; الكريسماس.. بين الاحتفال الديني والتجارة الرابحة | مجلة المجتمع

العنوان الكريسماس.. بين الاحتفال الديني والتجارة الرابحة

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 1103

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 36

السبت 30-ديسمبر-2006

  • الغرب يضخم الاحتفال به ليغطي على إفلاس الكنائس
  • الأناجيل لم تحدد اليوم الذي ولد فيه المسيح -عليه السلام- لكن في القرن الرابع عشر حدد جوليوس الأول يوم 25 ديسمبر عيد للميلاد بينما اعتبره نصارى مصر يوم 7 يناير
  • بريطانيا: أكثر من 5000 قتيل بسبب حوادث طرق للمخمورين في الكريسماس.. ومئات من حوادث الاغتصاب والتحرش الجنسي
  • لماذا نقلدهم ونحتفل بأعيادهم وكأن الأمر بات يخصنا بالدرجة الأولى؟!
  • شجرة الكريسماس اختراع ألماني وهناك من يرى أن الاحتفال ذو جذور إغريقية ويهودية

الأعياد ليست مناسبات للفرح والبهجة والتزاور فحسب، بل هي مظهر من مظاهر الانتماء الديني والحضاري، حيث تشعرك بأنك جزء من الجماعة والأمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل وصل التغريب بالمسلمين إلى أن يسيروا خلف الغرب كيفما شاء ولا يترك لهم خصوصية حتى في الأعياد التي هي شعار الأمة وجزء من دينها؟! فالأعياد المسيحية مثل الكريسماس صارت تزاحم أعيادنا وفي ديارنا.. وتجلب معها وجبة دسمة من المنكرات والخروج عن قيم ديننا الحنيف.

ومن المحزن أن نجد في أرض الإسلام اليوم مظاهر الكريسماس من أشجار «الميلاد»، والحفلات والألعاب النارية كأن الأمر بات يخصنا بالدرجة الأولى!

إن الكريسماس في بريطانيا مثلًا يعد موسمًا للإنفاق، وشرب الخمر، وما يتبعه من قتل للأبرياء بسبب السائقين المخمورين، ويقدر عدد الضحايا (من ٢٠٠٠ إلى ٥٠٠٠)، بجانب الحفلات الصاخبة وما يتبعها من حالات اغتصاب تحت تأثير المخدرات.. فهل هذا احتفال ديني أم موسم تجاري، أم فرصة للهو والعبث؟!

مغالطات تاريخية

فالأناجيل لم تحدد اليوم الذي ولد فيه المسيح عيسى ابن مريم -عليه السلام- ولكن البابا «جوليوس الأول» قرر في القرن الرابع الميلادي أن يوم ۲٥ ديسمبر هو يوم ميلاد المسيح!

وفي منتصف القرن السابع عشر وحتى بداية القرن الثامن عشر أوقفت الطائفة المسيحية «البيوريتانس» الاحتفال بالكريسماس في أوروبا وأمريكا، لاعتقادها أن الإنجيل لم يذكر يوم مولد المسيح بالتحديد، وأن الاحتفال أصله وثني روماني، واعترضت على الاحتفالات الصاخبة التي  تصاحبه. 

وفي عام ١٦٤٤م مُنعت كل الاحتفالات بالكريسماس بإنجلترا، شاملة تزيين البيوت وأكل الفطائر بينما نصارى مصر وهم «أرثوذكس» يحتفلون بيوم الكريسماس في ٧ يناير، حيث للأقباط تقويم خاص فيه العام 13 شهرًا.

أما بالنسبة لأصل الاحتفال فإن هناك من يرى أنه ذو جذور يهودية وإغريقية، وآخر يرجعه إلى عقائد وتقاليد وتراث القبائل الأوروبية، أما شجرة الكريسماس فهي «اختراع» ألماني، وأول شجرة استخدمت في بريطانيا كانت شجرة أهدتها ملكة النرويج للأمير ألبرت سنة ١٨٣٤م.

تراجع عدد رواد الكنائس

ولعل اهتمام الغرب باحتفالات الكريسماس، تخفي وراءها الكثير من علامات التراجع الديني المسيحي، فالذين يقولون إنهم يؤمنون بإله ٤٦% فقط، وقد يكون الكريسماس اليوم الوحيد الذي يحتفلون به ظنًا منهم بقدسيته الدينية ونسبة هؤلاء ۲۱% من الشعب فيما تراجع عدد المنتظمين في أداء الطقوس الدينية من ١.٦ مليون (3.5%) من البريطانيين عام ١٩٧٠م إلى ٩٤٠ ألفًا (1.9%) عام ٢٠٠١م.

موسم تجاري

ومن ثم فالكريسماس ما هو إلا موسم تجاري للبيع والشراء، وقد أنفق البريطانيون ١٥ مليار جنيه إسترليني العام الماضي، ويتوقع أن يصل إلى ١٧ مليار هذا العام. 

وينفق المواطن العادي في المتوسط حوالي ٤٠٠ جنيه إسترليني للهدايا في هذا الموسم، ويكون عرضة للاقتراض بالربا الفاحش وزيادة ديونه.

لهم دينهم

هؤلاء لهم دينهم وتقاليدهم وأعرافهم، ونحن لنا ديننا وقيمنا ومبادئنا، فلماذا نقلدهم، ونحتفل بأعيادهم في بلاد الإسلام؟ وقد قال تعالي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 3)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: «مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء».

نعم يحتفل النصارى بأعيادهم وهم يعيشون في بلاد المسلمين، ولكن لماذا نحتفل نحن بأعيادهم؟

لقد اعتبر بعض العلماء أن مشاركة أهل الملل الأخرى في أعيادهم نوع من الزور والباطل، واستنبطوا ذلك من وصف الله تعالى لعباده: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (سورة الفرقان: 72)، وقال القرطبي: «أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه، والزور كل باطل زور وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد»، وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين.

 ويقسم الشيخ القرضاوي الناس إلى ثلاثة أقسام:

١- أناس يمالئون النصارى، ويحتفلون بأعياد الميلاد أو ما يسمى الكريسماس أكثر ما يحتفل المسيحيون أنفسهم، وربما لم يحتفل بأعياد المسلمين ومواسمهم كما يحتفل بهذه المناسبة، هذا فريق نسي نفسه ودينه، وذاب في غيره كما يذوب الملح في الماء.

٢- وفي مقابل هؤلاء أناس آخرون، لا يرون أن تهنئ جارك أو زميلك أو قريبك أو أستاذك المسيحي، مع أنه يجاملك في أعيادك ويهنئك، وربما قدم لك بعض الهدايا، فهذا صنف آخر يرفض هذه المناسبة رفضًا تامًا بل يعتبر مجرد التهنئة حرامًا من المحرمات. 

3- أهل الوسط يعتبرون أن في سورة الممتحنة آيتين محكمتين من كتاب الله تعتبران دستورًا يؤسس العلاقة ما بين المسلم وغير المسلم فهذان هما القسمان من غير المسلمين، قسم قاتل المسلمين في ديارهم وأخرجهم من ديارهم أو ظاهر على إخراجهم، فهذا لا يجوز توليه ولا تهنئته ولا الصلة به، وصنف آخر مسالم «لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم» فهؤلاء لم ينه الله أن  «تبروهم وتقسطوا إليهم»، ومن البر حسن المعاشرة، ومن حسن المعاشرة أن تهنئهم بأعيادهم كما يهنئونك بأعيادك، خصوصًا إذا كان هناك صلة بينك وبين هذا المسيحي، كأن يكون جارًا لك، فهناك حقوق للجار، أو زميلًا في الدراسة، أو الطلاب الذين يدرسون في البلاد الأوروبية أو غيرها.

ويضيف فضيلته قائلًا: أنا أعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية شدد في هذه المناسبات، ولم يجز أن يهنئهم المسلم بناءً على أن هذا يتضمن الرضا بدياناتهم وعقائدهم وعباداتهم، ولكني لا أسلم له بهذا، المسلم الذي يهنئ المسيحي لا يرضى بعقيدته ولا يقول إن عقيدته سليمة، فليس هناك تلازم بين التهنئة وبين الرضا بعقيدة غير المسلم. 

مجمل القول إن المسلم يؤمن بالمسيح عيسى ابن مريم نبيًا رسولًا من أولي العزم من الرسل، ويؤمن بأن الله أنزل عليه الإنجيل فيه هدى ونور، ويؤمن بمعجزاته المذكورة في القرآن الكريم وبأمه الصديقة البتول المطهرة الطاهرة المبرأة مريم بنت عمران، ولكن المسيح -عليه السلام- في عقيدتنا ليس ربًا ولا إلهًا ولا ابن إله ولا ثالث ثلاثة، كما يعتقد بعض المحتفلين بمولده، ولا نرضى لهذا الرسول الكريم أن يرتبط اسمه المشرف باسم احتفال مبتدع لا يليق بمكانته، ولا نقر أن يرتبط مولده المبارك بيوم تُرتكب فيه المنكرات.

الرابط المختصر :