; في تنزانيا: الكنيسة تستنكر نيل المسلمين حقوقهم | مجلة المجتمع

العنوان في تنزانيا: الكنيسة تستنكر نيل المسلمين حقوقهم

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1990

مشاهدات 62

نشر في العدد 956

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 27-فبراير-1990

•       أخذ المسلمين لبعض حقوقهم تعتبره الكنيسة استعدادًا لإعلان الجهاد.

تقع تنزانيا في شرقي إفريقيا وتتكون من اتحاد تنجانيقا مع زنجبار الذي أُقيم عام 1964 وتبلغ مساحتها حوالي مليون كيلومتر مربع وهي تطل على المحيط الهندي، وتجاور كلًا من كينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وزائير وزامبيا وملاوي وموزمبيق، ويدخل في نطاق تنزانيا ثلاث جزر كبيرة نسبيًا في المحيط الهندي هي بمبا وزنجبار ومافيا بالإضافة إلى عدد من الجزر الصغيرة.

يحكم تنزانيا الحزب الثوري بقيادة القس جوليوس نيريري الذي استلم رئاسة الدولة فيها مدة 23 سنة انتهت باعتزاله عام 1985 لكنه ما زال محتفظًا بزعامة الحزب حتى الآن، وقد أذاق القس نيريري المسلمين في تنزانيا ألوانًا من الاضطهاد والحرمان من الحقوق وفي مقدمتها التعليم والخدمات الصحية والعمرانية، فمناطق المسلمين مهملة تفتقر إلى أبسط مظاهر الحضارة من كهرباء وطرق، ووسائل أخرى بينما تنعم المناطق النصرانية بكل أنواع الرفاهية والكماليات، ومستوى التعليم بين المسلمين منخفض جدًا فهم أقل من 15% بين طلاب الجامعات والمعاهد العليا ولا تتجاوز نسبتهم 22% من مجموع طلاب المدارس، أما في أوساط المثقفين والموظفين وهيئات التدريس فلا تصل نسبة المسلمين إلى 10% رغم أن عدد المسلمين في أقل التقديرات يساوي عدد المسيحيين.

وبينما كان نيريري يمنع النشاطات الإسلامية ويحارب الجمعيات والشخصيات التي تقوم بدور ريادي بين المسلمين كان يفتح الباب على مصراعيه أمام الهيئات التنصيرية ويقدم لها التسهيلات، ويسخر كثيرًا من أجهزة نظامه لخدمتها وتأمين راحتها. وقد منعت حكومة القس نيريري المسلمين من بناء مدارس خاصة بهم كما فرضت على الراغبين بالالتحاق بالمدارس التابعة للنظام المسيحي تغيير أسمائهم الإسلامية مما نتج عنه قلة عدد المسلمين الدارسين في هذه المدارس، وقامت الحكومة بحظر استيراد الكتب الإسلامية والمصاحف.

وكما حرمت حكومة نيريري المسلمين من التعليم والعيش الكريم والوظائف المرموقة، حرمتهم من الأمن والطمأنينة في ديارهم وبين أهليهم فقد اقتحمت ميليشيا «السونفرسونفو» التابعة للحكومة قرية «بوزجارا» الإسلامية وقامت بتمزيق المصاحف، والاعتداء على المسلمين وإرغامهم على ممارسة طقوس عبادية تخالف الشريعة الإسلامية.

ولم يقتصر نيريري على اضطهاد المسلمين داخل تنزانيا بل تعداها إلى البلاد الإفريقية الأخرى حيث قاد الحملات الصليبية المحدودة، والتي كان من آثارها سقوط حكومة عيدي أمين في أوغندا لأنه حاول رفع الظلم عن المسلمين في بلده وإعطائهم بعض الحقوق الأساسية وهم أكثرية ساحقة. كما أن نيريري وضع كافة إمكاناته تحت تصرف أوجوكو الذي كان يتزعم الحركة الانفصالية في بيافرا بنيجيريا، وهو من أبرز المؤسسين والداعمين لحركة التمرد في جنوب السودان. وقد بدأ حملاته الصليبية بالإغارة عام 1964 على زنجبار التي كانت تحكمها أسرة عربية، مما أدى إلى قتل أكثر من خمسة عشر ألفًا من المسلمين وإنهاء حكم العرب وضم جزيرة القرنفل إلى سلطته البغيضة.

عهد جديد:

وقد عاش المسلمون في ظل حكومة القس نيريري حقبة سوداء من تاريخهم تحملوا القهر وصبروا على البأساء والضراء وعانوا أشد المعاناة من الكبت والحرمان. وعندما تولى الرئاسة في تنزانيا الرئيس علي حسن مويني نظر نظرة متوازنة -حيث إنه لا ينطوي على ما في قلب نيريري من حقد أسود وعصبية عمياء- فوجد المسلمين لا ينالون كثيرًا من حقوقهم وقد وقع عليهم الحيف والظلم في الفترة السابقة، فمناطقهم متخلفة وحريتهم الدينية مصادرة ولا ينالون نصيبهم من التعليم، وبالتالي لا يتسلمون المناصب العالية والوظائف الرفيعة ويعاملون معاملة الأقلية المسحوقة وكأنهم لاجئون غير مرغوب بهم يعيشون على الهامش ولا يشاركون في إدارة البلاد مشاركة فعالة، فهم مواطنون ولكنهم من الدرجة الثالثة أو الرابعة. فأراد التخفيف من عنائهم ومساواتهم مع الآخرين في التعليم والوظائف وإعطائهم بعض ما حُرموا منه في السنوات السابقة، فعين في حكومته أربعة وزراء مسلمين كما استبدل أربعة من المديرين المسيحيين في وزارة التربية بمديرين مسلمين وغير ذلك من الإجراءات البسيطة التي لا تتعدى كونها تطبيقًا لشعارات علمانية الدولة وعدم التمايز بين المواطنين، رغم أن هؤلاء الوزراء والمديرين هم من خريجي المدارس والجامعات التي تشرف عليها الدولة، وهم في الغالب أعضاء في الحزب الحاكم في دولة تأخذ بنظام الحزب الذي يسيطر على مقاليد الأمور.

الصليبية تتحرك:

ومع ذلك فقد قامت قيامة الصليبية في تنزانيا وجُن جنونها بسبب هذه التعيينات التي أنصفت المسلمين بعض الإنصاف، فشنت عليها هجومًا شرسًا ووجهت الاتهامات المغرضة في محاولة لثني الحكومة عن هذه التعديلات الإدارية وإجبارها على التراجع عنها، فقد وصف الوزراء الأربعة بأنهم من الأصوليين وزعم أحد المشاركين في المؤتمر المسيحي الذي عُقد في دودوما أن بعض الجماعات الدينية والهيئات الإسلامية التي تمولها جهات خارجية تقوم حاليًا بتعكير جو الأمن والسلام في تنزانيا، وأضاف قوله إن المسلمين يستعدون لإعلان الجهاد في هذا البلد. وقد تكلم الرئيس التنزاني مويني ونائبه الأول جوزيف ساندي واريوبا في البرلمان للتخفيف من حدة الاحتجاجات ولكنهما وُوجها بعنف، حيث قال سكرتير الكنيسة أندري كيومو: «إن تنزانيا كانت محل حسد كل العالم لأنها استطاعت في الماضي أن تجتث كل النزاعات القبلية والاختلافات الدينية».

ولو كان كيومو شجاعًا بما فيه الكفاية لقال: ألم تخنق تنزانيا صوت المسلمين وتكبت حريتهم وتجعل الدين كله للكنيسة وبذلك فقط استطاعت أن تجتث النزاعات والاختلافات؟ وأضاف سكرتير الكنيسة قائلًا في لهجة تحريضية: «إن القضاء على النزاعات القبلية قد قاد البلاد إلى السلام ولكن هذا السلام أصبح مهددًا الآن من طرف بعض الجماعات الدينية الخارجية، فهل الحكومة واعية للأمر؟ وهل أخذت الاحتياطات اللازمة لوقف هذا التهديد؟» ولعله يقصد بكلامه أعمال الإغاثة والمساعدات التي توزعها بعض اللجان الخيرية وقد أجابه واريوبا قائلًا: «إن الحكومة على وعي بكل شيء ولن تسمح لأي طائفة دينية باستفزاز الأخرى». أما الرئيس مويني فقد احتفظ عمومًا في البيانات الرسمية بسياسة الحياد الديني ولكن الذين بدأوا يتشككون في صدقه قد أبدوا تخوفهم من الزيارات المتعددة التي قام بها زعماء مسلمون لبيته الشخصي في دار السلام.

خلاصة القول:

إن أعداء الإسلام لا يريدون له أن يتنفس ولا لأهله أن يتنفسوا الصعداء بعد العناء الطويل، ولذلك يتصدون لكل عمل يهدف إلى تحسين أحوالهم وتعديل أوضاعهم، ولا بد لنا هنا من تسجيل بعض الأفكار في نهاية هذا المقال:

1.     إن الصليبيين يريدون الديمقراطية التي تحقق أهدافهم فإذا أراد المسلمون الاستفادة منها اعتبروهم متشددين يعملون على زعزعة الاستقرار.

2.     شعور المسلمين بوجودهم وسعي بعض جهات الخير لإنقاذهم يُعد خطرًا على البلاد في نظر الكنيسة، أما توافد عشرات المؤسسات التنصيرية وآلاف المنصرين فلا يؤثر على الأمة أو يُخرب كيانها ويغتال استقلالها ويفرض عليها التبعية.

3.     وصول عدد من المسلمين الملتزمين بدينهم إلى بعض مراكز الدولة يسبب هذا السعار المحموم لدى الدوائر الصليبية، وكأن المسلمين الملتزمين ليس من حقهم تسلم أي منصب رفيع ولا أية وظيفة مؤثرة، فما معنى وصول ممثل الكنيسة إذًا إلى موقعه في البرلمان الذي يوجه منه هذا الاحتجاج الشديد؟ هل يتكلم بصفته نائبًا في البرلمان؟ إذًا لماذا يرضى بأن يصل المسيحي الملتزم بدينه ولا يريد أن يصل المسلم الملتزم بدينه؟ وإذا كان يتكلم بصفته الدينية فلماذا يحاول أن يفرض وصايته الروحية على الدولة بينما يحتج على مجرد ترقية بعض المسلمين وحصولهم على شيء من حقوقهم، في الوقت الذي يحصل فيه النصارى على معظم الوزارات والوظائف الكبيرة حيث تصل نسبتهم إلى ما يزيد على 80% من مجموع وظائف الدولة؟

4.     حتى زيارة بعض الزعماء المسلمين للرئيس علي حسن مويني في منزله للمطالبة بتوفير الخدمات للمناطق الإسلامية وعرض شكواهم والسعي لإنصافهم تجعل الحاقدين يتشككون في حيادية الرئيس، فماذا يقول المسلمون عن ممارسات القس نيريري الذي كان يرعى الكنيسة فضلًا عن رعايته وتفضيله للمسيحيين وليس استقبالهم في منزله فقط؟

5.     أن يأخذ المسلمون بعض المناصب يعتبره مدعي التسامح استعدادًا لإعلان الجهاد! هل هذا الحقد من تعاليم السيد المسيح؟ أم أنها العصبية الهستيرية والخوف على النفوذ الأجنبي والمصالح الخاصة؟

وفي الختام نأمل من حكومة تنزانيا أن تستمر في نهجها المتوازن الذي يحقق المساواة بين مختلف الطوائف وأن تعمل على رفع الضيم عن الفئات والمناطق المظلومة والمحرومة من معظم حقوقها كما ندعو المسلمين في كل مكان وفي مقدمتهم الجمعيات واللجان الخيرية أن ينتبهوا لما يُحاك لإخوانهم المسلمين في تنزانيا وأن يكونوا على مستوى الأخطار المحدقة بهم، ولا يفوتنا أن نطالب المسؤولين في البلاد العربية والإسلامية أن يفكروا بهؤلاء المسلمين وأن يعملوا بكل الوسائل المتاحة لرفع الظلم عنهم، ودعم الحكومات التي تنصفهم استجابة لإخوة الدين أو تأمينًا للمصالح السياسية، فلقد حققت إسرائيل من خلال تحركها داخل القارة الإفريقية كثيرًا من المكاسب التي ستعود بالضرر على قضايا العرب والمسلمين.

 

الرابط المختصر :