العنوان الكبر و الخيلاء
الكاتب محمد أبو سيدو
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
مشاهدات 81
نشر في العدد 1116
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
يعتبر الأسلوب الذي اتخذه القرآن الكريم في التربية فريدا لا مثيل له، ولا يقتصر الأسلوب على طريقة واحدة ولكنه يسلك طرقا شتى لإقناع العقل والتأثير على القلب، وحيث أن كتاب الله لا تنقضي عجائبه لأنه المعجزة الخالدة، فقد وجد الذين سمعوا هذا القرآن أول مرة من آيات الله في الأرض وآياته في النفس نصيبهم وتسلموا رصيدهم وفق معارفهم وتجارب وإشراقات نفوسهم، ووجد كذلك كل جيل أتى بعدهم نصيبا يناسب ما تقدم من أنواع العلوم والمعارف والتجارب.
ونحن نجد نصيبا وفق ما اتسع لنا من رقعة العلم والمعرفة والتجربة وما يكشف لنا من أسرار، وستجد الأجيال القادمة نصيبها مدخرا لها في الآيات التي لم تكشف لنا بعد في الأرض والنفس وفي الأرض آيات للموقنين. ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ففي مجال علم النفس هناك ظاهرة تتسرب إلى النفوس الضعيفة لتغطية الإحساس بالنقص وهي ظاهرة الكبر والخيلاء.
ففي كتاب الله الخالد وفي سنة المصطفى ﷺ نجد حملة عنيفة على هذه الظاهرة الذميمة والصفة المنكرة التي يفقد فيها الإنسان الفطرة السليمة التي فطر عليها فتصبح أفعاله وأقواله ردود أفعال وليست أفعال.
وقد نتساءل ما سر هذه الحملة المتكررة والذم المتصل لهذه الصفة السلوكية وكيف شخصها القرآن الكريم وكيف كان العلاج؟
يقول رب العزة والله أعلم بمن خلق في وصف هؤلاء النفر:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تُجَادِلُونَ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرُ مَا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر 56).
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن ج يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِنَايَتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَفِلِينَ﴾
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾.
ويقول سيد الخلق المربي الأول سيدنا محمد ﷺ: إنما بعثت معلما - أدبني ربي فأحسن تأديبي، وقد كان حريصا في منهجه الرباني أن يجنب أمته من آفة الكبر وظلمة الخيلاء وضرب من نفسه مثلا حيا ونموذجا للتواضع وحسن الخلق ﷺ فقال : لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، والكبر يختلف عن مظاهر الزينة فإن الله جميل يحب الجمال فالكبر بطر الحق وغمط الناس.
يقول المصطفى ﷺ ويحشر المتكبرون يوم القيام كأمثال الذر يطأهم الناس لينتهين أقوام عن التفاخر بأقوام هم حصب جهنم أو ليجعلنهم الله أذل من الجعلان.
ومن أسلوبه العملي ﷺ أنه كان يكره أنه يرى متميزا على قومه وأنه لم ير ماداً ركبتيه بين يدي جليس قط.
ودخل مكة منتصرًا وهو مطاطئ رأسه حتى كاد تمس ذقنه واسطة الرحل، وكان يقول: إنما أنا عبد آكل كما ياكل العبد وأجلس كما يجلس العبد.
فالكبر قاطع للطريق إلى الله، والقرآن الكريم يرسم صورة مفزعة يوم القيامة لأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله.
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (44) كَغَلَي الْحَمِيمِ (45) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى (46) سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ (48) إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) ﴾ (الدخان).
تواضع لرب العرش علك ترفع *** فما خاب عبد للمهيمن يخضع
هذا هو التكبر الذي يفسد المجتمع ويورث البغضاء فما أحرى بالمربين والمصلحين أن يحاربوه ليحصل المجتمع على المحبة التي هي عماد المجتمعات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل