العنوان الكواكبي».. وتشخيص طبائع الاستبداد (2 من 2)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
مشاهدات 54
نشر في العدد 1230
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
لا شك أن ذكر المكافحين واختزانهم في الذهنية الإنسانية أمر يبعث على الاقتداء بهم والسير على سننهم، واستحضار كفاحهم ومعاناتهم أمر يدفع إلى تربية العزائم، وتقوية النفوس وبعث الهمم، والاستفادة من الدروس والعبر؛ لأن كل أمة انتشلت نفسها من وهدة التيه والضياع لم تفز بالنجاح إلا بجهاد ومجاهدين، وكفاح ومكافحين، والأمم التي تمني نفسها بالفلاح والعزة بغير ذلك، تتخبط في الضلال، وتسبح في الأماني الكذاب واكتشاف الأمراض وتشخيص العلل النفسية والاجتماعية والسياسية، لا يتوافر لكثير من الناس، خاصة في أزمنة طمس البصائر وضياع الطريق، والتعرض للامتهان، ولهذا دائمًا وأبدًا تبحث الشعوب عن البارعين في فهم تلك العلل والمتخصصين في طب هذه الأوجاع حتى تتعافى وتبرأ من وهنها النفسي وضياعها الاجتماعي، وقهرها السياسي.
والكواكبي – رحمه الله - كان من هذا الصنف، وينتسب إلى هذا الفريق، وقد عانى ما عانى من بحث وجهد وصعاب ومطاردة على هذا الدرب الكثير والكثير، ولم يمنعه ذلك أن يكون إحدى المنارات على الطريق هاديًا إلى الحق، واثقًا من النصر والتغلب على العواصف والأنواء يومًا ما، إن لم يكن ذلك في زمانه فبعده، وإن لم يره، فستكون حقيقة يراها خلفه ومن جاء على إثره، ولهذا تراه يصدر كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد بقوله: هي كلمات حق وصيحة في وادٍ، إن ذهبت اليوم مع الريح، لقد تذهب غدًا بالأوتاد، ثم يشير إلى مطاردته فكرًا وقلمًا وشخصًا، فيقول: «أنا مسلم عربي مضطر إلى الكتابة تحت اسم مستعار، شأن الضعيف الصادع بالأمر، المعلن رأيه تحت سماء الشرق، الراجي اكتفاء المطالعين بالقول عمن قال، والحق يعرف في ذاته ولا يعرف بالرجال، وإنني في سنة ثماني عشر وثلاثمائة وألف هجرية، هجرت دياري سرحًا في الشرق إلى مصر وإلى غيرها، وكلما ذهبت إلى أي مكان أرى الباحثين فيه يخوضون عباب البحث في المسألة الكبرى وهي علة تأخر المسلمين، وكل يذهب مذهبًا في سبب انحطاط المسلمين، ويذهب في الدواء كل مذهب، ولكنني قد تمخض عندي أن أصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية، وقد استقر فكري على ذلك، كما أن لكل نبأ مستقر، بعد بحث ثلاثين عامًا.. بحثًا أظنه كان يشمل كل ما يخطر على البال من سبب يتوهم فيه الباحث عند النظرة الأولى، أنه ظفر بأصل الداء أو بأهم أصوله، ولكن لا يلبث أن يكشف له التدقيق أنه لم يظفر بشيء، أو أن ذلك فرع لأصل، أو هو نتيجة لا وسيلة، فالقائل مثلًا: إن أصل الداء التهاون في الدين، لا يلبث أن يقف حائرًا عندما يسأل نفسه: لماذا تهاون الناس في الدين؟ والقائل: إن الداء اختلاف الآراء يقف مبهوتا عند تعليل سبب الاختلاف، فإن قال سببه الجهل، فإنه يشكل عليه وجود اختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد، وهكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة لا مبدأ لها فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأن الله عادل حكيم رحيم، وإني إراحة لفكر المطالعين أعددت لهم المباحث التي طالما أتعبت نفسي في تحليلها، وخاطرت حتى بحياتي في دراستها وتدقيقها، وبذلك يعلمون أني ما وافقت على الرأي القائل بأن أصل الداء هو الاستبداد السياسي إلا بعد عناء طويل، يرجح أني قد أصبت الغرض، وأرجو الله أن يجعل حسن نيتي شفيع سيئاتي، إنه نعم المولى ونعم النصير.
ولقد كان تشخيص الكواكبي لداء الأمة وتقريره أن الاستبداد هو العامل الأول بل والأوحد لعلتها سببًا في غضب السلطة عليه ومضايقته، فكان رحالًا في البلاد، داعيًا الى محاربة الظلم والاستبداد، متمثلًا بما قيل لأحد المحاربين للفساد و المكافحين للظلم: لماذا لا تبني لك دارًا؟ فقال: ما أصنع فيها، وأنا المقيم على ظهر جوادي أو في السجن أو في القبر، ولقد كانت لهؤلاء لذة في مجالدة الفساد لا تعدلها لذة، لأنهم يجدون في ذلك إرواء لنفوسهم الفتية، وإنهاضًا لعزائمهم القوية، ولهذا قيل لأحد الأباة: ما فائدة سعيك غير جلب الشقاء على نفسك؟ فقال: ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين، وقال آخر: عليَّ أن أفي بالحق وما عليَّ ضمان القضاء.
هذا.. وقد قال الباحثون أي الحرصَينِ أقوى: حرص الإنسان على الحرية والإباء والشمم أم حرصه على الحياة؟ فقالوا: الحقيقة التي عول عليها الباحثون وقررها العالمون أن النفوس ليست سواء، وذلك إن الحرص على الحرية والإباء والمجد مفضل على الحياة عند كبار النفوس، وعند النجباء والأحرار، وعند أولي العزم والشجعان، وحب الحياة يفضل على المجد والحرية عند المنحطين والأذلاء وضعاف النفوس طبيعة، وعند الجبناء والمنافقين والخائنين ضرورة، وهذا ليس خاصًّا بالإنسان، بل قد يكون في الحيوان كذلك، فإن بعض أنواع الحيوانات ومنها البلبل وجدت في طبيعتها اختيار الموت أحيانًا تخلصًا من قيود الأسر والذل، وإن كثيرًا من سباع الطير والوحوش إذا أسرت كبيرة تأبى الغذاء حتى تموت، وأن مما قيل في الأمثال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها؛ ولهذا يقول القائل:
لئن تنقلت من دار إلى دار
وصرت بعد ثواء رهن أسفار
فالحر حر عزيز النفس حيث ثوى
والشمس في كل برج ذات أنوار
وهكذا إذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجساد، واستهانت بالأخطار وسارعت إلى المعالي، بل إلى الشهادة في سبيل ما تعتقد: قائلة: فلا نامت أعين الجبناء، وفي هذا قيل:
رأيت عرابة الأوسي يسمو
إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد
تلقاها عرابة باليمين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل