العنوان الكنيسة الكاثوليكية تواصل تخبطها.. بابا الفاتيكان يقر بصحة نظرية داروين!
الكاتب إبراهيم عامر
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 50
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
علاقة الدين بالعلم.. وموقع العلم من الدين.. هل الدين يرفض العلم؟ وهل نتائج العلم تناقض حقائق الدين؟ أسئلة مازالت الكنيسة حتى الآن تتهم بالعجز عن إعطاء أجوبة كافية وتوضيحات شافية لها، في حين فصل فيها الإسلام في أول نزول للروح الأمين جبريل -عليه السلام- على قلب سيد العالمين رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يتعبد بغار حراء، حين علمه قوله تعالى: ﴿ٱقرَأ بِٱسمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ مِن عَلَقٍ ٱقرَأ وَرَبُّكَ ٱلأَكرَمُ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَٰنَ مَا لَم يَعلَم﴾ (سورة العلق آية ١-٥)، يتجلى عجز الكنيسة -خاصة- في عدم تقديم رأي صريح وقاطع حول موضوع أصل الإنسان ونظرية التطور -المبتدعة من طرف «شارل داروين»- الذي مازال الأخذ والرد فيه مستمرًا إلى الآن، وقد كان أول من فتح الباب أمام تلك النظرية باتيشلي «بيو السابع» عام ١٩٥٩م، عندما أعتبر حينئذ أن «التطور فرضية جدية، قابلة للتحقيق وهي أهل للتفكير العميق تمامًا كالفرضية المقابلة لها».
وأخيرًا... تلقت الأكاديمية البابوية للعلوم في أواخر الشهر الماضي بروما، في الاجتماع الذي نظمته لمناقشة موضوع «أصل الحياة والتطور الأول لها» رسالة من البابا «يوحنا بولس الثاني» ضمنها اعترافه الصريح بنظرية «شارل داروين» حول تطور الجنس البشري، وهي الرسالة التي جاء فيها: «إن معارف جديدة، بعد ظهور المنشور البابوي حول تطور الإنسان تدفعنا إلى الاعتراف بأن نظرية التطور هي أكثر من أن تكون فرضية»، والذي يراه البابا -حسب ما جاء في الرسالة- هو تقارب النتائج التي حققتها دراسات مستقلة بعضها عن بعض الملاحظ أن هذه النظرية استقرت في روح الباحثين نتيجة اكتشافات ظهرت في عدة مجالات من العلم، مضيفًا: «إن النتائج المتقاربة المحصلة من خلال أعمال مستقلة بعضها عن بعض تمثل في حد ذاتها عامل مؤيد لهذه النظرية».
لكن تضيف الرسالة، يجب استعمال صيغة الجمع عند الحديث عن هذه النظرية «من الأحسن التحدث عن نظريات التطور أكثر منها عن نظرية التطور، وهذا الجمع-استطرد البابا- يتعلق باختلاف الشروح التي قدمت لآلية التطور من جهة، ويتنوع الفلسفات التي تنسب إليها من جهة أخرى»، كما أوضح بابا الفاتيكان أن الشرط الأساسي لموقف الكنيسة الكاثوليكية في هذا الموضوع هو التفريق بين المادة والروح في الإنسان، فقال: «إذا كان للجسم الإنساني أصل في المادة الحية قبل وجوده هو، فإن الروح مخلوقة مباشرة من طرف الله»، ومن ثم لا يمكن قبول نظريات التطور التي على أساس النظريات الفلسفية التي تنطلق منها، تعتبر أن الروح ناجمة عن قوى المادة الحية أو هي ظاهرة مصاحبة «ثانوية» لهذه المادة.
ردود الأفعال الداخلية والخارجية
الشيء الملاحظ في ردود الأفعال أنها جاءت فقط «أو في أكثرها» من طرف البيئات التاريخية والفلسفية، حيث لاستقبلتها بحماس شديد وحفاوة كبيرة، وذلك نتيجة الصراع المرير «وأحيانًا الدموي» الذي دار بين رجال الدين والعلماء في القرون الوسطى بسبب رفض الكنيسة للحقائق العلمية والاكتشافات التي لانتهى إليها العلم سواء في مجال الفلك أو الطب، وبالفعل فقد صرح المؤرخ «الوتشيو فللاري» الأستاذ في جامعة «المعرفة» بروما، «أن القبول النهائي لنظرية التطور من طرف الكنيسة يكتب في محضر المراجعة التاريخية الذي قام بخطوات مهمة ومعبرة، ابتداء من إعادة الاعتبار لـ «جاليليو»، كما تحدث أحد أكبر الفلاسفة الإيطاليين «فرانتشيسكو باروني» عن العودة الموفقة للكنيسة نحو الاعتراف بالعلم، بعد إعادة الاعتبار ل «جاليليو»، وعدم معارضتها للفرضيات العلمية المبرهنة.
ومن جهة أخرى، ومن العالم الآخر بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم يشهد صراعًا تاريخيًا بين العلم والكنيسة، إذ تتمتع المؤسسات العلمية هناك بنوع من البحث الحر من كل خلفية تاريخية «وإلى حد ما دينية»، تعالت الأصوات مستغربة من موقف الفاتيكان حيث صرح السيد «بيل هويتش» الناطق الرسمي للمعهد من أجل الخلق أن «للبابا أتباع كثيرون، بحيث إذا قال أن القمر مصنوع من «الغورغونزولا» «نوع من الجبن» فسيصدقونه، لكن القمر غير مصنوع من «الغورغونزولا»
هانس كونج: الكنيسة باخرة بصدد الغرق!
لقد أتضح بقوة من خلال مثل هذه المبادرات البابوية، أن الكنيسة مازالت تعاني من هاجس مواقفها التاريخية الرافضة للحقائق المعرفية والاكتشافات العلمية، ولذلك فهي تسعى من خلال اللجوء إلى مختلف الوسائل إلى تبييض تلك الصفحات التاريخية السوداء تجاه العلم والعلماء حتى ولو تعلق الأمر بهدم حقيقة دينية، كالذي يتوب من حرام بارتكاب حرام أكبر منه، أو يتداوى من داء بداء أضر منه، ويضاف هذا «الموقف العلمي» العجيب من الفاتيكان إلى «المبادرة السياسية» التي أعترف فيها بالكيان الصهيوني، دون إعطاء أي تفسيرات دينية لأتباعه حول ذلك القرار.
إن مما لا شك فيه أن هذه الرسالة، قد أثبتت صحة ما ذهب إليه العالم اللاهوتي الكبير «هانس كونج»، السويسري الذي يدرس بجامعة «توبينجا» الألمانية، وهو أن البابا يوحنا بولس الثاني أختار طريق «ترميم الكنيسة بدل تجديدها»، مما أدى به إلى كتابة مقال ذكر فيه عشر نقاط أتهام ضد البابا الحالي، مشبها الكنيسة في وضعها الراهن بباخرة على وشك الغرق، لذا وجب القيام بتغييرات كبيرة جدًا لإنقاذها.
ويبقى التساؤل مطروحًا بعد ظهور هذه الرسالة، وهو: هل حقيقة أن البابا يوحنا بولس الثاني -وهو في آخر حياته- يصدق أن جده كان قردًا في يوم من الأيام.