإذا قام الناس بذلك المطلب العظيم تحققت حماية المجتمع المسلم من كل دخيل عليه، وإن ذلك يكون بمثابة قوة المناعة التي أودعها الله تعالى في البدن لتقاوم الأمراض والأسقام، بالإضافة إلى أن الأمر بالمعروف يغذي الأمة أفراداً وجماعات بالمثل والقيم والأخلاق والعقائد السليمة، فلا يحتاج أحد منهم إلى استيراد مبدأ أو خلق أجنبي على هذا الدين(8). 

وإذا كان بعض الناس في عصرنا يتحدثون عن «الرأي العام» وأثره في الرقابة على رعاية مبادئ الأمة وأخلاقها وآدابها ومصالحها، وتقويم ما يعوج من شؤون حياتها؛ فإن فريضة الأمر والنهي كفيلة بأن تنشئ الرأي العام الواعي البصير، المستند إلى أقوم المعايير الأخلاقية والأدبية وأعدلها وأخلدها وأثبتها؛ لأنها معايير مستمدة من الحق الأزلي الأبدي من الله عز وجل.>

الهوامش

(1) صحيح الجامع (7341).

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (2/ 597).

(3) مرقاة المفاتيح (8/ 3142).

(4) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية، ص 33.

(5) المرجع السابق، ص: 33.

(6) صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 831).

(7) سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 267).

(8) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، د. خالد السبت، ص79.

7 قيم تأسيسية للأسرة الناجحة

 

لا بد من التعبير عن الحب لأن الحب الصامت يفشل في كثير من الأحيان في الوصول للطرف الآخر

لا تستقيم حياة الأسرة ما لم يتحمل كل طرف فيها مسؤوليته كاملة ويعطي قدر ما يستطيع

قيمة التعاون تمنح الأسرة مساحات من الترابط والتجدد الذي يطرد الفتور والملل

الحوار وسيلة إصلاحية فعّالة سواء على مستوى الزوجين أو الأولاد بجميع المراحل العمرية

لا تتناقض الشورى بحال مع قوامة الرجل بل تكملها وتمنحها آفاقاً واسعة للتحقق

فاطمة عبدالرءوف 

 

تبدو محورية دور الأسرة في بناء المجتمع من الأهمية حتى إنه لا يمكننا تجاهلها أو تجاوزها بحال، ويعتمد هذا الدور على مجموعة من القيم الحاكمة والتأسيسية التي يقوم عليها البناء الأسري، وبمقدار ما تكون هذه القيم صحيحة وصادقة وحقيقية تنجح الأسرة وتستطيع القيام بدورها الطبيعي الفطري الذي يشبع حاجيات كل أفرادها.

وفي السطور التالية نستعرض 7 قيم بالغة الأهمية لحياة أسرية ناجحة وسعيدة:

1- قيمة الحب: 

الحب هو القيمة النابضة التي تبث الحياة بدفئها وبهجتها في شرايين الحياة الأسرية، فهو القيمة الأكثر جمالاً وتألقاً في منظومة القيم التي تحكم الأسرة الناجحة، هو آية من آيات الله التي أودعها القلوب؛ (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21).

المودة هي ذلك الحب الذي يقرب القلوب، هو الشغف بالقرب، هو سبب السكن وثمرته في آن واحد، هو الذي يورث ذلك التعاطف والشفقة في القلوب، حتى إذا تراجع الشغف بقيت الرحمة تلقي بجذورها بعيداً في أعماق الإنسان.

الأسرة الناجحة ترتبط جميعاً برباط الحب سواء بين الزوجين أو بينهما وبين الأولاد، فحاجة الابن للحب بالغة العمق، وإذا أشبعت حاجته من الحب نشأ سوي الفطرة، بينما تعتري الأمراض النفسية من حُرم هذه العاطفة.

ومن الجدير بالذكر أن الحب الصامت يفشل في كثير من الأحيان في الوصول للطرف الثاني؛ لذلك لا بد من التعبير عنه، نلحظ ذلك في جواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي ورد في البخاري عندما سئل من أحب الناس إليك؟ فأجاب بوضوح: «عائشة»، وعندما رأى الأقرع بن حابس النبي صلى الله عليه وسلم يقبّل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه من لا يَرحم لا يُرحم» (متفق عليه)، من هنا يتضح كيف أن التعبير عن الحب بالكلمات والاحتواء والسلوك هو ما يفعّل هذه القيمة في حياة الأسرة. 

2- قيمة التقبل:

قد يعتري القيمة التأسيسية الأولى (الحب) بعض الخلل نتيجة ضغوط الحياة أو بعض الاضطراب الذي يعتري أحد طرفي العلاقة الزوجية أو أحد الأولاد، هنا لا بد من تفعيل قيمة التقبل المانعة للكراهية والإحباط، هذه القيمة النابعة من كوننا بشراً نصيب ونخطئ وتعترينا العلل النفسية قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً {19}) (النساء)، لقد رسخ النبي صلى الله عليه وسلم منهجاً معرفياً لهذا التقبل بقوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر» (رواه مسلم).

إنه تقبل الإنسان ككل، ففيه العيوب وفيه المميزات، والأولاد أشد ما يكونون بحاجة للتقبل خاصة في مرحلة المراهقة الجامحة وما يعانونه من عواصف داخلية قد تنعكس على سلوكياتهم فتتوتر العلاقة بينهم وبين الآباء، ولعل تأمل موقف نوح عليه السلام من ابنه حتى اللحظة الأخيرة، وموقف نبي الله يعقوب عليه السلام من أبنائه بعد ما ارتكبوه؛ يؤكد الحاجة الماسة للتقبل. 

3- قيمة النصيحة:

وهي لا تتعارض مع الحب والتقبل، بل هي مكملة لهما؛ فمن يحبك ينصحك، ومن يتقبلك رغم عيوبك ينصحك حتى تتجاوز ما تعانيه، ويندرج تحت هذه القيمة كل درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأدواته ومنهجيته، وعندما تمتزج النصيحة الصادقة السليمة بالحب والتقبل تؤتي ثماراً طيبة. 

وللنصيحة قيمة عظيمة، حتى إن نبي الله يعقوب عليه السلام وهو على فراش الموت لم يغفل عنها؛ (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي) (البقرة: 133)، وينبغي التأكيد أن هذه القيمة حتى تؤتي أحلى ثمارها داخل النطاق الأسري لا بد من إحاطتها بجو الحنو واللطف وشيء من المرح، ولنتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» (رواه أبو داود والنسائي).

4- قيمة العطاء وتحمل المسؤولية: 

هذه القيمة هي الترجمة العملية لقيمة الحب والتقبل، ولا يمكن أن تستقيم حياة الأسرة ما لم يتحمل كل طرف فيها مسؤوليته كاملة، ويعطي قدر ما يستطيع؛ «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه)، والراصد لأحوال الأسر المعاصرة يلاحظ بوضوح تراجع هذه القيمة وارتباطها بارتفاع معدلات الطلاق؛ فالرجل لا بد أن يتحمل مسؤوليته كاملة في النفقة بالمعروف بحسب ما آتاه الله، ويحتسب هذه النفقة ومن ثم يحيطها بسياج من الحب والرحمة؛ «إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته» (رواه البخاري في الأدب المفرد)، والمرأة لا تقل مسؤوليتها عن الرجل في إصلاح شأن الأسرة.

ويندرج تحت هذه القيمة حسن رعاية الوالدين وتحمل مسؤوليتهما خاصة حال الكبر والضعف والمرض، ومزج ذلك بمشاعر اللين والرحمة؛ لأنه في كثير من الأحيان يحتاج الوالد المسن للحب والاهتمام ربما أكثر من الحاجة للطعام والأمور المادية الأخرى.

5- قيمة التعاون والمشاركة:

وهي تتكامل مع القيمة السابقة؛ فإذا كان العطاء وتحمل المسؤولية قيمة فردية، فإن هذه القيمة لا يمكن أن تتحقق إلا بصورة جماعية؛ فالأسرة الناجحة تتآزر فيما بينها، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في خدمة أهله يتعاون معهم في كل ما يخص المعيشة، وكانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تؤازره صلى الله عليه وسلم بما تملك من مال وجهد ودعم نفسي، وها هو عمر بن الخطاب يشرك زوجته أم كلثوم معه فيما يقوم به من خدمات للرعية. (انظر البداية والنهاية لابن كثير السنة الثلاث والعشرين).

إن قيمة التعاون والمشاركة تمنح الأسرة مساحات واسعة من الترابط، وتمنح الحياة الأسرية التجدد الذي يطرد الفتور والملل، وهو آفة الحياة التقليدية التي ينغلق كل فرد فيها على حدود مسؤولياته وواجباته دون محاولة المشاركة والتفاعل والتعاون مع باقي أفراد الأسرة.

6- قيمة الحوار:

الحوار قيمة لا يمكن تجاوزها أبداً من أجل حياة أسرية سعيدة وصحية، وهي قيمة وآلية في آن واحد، فالحوار هو ركيزة القصص القرآني كله. 

والحوار يمنح الحياة الأسرية تألقاً وجمالاً؛ فلا أسوأ من حياة أسرية يسودها الخرس، وينعزل كل فرد منها في جزيرة منفرداً، وفي الوقت ذاته هو وسيلة إصلاحية فعالة سواء على مستوى الزوجين أو الأولاد وفي جميع المراحل العمرية. 

7- قيمة الشورى: 

وهي قيمة حاكمة في النظم الإسلامية بوجه عام؛ (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38)، وهي حاكمة أيضاً في مؤسسة الأسرة حتى في تفاصيلها الصغيرة؛ (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا)(البقرة: 233).

وهي لا تتناقض بحال مع قوامة الرجل، بل تكملها وتمنحها آفاقاً واسعة للتحقق، آفاق التراضي والدعم الفعال.

وفي النهاية، نستطيع القول: إن تدهور هذه الحزمة من القيم السليمة أدى لسيادة قيم فوضوية قاتلة كاللامبالاة والمغالاة في الفردانية والتنافس والاستبداد والعنف النفسي قبل الجسدي، وتحولت كثير من الأسر لفنادق تقدم خدمة الطعام والنوم وانتهى الأمر، في ظل غياب منظومة قيم صحيحة لأسر مفككة، ومعدلات طلاق مروعة، وأولاد يعانون نفسياً حد المرض، ومسنين يعيشون أقصى درجات التهميش والوحدة.

 

غرس القيم لدى الأطفال.. دليل عملي

 

القدوة العملية هي الوسيلة الأكثر تأثيراً وتوفيراً للجهد والوقت في غرس القيم لدى الطفل

تكرار القيم بوسائل متنوعة يعمقها في نفوس الأطفال كما يساعد على مراعاة الفروق الفردية

اللعب الجماعي من أهم الوسائل التي تساعد على اكتساب القيم مثل التعاون وتحمل المسؤولية

يمكن مشاهدة فيديو يبرز احتياجات الفقراء ويبين الأجر الذي يعود على من يبذل الخير

لن يكتسب الطفل القيمة دون أن يبذل الآباء جهداً في تدريبه على ممارستها في مواقف مختلفة

ياسر محمود

متخصص في الشؤون التربوية والأسرية

 

القيم هي المنظومة الداخلية التي تزود الإنسان بالمعايير التي يميز بها بين الصواب والخطأ، والحسن والقبيح، والمقبول والمرفوض، وهي الدرع الواقية التي تحميه من الوقوع في الأخطاء أو الانزلاق في الشبهات والشهوات، وهي الدافع الذي يحثه على التحلي بالخير والفضيلة والسلوك القويم، وهي الرقيب الذي يدفعه للقيام بواجباته بفاعلية وإتقان، وهي التي تزوده بعناصر القوة الفاعلة والنجاح والتميز في الحياة.. هذه بعض الأدوار التي تقوم بها القيم في تشكيل شخصية الإنسان، وفي رسم ملامح هويته الذاتية. 

الإنسان لا يولد مزوداً بمنظومة القيم، ولكنه يتعلمها ويكتسبها من خلال عملية اجتماعية تربوية مقصودة، تعتمد على التفاعل بين أفراد أسرته ومجتمعه، ويؤدي الآباء الدور الأبرز والأهم في بناء هذه المنظومة، خاصة في مراحل العمر الأولى، التي تمثل أهم المراحل في غرس القيم وبنائها لدى الأولاد. 

فكيف يبني الآباء منظومة القيم لدى أولادهم، التي يبدأ تكونها داخل الطفل منذ نعومة أظفاره، وتنمو معه يوماً بعد يوم؟

مقومات النجاح:

1- الحب والتفاهم:

يعد الحب والتفاهم بين الأطفال وآبائهم من أهم مقومات غرس القيم لديهم، فالطفل يتمثل قيم من يحب، والعلاقة الدافئة تمرر اكتسابه للقيم بيسر ودون عناء.

2- البدء مبكراً:

من الضروري البدء في غرس القيم لدى الطفل مبكراً، ففي السنوات الست الأولى من عمره يكتسب معظم القيم.

3- مراعاة طبيعته:

لا بد أن يختار الآباء الطرق والأساليب التي تناسب عمر الطفل وطبيعة شخصيته في غرس القيم. 

4- الوقت المناسب:

من المهم اختيار الوقت والظرف المناسبين، فليس من المقبول مثلاً أن يؤكد الآباء قيمة ما في وقت يكون فيه الطفل غير مستعد لذلك، أو يكون هناك توتر في العلاقة بينهما.

5- إبداء الأسباب:

من الأمور التي تساعد على ترسيخ القيم لدى الأطفال أن يوضح لهم الآباء الأسباب التي تكمن وراء رفض سلوك ما أو قبول آخر؛ لأن في ذلك مخاطبة لعقولهم وبناء لقناعاتهم الذاتية نحو هذا السلوك.

6- تقبل الأخطاء:

لا بد أن يلتمس الولدان له العذر، وأن يتفهما ما يصدر منه من تجاوزات، فمن الطبيعي أن يواجه مشكلات عديدة وأن يقع في أخطاء متنوعة.

7- الصبر وعدم التعجل:

ينبغي ألا يتعجل الوالدان في رؤية الطفل ملتزماً بالقيم تمام الالتزام، فالقيم تُبنى في النفس بشكل متراكم وخلال مدى زمني طويل.

8- بيئة داعمة:

يجب الحرص على توفير بيئة داعمة لبناء القيم لدى الطفل؛ وذلك بالعمل على اختيار المدرسة المناسبة، وإيجاد الصحبة الصالحة، وربطه بالمسجد، ومحاولة استصلاح البيئات غير المناسبة التي لا يمكن الاستغناء عنها.

9- تنويع الوسائل:

من الضروري تنويع الوسائل والأساليب التي تستخدم في عملية الغرس، فتكرار القيم بوسائل متنوعة -بحيث تؤثر في العقل والوجدان والسلوك- يعمقها في نفسه، كما يساعد على مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال.

خطوط حمراء:

1- تجنب التعارض:

ينبغي الحذر من التعارض بين الوالدين في توجيه الطفل، كأن يشجعه الأب على القيام بسلوك ما، بينما تقابل الأم هذا السلوك بالرفض، فهذا يوقع الطفل في حيرة، ويفقده القدرة على التمييز بين المقبول والمرفوض، فضلاً عما قد يصيبه من أضرار نفسية.

2- لا للمقارنة:

ينبغي الابتعاد عن استخدام مقارنة الطفل بغيره كوسيلة لغرس قيمة ما؛ لأن ذلك يخلق لديه حالة من النفور تجاه هذه القيمة، وتجاه الشخص الذي يقارِن، وتجاه الشخص المقارَن به.

3- عدم الملاحقة: 

الابتعاد عن الإلحاح والملاحقة للطفل بالتوجيهات والتعليمات والأوامر المستمرة؛ لأن هذا قد يدفعه إلى رفضها وعدم تبنيها، أو قد يؤدي إلى إصابته بحالة مرضية من الوسوسة وجلد الذات.

4- تجنب القهر:

يجب الابتعاد تماماً عن استخدام القهر والعنف؛ لأن ذلك يجعل التزامه بالقيم التزاماً شكلياً، يتقي به ردود الأفعال السلبية للآباء تجاهه، دون اكتساب حقيقي للقيم.

5- عدم الوصم:

على الآباء تجنب وصم الطفل بأوصاف سلبية، مثل: كذاب، مهمل، أناني، سلبي.. إلخ؛ لأن ذلك يدعم القيم السلبية في شخصيته، ويفقده الثقة في القدرة على اكتساب القيم الإيجابية.

وسائل عملية:

1- القدوة العملية:

تعد القدوة العملية هي الوسيلة الأكثر اختصاراً وتوفيراً للجهد والوقت، والأكثر عملية وتأثيراً في غرس القيم لدى الطفل؛ لأنه يكتسب معظمها من خلال المحاكاة والتقليد، كما أنه ليس من المعقول أن يغرس كاذب في طفله قيمة الصدق، أو أن يغرس غشاش قيمة الأمانة.. إلخ، ففاقد الشيء لا يعطيه، فعلى الآباء أن يكونوا قدوة حية صالحة لأبنائهم.

2- الحوار الهادئ:

الحوار الهادئ المقنع من الوسائل التي تساعد على ترسيخ القيم في نفس الطفل، ومن المهم أن يتضمن تعريفه بما سيعود عليه من خير في الدنيا وأجر في الآخرة نتيجة التزامه بهذه القيم.

3- إثارة التفكير:

تؤدي إثارة التفكير دوراً مؤثراً في تهيئة الطفل واكتسابه للقيم الإيجابية، وذلك من خلال طرح فكرة أو سؤال أو استثمار موقف ما لإثارة تفكيره حول قيمة ما، ثم إدارة نقاش معه حولها، فمثلاً لغرس قيمة حب الخير لديه، يمكن استثمار قوله: إن الأطفال الفقراء لا يملكون الكثير من اللعب، وذلك بالاهتمام بالفكرة ومناقشته حول الطرق المختلفة لتقديم المساعدة والدعم لهم.

4- استثمار المواقف:

من المفيد في غرس القيم استثمار المواقف والأحداث التي يمر بها الطفل أو أحد أفراد الأسرة أو غيرهم لفتح حوار حول القيمة المتعلقة بكل موقف من هذه المواقف وإدارة نقاش حولها، فإذا كنتم مثلاً في الطريق ورأيتم شخصاً فقيراً أو مريضاً أو مكفوفاً.. إلخ، فيمكن الحديث معه -بطريقة مناسبة له- عن فضل الله علينا وما نتمتع به من نِعَم ربما لا يجدها الآخرون؛ محاولاً بذلك دعم قيمة الرضا والقناعة لديه. 

5- القصص والحكايات:

تعد القصة واحدة من أهم وأفضل الوسائل في غرس القيم لدى الطفل، حيت تستحوذ على انتباهه، فيتابعها بمتعة وشغف وتركيز وانفعال، فتتسلل -بما فيها من قيم ومعانٍ وأفكار وسلوكيات- إلى أعماق نفسه دون استئذان أو مقاومة، فتترك أثراً عميقاً ممتداً في شخصيته.

6- اللعب مع الأقران:

من المهم تهيئة الفرصة للطفل وتشجيعه على مشاركة رفاقه في الألعاب الجماعية؛ لأن اللعب الجماعي من أهم الوسائل التي تساعد على اكتساب العديد من القيم، مثل: التعاون، تحمل المسؤولية، الأمانة، النظام، الإيجابية، الصبر، المثابرة.. إلخ، فمثلاً أثناء اللعب يكون مسؤولاً عن القيام ببعض الأدوار والمهام، التي إن اجتهد في القيام بها انعكس ذلك على فريقه بصورة إيجابية، وإن قصر في أدائها كان سبباً في تأخر فريقه وربما خسارته، وهذا يعلمه تحمل المسؤولية.

7- لعب الأدوار:

مما يساعد على غرس القيم لدى الطفل أن يشارك في تمثيل بعض المشاهد التمثيلية التي تدعو إلى قيمة ما، وأن يُسند إليه دور صاحب القيمة الإيجابية، ويمكن أن تُنفذ هذه المشاهد بمشاركة أفراد الأسرة أو أقارنه، كما يمكن استخدام العرائس في ذلك.

8- مقاطع الفيديو:

من الوسائل التي تدعم القيم في نفس الطفل أن يشاهد مقاطع الفيديو من الكارتون أو غيره، التي تحتوي على قيم إيجابية، ويزيد من أثرها الإيجابي أن يفتح الآباء معه نقاشاً حولها أثناء المشاهدة وبعدها، فمثلاً يمكن مشاهدة مقطع فيديو يبرز احتياجات الفقراء، ويبين الأجر والنفع الذي يعود على من يبذل الخير للناس، ثم يتم فتح حوار معه حول هذه المشاهدة، فهذا يدعم لديه قيمة فعل الخير.

9- الأغاني:

فالاستماع مع الطفل لبعض الأغاني التي تحث على قيمة ما، وإعادة غنائها معه، ثم مناقشته حولها يساعده على التحلي بها.

10- الممارسة العملية:

من الضروري تشجيع الطفل على ممارسة بعض الأعمال التي تساعده على التحلي بالقيم، فالطفل لن يكتسب القيمة دون أن يبذل الوالدان جهداً في تدريبه وتعويده على ممارستها في مواقف مختلفة، فمثلاً لغرس قيمة تحمل المسؤولية لديه يمكن تشجيعه وتعويده على: ترتيب فراشه وأدواته ولعبه، مشاركته في تحضير المائدة، وضع ملابسه وأدواته في أماكنها بعد عودته من الخارج، ذهابه لشراء بعض حاجات المنزل من الأماكن القريبة، قيامه بواجباته المدرسية معتمداً على نفسه.. إلخ.

11- الثواب والعقاب:

يعد الثواب والعقاب من الوسائل المهمة في بناء القيم لدى الطفل؛ ذلك أن الثواب المناسب الذي يناله حين يقوم بسلوك إيجابي، يدعم هذا السلوك في نفسه، ويدفعه إلى تكراره، حتى يصبح أسلوب حياة وعادة سلوكية ثابتة لديه، وفي المقابل، فإن السلوك الذي يعاقب عليه بطريقة مناسبة ومنضبطة يعمل على ضعف وانطفاء السلوك السلبي لديه.

ملف العدد

 

قيم الأمة في القرآن الكريم

 

محاور قيم المجتمع بالقرآن هي الإنسان نواة الرسالة والأمة حاملة الرسالة والجماعة الإنسانية الكبرى وهي العالم كله

القرآن أعطى مساحة كبيرة للمجتمع من حيث التشريعات الضابطة للسلوك الفردي والجماعي معاً

الأمة في المنظور القرآني ميدان لتجسيد القيم الاجتماعية ومظهر من مظاهر قياسها

والطبقة إلى المساواة الإنسانية

د. حسان عبدالله 

أستاذ أصول التربية بجامعة دمياط - مصر

إن كل نظام فكري اجتماعي يحتاج إلى سلسلة من الأفكار المعنوية، وتحتاج هذه الأفكار إلى قيم فوق المادة، وإن القيم لا بد أن تكون قوية ومحركة ومقدسة، وعلامة قدسية الشيء هي اعتقاد الإنسان بأنه يستحق التضحية بحياته من أجله.

إذاً؛ فإن كل عقيدة تتضمن/تحتاج إلى هذا النوع من الأهداف والقيم المعنوية، ولا يمكن بناء عقيدة شاملة وجامعة للبشرية على أساس الاشتراك في المنفعة فقط، كما هي الحال مع الماركسية، وبدون الإيمان بالله الذي أوجد الخلق لحكمة وهدف، لا يمكن الإتيان بأفكار تحمل تلك القيم العليا(1). 

إن كل نظام اجتماعي يحتاج إلى «وقود» من الطاقة المعنوية التي تمكن الأفراد من العمل والتفاني والتضحية في سبيل بقاء هذا النظام واستمراره وتطوره، هذا الوقود اتفقت الشرائع السماوية والنظم الوضعية على تسميته بـ»القيم».

وتدور منظومة قيم المجتمع في القرآن حول ثلاثة محاور: 

الأول: الإنسان باعتباره موضوع ونواة رسالة القرآن.

الثاني: الجماعة/الأمة وهي حاملة الرسالة التي تحقق غاية القرآن. 

الثالث: العالَم (الجماعة الإنسانية الكبرى).

فالمجتمع في المنظور القرآني يبدأ من دائرة الفرد ثم المجتمع الصغير وصولاً إلى العالم الأكبر.

ومن ناحية أخرى، فقد أعطى القرآن مساحة كبيرة للمجتمع من حيث التشريعات والقواعد الضابطة للسلوك الفردي والجماعي معاً، وأفرد علماء التراث قسماً خاصاً بالمعاملات الاجتماعية وأبعادها التشريعية، هذا فضلاً عن ارتباط العبادات ذاتها بالجانب الاجتماعي سواء في أدائها أو في آثارها المتوقعة ونتائجها الفعلية، يقول تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت: 45)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة)، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {19}) (الذاريات). 

وتظهر قيمة «الأمة» كمثل أعلى بالنظام الاجتماعي في الإسلام وهي قيمة تجمع حولها عدداً من القيم الوظيفية (الوحدة، التماسك، التعاون، ذم التفرق والاختلاف)، فالأمة هي التي يتجلى فيها النظام القيمي الاجتماعي، وتتجلى فيها عملية التنشئة الحيوية للأمة التي تبدأ بالفرد (اللبنة الأولى)، ثم تمر بالجماعة وصولاً إلى الأمة، وهذه بالأساس عملية بناء القيم في المجتمع(2). 

فالأمة في القرآن تمثل قيمة اعتقادية، كما أنها قيمة اجتماعية، والعلاقة بينهما علاقة عضوية مترابطة لا تنفك؛ فالأمة ميدان لتجسيد القيم الاجتماعية، ومظهر من مظاهر قياسها.

ومن أهم قيم الأمة في القرآن ما يلي:

1- قيمة الإنسانية العالمية: وهي في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ {107}) (الأنبياء:107)، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [آل عمران: 110)، (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90)، فالمسلم في الأمة ينشغل بالعمل للآخرين لكل الناس من باب قيم الرحمة والخيرية التي تمثل غاية الرسالة ووظيفة الأمة، ومن هنا فوظيفة الأمة تتخطى حواجز الجغرافيا؛ لأن حدود الدعوة والهداية لا تعرفان الحدود البشرية أو الطبيعية.

2- قيمة الوسطية: ويرتبط بقيمة الإنسانية العالمية قيمة أخرى هي «الوسطية»؛ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143)، والوَسَط في اللغة يعني: ظرف بمعنى بَيْن، يقال: جلس وسط القوم، «الوسط» وسط الشيء: ما بين طرفيه وهو منه والمعتدل من كل شيء، يقال: شيء وسط بين الجيد والرديء وما يكتنفه بين أطرافه ولو من غير تساوٍ وبعدل وبخير، وفي التنزيل: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً»؛ أي عدولاً وخياراً»(3). 

إن «الوسط» المقصود في رسالة الأمة التي يراد لها أن تكون «شهيداً» على الناس له معنى أعظم بكثير، يعني أننا أمة نتوسط الميدان؛ ميدان الأرض والزمان، نحن فرسان الميدان، نحن قطب القضية، نتوسط الساحة، لا نكون شرذمة تدور حول نفسها في أقاصي «الشرق الأوسط»، بعيدة غافلة عما يدور حولها، غافلة عن معارك الأفكار والقضايا المصيرية التي تبني حاضر البشرية وغد التاريخ وتشكل صورة الحياة في كل مجال، لا نعرف سوى الاجترار وتكرار المكررات ثم تغمرنا السعادة! كلا، إنما ينبغي أن نكون وسط الساحة ومحور الميدان، لا نكون أمة غائبة، معتزلة، بل يجب أن نكون مجتمعاً أممياً في وسط الشرق والغرب، اليمين واليسار، مركز الأقطاب، وسط المعترك يحمل رسالته العالمية(4). 

3- قيمة الشهود: تأتي قيمة الشهود كنتيجة مترتبة على قيمة الوسطية، فالأمة الوسط هي أمة الشهود؛ (لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء)، يقول الرازي: «إن كل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهداً عليه، والله تعالى وصف هذه الأمة بالشهادة، فهذه الشهادة إما أن تكون في الآخرة أو في الدنيا، لا جائز أن تكون في الآخرة لأن الله تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء، وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا، وإنما قلنا: إنه تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا.. فإن قيل: تحمل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا، ومتحمل الشهادة قد يسمى شاهداً وإن كان الأداء لا يحصل إلا يوم القيامة، قلنا: الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل، بدليل أنه تعالى اعتبر العدالة في هذه الشهادة والشهادة التي يعتبر فيها العدالة هي الأداء/التحمل، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدين للشهادة في دار الدنيا»(5).

4- قيمة القِبلة لا القَبيلة: يقوم مفهوم الأمة -أيضاً- على مناهضة قيم التمركز حول العرق؛ (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) )المؤمنون: 52)، فالأمة في المفهوم القرآني تتجاوز قيم القبيلة إلى قيم القبلة، وقيم العرق إلى قيم العقيدة، وقيم الطبقة إلى قيم المساواة الإنسانية، فالأمة الإسلامية هي الأمة التي يجتمع حولها كل الأجناس وكل الأعراق لا يتفرقون، وهنا تبدو قيمة “الوحدة” “وَاحِدَة” المذكورة في الآية هي القيمة الأعلى للأمة، والأمة بذلك هي الأمة القطب التي تجتذب حولها كل بني الإنسان مهما اختلفت أعراقه وأجناسه.

إن “الأمة القطب” هي تلك الأمة التي ينجذب إليها المختلفون والمتباينون ويلتقون جميعاً حولها وينشدون إليها باعتبارها بؤرة جاذبة أو مركز ثقل بشري، حيث تنفرد الأمة القطب بأنها “مفاعل استقطابي” تنجذب إليه الوحدات الأولى؛ لأنها هي البوتقة التي ينصهر فيها كل الأجناس والألوان لتكوين هوية متميزة ومتمايزة، أو كما تقول: “الأمة في الإسلام ملتقى أجناس وشعوب مختلفة الألوان والمنبت، ومن خلال موجات الإشعاع والجذب المتعاقبة تشد إليها وتصهر العناصر المتباينة في بوتقة تآلف جامع، وذلك دون أن تُذهب من معالم مكوناتها، ومن خلال جمعها للتمايز والوحدة على هذا النحو تقدم لنا الأمة الصياغة الحية المجربة لتلك المثالية المحققة التي طالما ميزت الحضارة الإسلامية”(6). 

وتقوم قيم الأمة في القرآن على مبدأين مركزيين، هما:

الأول: الكلية: فالنظام الاجتماعي الإسلامي كلي من حيث إنه يقوم على اعتبار الإسلام متعلقاً بكل مجالات النشاط الإنساني، فأساس هذا النظام الاجتماعي هو الإرادة الإلهية التي هي وثيقة الصلة بكل مخلوق، من حيث إنعام الله عليه بناموس وبنية ووظيفة، يقول الله تعالى: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً {1}) (الفرقان)، وفي حين تبدو عالمية الإسلام جلية في حقيقة أن تعاليمه موجهة لكل البشر بحكم إنسانيتهم، فإن كلية الإسلام جلية هي الأخرى بحقيقة أن الإسلام يضع على كاهل المسلم -بالنسبة لأي مجال من مجالات السلوك الإنساني المتروكة دون تشريع معين خاص بها- عبء التشريع المنظم لها على نحو يجعله موافقاً للشرع، ويجعل تطبيق الشرع شاملاً لكل ما يواجهه من مشكلات يومية، فالاجتهاد فريضة عامة على كل المسلمين(7). 

الثاني: العضوية: فالأمة في الرؤية التوحيدية تحمل أيضاً قيم العضوية، فيقوم كل أعضائها بدور في تأدية الرسالة الكونية المناطة بالأمة ككل؛ (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (آل عمران: 104)؛ (عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) (المزمل: 20).

إن إثارة قيم الأمة وتفعليها في برامجنا التربوية، وتنشئتنا الاجتماعية، وخطابنا الدعوي، ووسائطنا الفكرية، لا تتضمن فقط البناء الفكري الراشد لفعل النهضة، لكنها تتضمن قبله بناء شبكة علاقات مترابطة ومتماسكة تقوم عليها تلك النهضة المنشودة.

الهوامش

(1) مرتضى مطهري: التكامل الاجتماعي للإنسان، بيروت، دار الهادي، ط3، 2000م، ص46. 

(2) منى أبو الفضل: الأمة القطب، ص67.

(3) المعجم الوسيط، ص1073. 

(4) علي شريعتي: الحسين وارث آدم, ص303. 

(5) الفخر الرازي: مفاتيح الغيب، ج2، ص131.

(6) منى أبو الفضل: الأمة القطب، ص66.

(7) إسماعيل الفاروقي: التوحيد ومضامينه في الفكر والحياة، ص 244.

 

مقصدية الجَمال.. عقدياً وكونياً وإنسانياً وتشريعياً

 

من الأبعاد العقدية للجمال وصف الحديث النبوي لله تعالى بمطلق صفات الجمال والجلال والكمال

كثير من الآيات القرآنية تدعو إلى التأمل في محاسن الخلق الإلهي والتملي من طلعة الإتقان الرباني

جمال خلق الإنسان يمتد إلى ما له علاقة بانفعالات النفس الإنسانية المختلفة في أشد حالاتها إحراجاً

الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فيلبس كل ما هو نظيف في غير إسراف ولا كبر

د. وصفي عاشور أبو زيد

أستاذ في مقاصد الشريعة

 

كلمة الذين تحدثوا عن الفن -سواء أكانوا من أهل الفكر والفلسفة أم أهل الفقه والأصول والمقاصد- مجمعة على أن الفن هو الإبداع تحت الإحساس بالجمال كقيمة؛ فالجمال هو شكل الفن ومضمونه، ولحمته وسداه.

وقيمة الجمال موجودة في كل ما شرعه الإسلام، بل في كل ما خلقه الله تعالى، فهذه القيمة لها أبعاد عقدية، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم بسنده عن عبدالله بن مسعود عن النبي [ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس»(1).

النص النبوي الشريف حين يقرر أن الله تعالى جميل، فهو وصف مطلق دالٌّ على أنه سبحانه يتصف بمطلق صفات الجمال والجلال والكمال، وهذا يقتضي أن كل ما يصدر عنه جميل، بل بالغ الذروة والكمال في الجمال، سواء أكان في عالم الخلق أم عالم الأمر، وكل واحدة من هذه الصفات –الجمال والجلال والكمال- لها من التجليات ما يوافقها في هذا الوجود الفسيح المبهر بشكل عجيب؛ فصفات الجمال والجلال والكمال تتشخص في كل ما هو جميل مدهش أخاذ، وفي كل ما هو رهيب مهيب، وفي كل ما هو كامل الصنعة تام الخلق لا عوج فيه ولا نقص، وتلك الصفات بجميع مشمولاتها مستفادة من أسماء الله الحسنى المشار إليها في قوله سبحانه: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ}  (الحشر: 24)، وهو ما يجد تأصيله في قوله سبحانه: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ} (الأنعام: 101). وقوله: {صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ} (النمل: 88)، وقوله: {عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦ ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ} (السجدة)، وقوله: {لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤} (التين).

يقول صاحب «الظلال» مستعرضاً مقصدية الجمال في خلق الكون وينص في نهاية كلامه على ذلك: «والعين المفتوحة والحس المتوفز والقلب البصير، ترى الحسن والإحسان في هذا الوجود بتجمعه، وتراه في كل أجزائه وأفراده، والتأمل في خلق الله حيثما اتجه النظر أو القلب أو الذهن، يمنح الإنسان رصيداً ضخماً من ذخائر الحسن والجمال، ومن إيقاعات التناسق والكمال، تجمع السعادة من أطرافها بأحلى ما في ثمارها من مذاق، وتسكبها في القلب البشري، وهو يعيش في هذا المهرجان الإلهي الجميل البديع المتقن، يتملى آيات الإحسان والإتقان في كل ما يراه وما يسمعه وما يدركه في رحلته على هذا الكوكب..». 

إن هذا الوجود جميل، وإن جماله لا ينفد، وإن الإنسان ليرتقي في إدراك هذا الجمال والاستمتاع به إلى غير ما حدود، قدر ما يريد، وفق ما يريده له مبدع الوجود، وإن عنصر الجمال لمقصود قصداً في هذا الوجود؛ فإتقان الصنعة يجعل كمال الوظيفة في كل شيء، يصل إلى حد الجمال، وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل عضو، وفي كل خلق، انظر: هذه النحلة.. هذه الزهرة.. هذه النجمة.. هذا الليل.. هذا الصبح.. هذه الظلال.. هذه السحب.. هذه الموسيقى السارية في الوجود كله.. هذا التناسق الذي لا عوج فيه ولا فطور! إنها رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين، يلفتنا القرآن إليها لنتملاها، ونستمتع بها وهو يقول: {ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ}، فيوقظ القلب لتتبع مواضع الحسن والجمال في هذا الوجود الكبير، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين(2).

ويقول في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦}(الصافات): «ونظرة إلى السماء كافية لرؤية هذه الزينة، ولإدراك أن الجمال عنصر مقصود في بناء هذا الكون، وأن صنعة الصانع فيه بديعة التكوين جميلة التنسيق، وأن الجمال فيه فطرة عميقة لا عرض سطحي، وأن تصميمه قائم على جمال التكوين كما هو قائم على كمال الوظيفة سواء بسواء؛ فكل شيء فيه بقدر، وكل شيء فيه يؤدي وظيفته بدقة وهو في مجموعه جميل، والسماء وتناثر الكواكب فيها، أجمل مشهد تقع عليه العين، ولا تمل طول النظر إليه، وكل نجمة توصوص بضوئها، وكل كوكب يوصوص بنوره وكأنه عين محبة تخالسك النظر فإذا أنت حدقت فيها أغمضت وتوارت، وإذا أنت التفت عنها أبرقت ولمعت! وتتبع مواقعها وتغير منازلها ليلة بعد ليلة وآناً بعد آنٍ متعة نفسية لا تملها النفس أبداً»(3)!

وكثير من الآيات القرآنية يدعو إلى التأمل في محاسن الخلق الإلهي، والتملي من طلعة الإتقان الرباني، والتفاعل مع آلاء الله في الكون والاستمتاع بصوره والانتفاع بجماله، ومنها قوله سبحانه: {أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦ وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۢ بَهِيجٖ} (ق).

 

مقصد الجمال في خلق الإنسان:

ومقصد الجمال في الخلق يتعدى الجمال في بعده الاعتقادي والكوني إلى مجال خلق الإنسان، فلقد سبق الاستشهاد بآيات قرآنية في خلق هذا الإنسان المكرم، وأن الله تعالى شاء أن يخلقه في أحسن تقويم، ويصوره في أحسن صورة، ومن أسمائه تعالى الحسنى «المصور»، فهو يصور على غير مثال سابق، وفي أبهى صورة، وبما يتناسب ويتناسق مع مهمة المخلوق التي خلق لها في هذه الحياة، بل إن مقصد الجمال فيه ما لا يقتصر على ما هو مادي مرئي؛ بل له أبعاد أخرى تمتد إلى ما هو معنوي خفي مما له علاقة بانفعالات النفس الإنسانية المختلفة في أشد حالاتها إحراجاً؛ كما هو المستفاد من أمر الله لنبيه بالصبر الجميل؛ {فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا ٥} (المعارج)، وبالصفح الجميل؛ {فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥}(الحجر)، وبالهجر الجميل؛ {وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠} (المزمل)، وبالتسريح الجميل؛ {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩} (الأحزاب)، كلها حالات انفعال سلبي لو يشاهدها المرء وقت حدوثها وهي غير مجللة بما يجملها من الصبر الجميل، أو الصفح الجميل، أو الهجر الجميل، أو التسريح الجميل؛ لتولى فراراً من منظر صاحب تلك الحالات، ولملئ رعباً من قبح ما تكون عليه صورته وهو غضبان.

 

جمال التشريع ومجالاته:

أما الجمال في التشريع فحدّث ولا حرج، وهذا مجال رحب بكر لم تطئه أقدام السابقين، على أهميته ووضوحه في التشريع، سواء في مظهره أم مخبره، في شكله أم مضمونه، في لغته أم دلالاته، في سكونه أم حركته، وهو باب لا أعلم أحداً -فيما أعلمه- توافر له، وبيّنه، وأصّله وفصّله، وبيّن محاوره وأبعاده وآفاقه وجوانبه.

فالله تعالى كما ورد في نصوص متعددة جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويحب لعبده أن يلبس الثياب النظيفة والنعل النظيفة، في غير إسراف ولا كبر، ولله در القائل:

فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفـة

عند الإله وأنت عبد مجـرم

وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن

تخشى الإله وتتقي ما يحرم

حسبك أن تقرأ عن سنن الفطرة وآداب الإسلام من قص الشارب وقلم الأظافر والغسل يوم الجمعة ويوم العيدين، وفي هذا توليد للرغبة في اللقاء والمصافحة بما يعكس المدينة الفاضلة من حيث المظهر والمخبر.

وفي العبادات والآداب: شكل صلاة الجماعة، وشكل الساعين بين الصفا والمروة، والطائفين حول الكعبة، وفي الصلاة, وفي الجهاد وصفّ الصفوف صفاً، وفي اتخاذ المنبر وبناء دكان للرسول يجلس عليه حتى يعرفه القادم، واتخاذ الحرس والحجاب، ونهى الشارع أن يمشي الإنسان في نعل واحدة، وأمره أن يلتفت بجسمه كله لا بناحية لمن يحدثه، ونهى عن تصعير الخد، وألا يقرن بين تمرتين، وألا تطيش يده في الصحفة.. كل هذا ورد به نصوص شرعية صحيحة، خاصة في السُّنة الشريفة، وهذا باب أوسع من موضوع الفنون، لكنه ينشئ استقراء في مراعاة الجمال.>

الهوامش

(1) صحيح مسلم: كتاب الإيمان. باب تحريم الكبر وبيانه.

(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: 5/2808-2809. دار الشروق. القاهرة. الطبعة الثانية والثلاثون. 1423هـ ـ 2003م، وراجع: منهج الفن الإسلامي: 16-32.

(3) في ظلال القرآن لسيد قطب: 2983-2984.

الرابط المختصر :