العنوان الكتاب الإسلامي.. بين التجارة والرسالة.
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1978
مشاهدات 55
نشر في العدد 404
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 18-يوليو-1978
كلنا يعلم أن حملة الدعـوة الإسلامية قد حرموا كثيرًا من الوسائل التي تعرف بعقيدتهم وتبين رأيهم للناس.. لقد حيل بينهم وبين عامة المسلمين حتى يظل الناس على جهل بإسلامهم، وعلى جهل بما يحيط بهم وما يخطط لهم. بينما أعطي أعداؤهم في كل مكان إمكانيات ضخمة لمحاربة الإسلام أو تشويهه أو إلهاء الناس بمشكلات وأمور كثيرة؛ حتى لا ينتبهوا إلى دينهم ويستمسكوا بعقيدتهم، فالإذاعات المسموعة والمرئية، والمسارح ودور السينما، والصحافة والكتب، ووسائل التجارة والمال والسياسة والمنصب والجاه والجنس، كل ذلك هنا وهناك لمقاومة الإسلام، وقد سيطر عليه أعداء الإسلام، أو الذين لا يكترثون في دنياهم لغير المال والجنس، ولا يتطلعون إلى غير ملذاتهم.
بهذا لم يبقَ لدعاة الإسلام سوى وسائل ناقصة وأدوات قاصرة ومحدودة تضيق في أكثر الأحايين.
فالمساجد ومنابر الدعوة إلى الله تجرأ عليها الظالمون، ودسوا فيها المأجورين- أحيانًا- ليلهوا الناس عن معرفة الحق، والصحافة أصبحت صورة للعصر الزائف الذي يتعامل بالكذب والزور والدعاية والمظاهر الخادعة.
من أجل هذا لابد لدعاة الإسلام أن يحرصوا على ما بقي لديهم من وسائل تحمل كلمة الحق ودعوة التوحيد، فضلًا عن حرصهم على توسيع الدوائر التي يخاطبون بها الناس، متنبهين إلى عدم الوقوع في المنزلقات التي يقع فيها غيرهم، فلا يجعلون الغاية تبرر الوسيلة، ولا يقبلون حمل الفكرة بوسيلة لا تصغو للدعوة وكلمة الحق، ولا يندسون بين الراكضين إلى السلطان والدنيا لينالوا نصيبًا من المال أو رضا الظالمين أو وجاهة الدنيا أو غير ذلك.
وإذا عرفنا أن الوسائل المتبقية لدى الدعاة المسلمين قليلة، فلا بد إذًا من الحرص عليها، واستخدامها بإتقان وجدية، بعيدًا عن الاستغلال والطيش.
ولعل الكتاب الإسلامي من أهم هذه الوسائل التي بقيت لدى الدعاة، على الرغم من حصار الظالمين وكيد أعداء الإسلام.
ولذا فإن الكتاب خدم الدعوة الإسلامية ونفذ من خلال الحصار ليبشر بالحق والخير، وحرية الإنسان وكرامته، في وقت ضاع فيه الحق وأهدرت الحرية وضاعت الكرامة. ولكن هذه الوسيلة تعيش في أزمة- أقول أزمة- وذلك لأسباب كثيرة.
فالمعروف أن الكتاب الإسلامي لا بد أن يبدأ من الكاتب الإسلامي المؤمن بالله عز وجل، الذي يحمل دعوة الله ويجاهر بالحق ويدعو إلى الله على بصيرة.
والكاتب الإسلامي لا يعني تخصصًا يتميز به بعض الناس فيكتبون عن القرآن أو الحديث أو الفقه أو أي علم من العلوم الإسلامية، بل هو الذي يصدر في تصوره وفكره وعاطفته عن الإسلام فكرة وعملًا ليكتب العلوم والتاريخ والشعر والقصة والمسرحية والاجتماع والفن، وكل ذلك من وجهة النظر الإسلامية، كل حسب اختصاصه ومؤهلاته، ولكنه يمتلك الشرط الأساسي وهو فهم التصور الإسلامي الشامل، والتميز به فكرًا وسلوكًا.
وإننا نرى كتابًا يكتبون في هذا الباب أو ذاك، ويجتهدون في إيصال الفكرة أو توضيحها، أو معالجــة قضية، أو التحدث عن ظاهرة، موقظين ومنبهين وداعين إلى الله على بصيرة.
ولكن المؤسف حقًا أن يكون هؤلاء وكثير منهم يبذل عصارة حياته للدعوة وحمل الكلمة الطيبة للناس موضع استغلال بشع، نعم، لأن الكاتب لا يستطيع أن يوصل فكرته إلا بواسطة الناشر الذي يأخذ الفكرة المخطوطة ليحولها إلى فكرة مطبوعة، وهنا تبدأ المساومات.
والذي نراه في هذه التجارة أن دور النشر حين تأخذ الكتاب فإنها تعامل الكاتب بمنطق التجارة، وتخضع الكتاب للأمور التالية:
ا- إن كثيرًا من دور النشر- بل أكاد أقول كلها- لا تنظر إلى الكتاب إلا بمقياس الرواج التجاري، دونما نظر إلى الفائدة أو القيمة العلمية الماثلة فيه، لهذا فإنها تعامل الكاتب- مهما كان إخلاصه وباعه- بقسوة حين تحكم على كتابه بصلاحيته للنشر أو عدم صلاحيته على هذا الأساس، أو تطلب منه الحذف أو التغيير أو الإضافة ليتناسب مع قانون الرواج وبيـع السلعة وتحقيق الربح السريع، ولكم شُوهت كتب وأرهق كتَّاب، وكم صُفع آخرون عندما نصبت دور النشر- ممثلة بتجارها- نفسها أستاذًا أو حكمًا على كل مؤلف وكاتب، فلا يسمحون للمؤلف بالظهور إلا بعد رضاهم وموافقتهم وحكمهم مهما كان نوع الكتاب أو موضوعه.
وربما يقول قائل: لماذا لا يعمد الكاتب إلى طباعة كتابه دون اللجوء إلى دور النشر؟ والجواب: أن دور النشر والتوزيع أحكمت الطوق بحيث تستطيع أن تميت أي كتاب مهما كانت قيمته قبل أن يصل إلى أيدي القراء، عندما تمنع توزيعه وتخزنه في مخازنها العميقة ليظل محبوسًا عن الناس.
٢ - حينما توافق إحدى دور النشر على نشر كتاب، ويخرج نهائيًا من يد الكاتب ليصبح في دوامة التجارة، يطبع كيفما يشاؤون، بالأخطاء والصورة التي يرغبونها، والمظهر الذي يختارونه، ثم يبدأ توزيعه دون أن يعلم صاحب الكتاب عدد النسخ المطبوعة وعدد النسخ الموزعة.
دعاء
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وأعف عنا وأغفر لنا وأرحمنا أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين.