; الكروات.. هل بدأت حربهم ضد مسلمي البوسنة والهرسك؟ | مجلة المجتمع

العنوان الكروات.. هل بدأت حربهم ضد مسلمي البوسنة والهرسك؟

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1992

مشاهدات 68

نشر في العدد 1023

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 03-نوفمبر-1992

المعارك التي اندلعت في منطقة (نوفي ترافنيك) بين المسلمين والكروات في العشرين من أكتوبر الماضي لم تكن وحدها إشارة الخطر على ما وصلت إليه الأحوال في البوسنة والهرسك إذ سبقتها أحداث وستليها أخرى ربما قبل أن تبارح مجلتنا هذه مطابعها. 

وقد تعددت الروايات التي فسرت الأسباب التي أدت إلى هذه المواجهة فالطرف الكرواتي ممثلًا في مجلس الدفاع الكرواتي يرفض الانضواء تحت علم قوات الدفاع البوسنية وتتبع زعيم كروات البوسنة الذي ينادي باستقلال منطقة الهرسك عن البوسنة تمهيدًا لضمّها لاحقًا لكرواتيا، هذا المجلس عقد مؤخرًا مؤتمرًا صحافيًّا في العشرين من أكتوبر الماضي في مدينة موستار ثاني أكبر المدن البوسنية والتي تقطنها غالبية كرواتية قال فيه إن عددًا من الجنود الكروات قد قتلوا وأصيب اثنان وعشرون آخرون بجراح فيما قتل 17 مدنيًّا وذلك أثناء مرورهم على حاجز وضعه المسلمون عند إحدى القرى، ويضيف البيان أنه كدليل على أن الأحداث والهجمات الغادرة على وحدات قوات مجلس الدفاع الكرواتي لم تأتِ عن طريق الصدفة بثت إذاعة البوسنة والهرسك أوامر القائد العسكري المسلم لمنطقة «نوفي ترافنيك» بإغلاق الممرات والطرق المؤدية لكرواتيا، ويضيف البيان أن دعوة قيادة أركان «توزلا» لوحدات التشتنيك الصربية للانضمام لصفوف الجيش البوسني مع منحهم ضمانات لهم لممتلكاتهم أمست بالأمر الذي لا يمكن تجاهله.

وقال البيان: إن معارك قد دارت أيضًا مع (المتطرفين المسلمين) في بلدة نيتز ولكنها كانت أقل حدة وبدون ضحايا وادعى الجانب الكرواتي خلال بياناته أن استيراد العديد من المجاهدين كان الغرض منه تأكيد الفروضات التي تتحدث عن وجود (متطرفين إسلاميين) في البوسنة والهرسك وعن إعلان الجهاد لخلق نوع من النفور في داخل الدوائر السياسية العالمية بالنسبة لحرب المسلمين العادلة. 

وعلى الجهة الأخرى اتهم على عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة والهرسك في مؤتمر صحفي عقد بجنيف يوم 21 أكتوبر الماضي قوات كرواتية متطرفة ترغب في إقامة دولة داخل دولة بأنها هي المسؤولة عن تفجير الأوضاع هناك، أما إذاعة البوسنة والهرسك فقد أعادت أسباب الصراع إلى مقتل أحد جنود الجيش البوسني على أيدي كروات؛ مما أدى إلى اشتعال فتيل الحرب بين قوات مجلس الدفاع الكرواتي وبين قوات الجيش البوسني في (نوفي ترافنيك) وذكرت أن هناك سببًا آخر يتلخص في طلب قوات مجلس الدفاع الكرواتي بأن تقوم قيادة قوات (نوفي ترانفنيك) المسلمة بتسليم قائدها وكل أسلحتها إلى الطرف الكرواتي.

ومهما تنوعت الأسباب التي أدت إلى ذلك أو اختلفت فإن حقيقة هامة تفرض نفسها ومفادها أن حربًا باردة (تشتعل أحيانًا) تدور بين شقي الحلف المهترئ بين المسلمين والكروات لمد السيطرة وبسط النفوذ على أكبر مساحة من الأرض التي ربما يقع الصدام من أجل شبر واحد منها وذلك لقناعة الطرفين أن الجولة القادمة من الحرب ستكون بينهما.

خطوة على الطريق

ومهما كانت حدة الصراع والصدام الذي تم بين الفريقين والذي كان يهدد بأن يتوسع ليشمل كل البوسنة والهرسك فإنه لم يأتِ مفاجأة لأحد بل إن أصواتًا كرواتية قد خرجت في الفترة الأخيرة تنذر بذلك، وهنا يجب الإشارة إلى حقيقة هامة وهي أن رغم أن الحزب الحاكم في كرواتيا والذي يتزعمه مانيو توجمان يميل ويؤيد ويهدف إلى تقسيم البوسنة والهرسك بين المسلمين والكروات والصرب وقد أعلن ذلك مرارًا وخلال كل المباحث التي كانت تتم في شأن الأزمة اليوغسلافية وبإشراف دولي إلا أن هناك اتجاهات كرواتية أخرى ترى غير ذلك إما من باب عدم الرغبة في دخول حرب دموية جديدة ضد حلف الأمس أو من وجهات نظر سياسية ترى إمكانية تمتع منطقة الهرسك بشبه حكم ذاتي مقابل الحفاظ على وحدة أراضي البوسنة والهرسك دون الحاجة إلى تورط في حروب جديدة ومن المؤيدين لهذه الفكرة (دبروسلاف باراجا) زعيم حزب الحقوق الكرواتي الذي تتبعه ميليشيات مسلحة تقاتل في البوسنة والهرسك يمثل المسلمون حوالي خمسين بالمئة منها وهو يعارض الرئيس الكرواتي على طوال الخط ويتهمه بالتآمر على المسلمين والسعي للاتفاق مع الصرب على حسابهم ولذلك فقد اغتيل رئيس ميليشياته قبل فترة كما تعرض هو ومقار حزبه لمداهمات بوليسية وحملة إعلامية ضخمة ضده في نطاق الخلافات الناشبة بينه وبين حكومته. 

ولذلك فإن هذه الأصوات الكرواتية الإيجابية لم تجد حرجًا في أن تتساءل: «ماذا وراء سقوط «بوسانسكي برود»؟» وهي المدينة البوسنية الواقعة على نهر السافا الفاصل بين البوسنة والهرسك وكرواتيا من جهة الشمال والتي سقطت في أيدي القوات الصربية أوائل شهر أكتوبر الماضي والتي كان يتولى أمر الدفاع عنها بالدرجة الأولى مجلس الدفاع الكرواتي مع شيء من التنسيق مع قوات الدفاع البوسنية والتي بسقوطها يتأمن للصرب في المناطق المحتلة من البوسنة الارتباط بصرب كرواتيا وصربيا الأم، وقد طرحت صحيفة جلوباس الكرواتية بعدها تساؤلًا على صدر صفحاتها تقول فيه «من باع بوسانسكي برود؟» حتى الإذاعة الكرواتية نقلت عن مراسلها في بريطانيا توقعات المراقبين البريطانيين عن وجود صفقة بين الصرب والكروات تراجع على أساسها الكروات من شمال البوسنة مقابل موافقة الجانب الصربي على إلحاق منطقة الهرسك بالبوسنة لكرواتيا خاصة وأن المدينة تتعرض ومنذ فترة طويلة لهجوم صربي متواصل وأنها تمثل لكل الأطراف موقعًا استراتيجيًّا هامًّا، بمعنى أن الأمر لم يكن مفاجئًا، غير أن الجانب الكرواتي لم يأخذ أية احتياطات لازمة لذلك وتناقلت الأخبار أنه تم نقل المدنيين بسلام إلى مدينة سلافونسكي برود الواقعة على الجهة الأخرى من النهر، فهل شمل الاتفاق ضمان سلامة المواطنين؟

اتفاقيات صبي ميلو شفتشي

صحيفة (نيويورك تايمز) لم تجد غضاضة في أن تصف الرئيس الكرواتي فرانيو توجمان بأنه صبي (ميلو شفتشي) رئيس صربيا وأنه يتبع سياسة ذات وجهين حيث إنه وقع عدة مرات على اتفاقيات التعاون المشترك مع الرئيس البوسني على عزت بيجوفيتش إلا أنه وبترتيب دولي عقد في جنيف مباحثات مع رئيس يوغوسلافيا الجديدة التي تشمل صربيا والجبل الأسود انتهت إلى توقيع اتفاقيات لتطبيع العلاقات وفي حين بقيت الاتفاقيات الكرواتية البوسنية جامدة لا يشهد لها أثر على أرض الواقع فإن الاتفاق الكرواتي اليوغسلافي الصربي شهد خطوات تنفيذية سريعة تتمثل في استكمال المباحثات في زغرب ثم في بلغراد والإعلان عن عودة الاتصالات الهاتفية بينهما وفتح الطريق البري بين العاصمتين وانسحاب الجيش اليوغسلافي الصربي من منطقة بروفلاكا الكرواتية ومازالت المناقشات تدور لاتخاذ خطوات أكثر إيجابية في مجال تطبيع العلاقات بين البلدين. 

هذه الأحداث وغيرها أيدت وجهة النظر القائلة بمؤامرة كرواتية صربية على حساب المسلمين خاصة وأن فاعليات المجتمع الدولي ورموزه صعّدت من ضغطها على الرئيس البوسني والقيادات المسلمة في البوسنة والهرسك للقبول بمبدأ تقسيم الجمهورية وفي إطار الحملات النفسية والحرب الدعائية روجت بعض الصحف الإيطالية مؤخرًا خبرًا مفاده أن انقلابًا قد حدث في قصر الرئاسة في سراييفو أطاح بالرئيس علي عزت بيجوفيتش وأتى بأيوب جانتش عضو مجلس الرئاسة، والغريب أنه رغم التأكيدات الصادرة من أيوب جانتش نفسه وعلى عزت بيجوفتش من أن هذا الأمر لم ولن يقع وأن معطيات الحال في البوسنة لا تسمح بذلك أصلًا إلا أن الجانب الكرواتي واصل بث ادعاءاته هذه وأضاف إليها وجود صراعات وخلافات بين المسلمين نتيجة وجود فريق متطرف أسماهم (الفتية الأتراك) يأخذون على «بيجوفيتش» تهادنه وقسم آخر يهدف- حسب زعمهم- لإعادة البوسنة إلى يوغسلافيا القديمة ولأن (مجلس الدفاع الكرواتي) يفرض نفسه مدافعًا عن الحريات والديمقراطيات وحقوق الإنسان في البوسنة والهرسك فإنه لن يسمح بذلك.

يقول بيان مجلس الدفاع الكرواتي الصادر في العشرين من أكتوبر: إن الأدلة تؤكد كلها أن وحدات المخابرات اليوغسلافية من دعاة صربيا الكبرى مستغلة تأثير ودور جيش الفرنسي وعدم اطلاع المسلمين على الأوضاع قرروا الانقلاب وخلق صراعات مع وحدات قوات مجلس الدفاع الكرواتي بالهرسك والشعب الكرواتي بصفة خاصة لمنع التوصل إلى اتفاق سلمي لأزمة البوسنة وكمحاولة لإعادة إحياء يوغسلافيا الميتة. 

واستكمالًا لهذا البيان الكاريكاتيري وفي محاولة لطمأنة المسلمين أو لخداعهم مرة أخرى صرح لورد أوين مبعوث الأمم المتحدة في شأن الأزمة اليوغسلافية: «ن تقسيمًا للبوسنة والهرسك لن يتم بالقوة!»، مما يفيد أن ذلك سيحدث! وقد شاركت وسائل الإعلام الكرواتية والعالمية في الضغوط النفسية، فذكرت جريدة دي فليت الألمانية أن الحرب في البوسنة والهرسك قد دخلت مرحلتها الأخيرة والنهائية وأنه قد أصبح مؤكدًا أن المسلمين هم الخاسرون.

نقطة النهاية

لكن هل حقًّا وصلت البوسنة والهرسك إلى نقطة النهاية؟

- من الصعب صياغة إجابة متزنة على هذا السؤال لكن يمكن طرح بعض الملاحظات:

فإذا كان المسلمون قد فوجئوا بالحرب مع الصرب التي لم يكونوا مستعدين لها فإن الحرب مع الكروات على الأقل وفي أسوأ تقدير (نصف مستعدين لها) ولا يمكن بالطبع إهمال أو التغاضي عن كل العقبات الجغرافية والسياسية التي تحيط بالمشكلة، كما يمكن التساؤل ما هو حجم المعارضة الكرواتية في هذا الشأن؟ وما مدى قدرتها على إجهاض أي مشروع تآمري للتقسيم؟ وهل يمكن للعالم الإسلامي ولو لمرة واحدة في عصرنا أن يمارس ضغطًا- لا نقول عسكريًّا- ولكن حتى اقتصاديًّا لمنع كرواتيا من الإقدام على ذلك؟

وأخيرًا: هل تسقط البوسنة؟

سؤال تطفح به هذه الأيام وسائل الإعلام الكرواتية التي تتحدث ليل نهار عن ضعف المسلمين وقوة الصرب الكروات.

أما الإجابة فربما تصيغها خمسة عشر عامًا من الجهاد الأفغاني.

الرابط المختصر :