العنوان الكيان الصهيوني: كم عمر حكومة نتنياهو؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1284
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 13-يناير-1998
بعد استقالة ليفي وأزمة الموازنة
غالبية "الإسرائيليين" يؤيدون إجراء انتخابات مبكرة
نتنياهو تجاوز مأزق الموازنة لكنه بات خاضعًا لابتزاز المتدينين
موازنة ٩٨: ٦٠ مليار دولار منها ١٢ مليارًا للدفاع والشرطة والمخابرات
عمان: عاطف الجولاني
منذ تشكيل حكومة منتصف عام ١٩٩٦م، ورئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو يتعرض لهزات متوالية، ولا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل أزمة أو أزمات جديدة، ويرى كثير من المحللين أن نتنياهو قادر على أن يخلق باستمرار مازقًا وأزمات لنفسه وللآخرين بسبب سوء تقديره وحساباته الخاطئة للأمور، في حين يرى البعض أن ما يتعرض له نتنياهو من مصاعب متلاحقة لا يعدو كونه «سوء حظ» لازمه منذ وصوله إلى السلطة في الكيان الصهيوني.
وإذا كان ما يلفت النظر هو قدرة نتنياهو على الخروج باستمرار من الأزمات والورطات السياسية المختلفة، فإن الأمر قد يبدو مختلفًا هذه المرة ونتنياهو يواجه أزمة داخلية حادة على خلفية أزمة إقرار الموازنة لعام ١٩٩٨م، وما تبع ذلك من استقالة الرجل الثاني في الحكومة، فوزير الخارجية ديفيد ليفي، وللمرة الأولى في تاريخ الحكومات "الإسرائيلية" دخلت السنة الجديدة دون أن تتمكن الحكومة من إقرار موازنة للعام الجديد.
وفق القانون "الإسرائيلي" فإن موازنة الدولة ينبغي أن تقر قبل دخول اليوم الأول من السنة الجديدة، وفي حال تعذر ذلك يعطي القانون فرصة ثلاثة شهور للحكومة للاستمرار بالموازنة السابقة وإقرار موازنة جديدة، وفي حال الفشل في التوصل إليها، فإن الحكومة تسقط بصورة تلقائية، وهذا ما طرح كثيرًا من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول مصير حكومة نتنياهو حينما فشلت في إقرار موازنة الدولة ضمن الفترة الطبيعية المحددة وهي ٣١ من ديسمبر ۱۹۹۷م واضطرت للدخول في فترة التمديد.
مشروع الموازنة الذي تقدمت به الحكومة لم تقتصر معارضته هذه المرة على حزب العمل بل امتدت لتشمل أطرافًا مشاركة في الائتلاف الحكومي، حيث صوّت وزير الخارجية ليفي وأعضاء حزبه «جيشر»، ضد مشروع الموازنة لدى عرضه على الكنيست في القراءة الأولى مما أدى إلى فشل الحكومة في الحصول على العدد المطلوب من الأصوات.
وفي أعقاب ذلك تعالت الأصوات المطالبة بإجراء انتخابات "إسرائيلية" مبكرة للخروج من الأزمة ومن حالة الشلل التي قد تعانيها الحكومة خلال الفترة القادمة، وقد أظهر استطلاع للرأي أجري مؤخرًا في أوساط "الإسرائيليين" أن ٥٨% منهم يرون أن إجراء انتخابات مبكرة هو الطريق للخروج من الأزمة القائمة، ولم يؤيد سوى نسبة ضئيلة استمرار الحكومة الحالية، وقد توقع نائب بارز من حزب الليكود الحاكم أن تكون أيام نتنياهو معدودة بعد استقالة ليفي الذي يملك حزبه خمسة نواب في الكنيست.
ويتساءل المراقبون هل يبحث نتنياهو عن بدائل تجنبه خوض انتخابات مبكرة في حال اضطراره إلى اللجوء لخيار الانتخابات المبكرة؟ أغلب التوقعات ترجح عدم قدرة نتنياهو على الفوز مجددًا في انتخابات تجرى خلال الشهور القليلة القادمة، ويعزو المحللون ذلك إلى الإخفاقات المتكررة التي واجهها على الأصعدة المختلفة.
فعلى الصعيد السياسي، تسبب نتنياهو بخلق أزمة حادة في المنطقة بسبب مواقفه المتعنتة إزاء عملية التسوية التي توقفت بصورة شبه كاملة خلال فترة وجوده في السلطة، وهو ما أدى إلى عودة الحديث مجددًا عن المواجهة العسكرية بين العدو وأطراف عربية، ولم يقتصر تأثير سياسات نتنياهو المتشددة على تأزيم العلاقات مع الدول العربية التي اتخذت خطوات تراجعية في موضوع التطبيع، تجلت بصورة واضحة في القرار الاحتجاجي العربي بمقاطعة قمة الدوحة الاقتصادية، بل امتد تأثير هذه السياسات المتشنجة ليوتر العلاقات "الإسرائيلية" - الأمريكية إلى الحد الذي دفع الرئيس الأمريكي كلينتون إلى رفض استقبال نتنياهو أثناء زيارته للولايات المتحدة.
وقد رافق هذا الإخفاق على الصعيد الخارجي، إخفاقات مماثلة داخليًّا، حيث لم تحقق الحكومة إنجازات اقتصادية تذكر مقارنة بحكومة العمل السابقة التي حققت الكثير من الإنجازات الاقتصادية ولكنها سقطت في الجانب الأمني، وإذا كان نتنياهو قد تفاخر خلال السنة الأولى من تسلمه السلطة بقدرته على تحقيق ما عجز عنه حزب العمل في حفظ الأمن والحد من عمليات المقاومة، فإن الوضع تغير بعد ذلك بصورة دراماتيكية أطاحت بآمال نتنياهو وبددت أحلامه بإمكانية الحفاظ على هذا الإنجاز، حيث جاءت العمليات الاستشهادية الموجعة داخل العمق "الإسرائيلي" لتؤكد أن الليكود ليس أحسن حالاً من العمل في هذا الجانب، وهو ما دفع أحد المحلين العسكريين "الإسرائيليين" إلى تأكيد أن من يحدد أمن المواطن "الإسرائيلي" هم مقاتلو حركة حماس وليس حزب الليكود أو العمل.
كما واجه نتنياهو في الجانب الأمني إخفاقًا آخر في الجبهة الشمالية مع مقاتلي حزب الله الذين نفذوا ضربات موجعة للقوات "الإسرائيلية" أدت إلى سقوط أعداد كبيرة غير مسبوقة من الجنود "الإسرائيليين".
ولعل مما يضعف من وضع نتنياهو في مواجهة أي انتخابات قادمة الانقسام الذي يشهده حزب الليكود على خلفية الصراعات التي جرت مؤخرًا داخل الحزب بين نتنياهو وقطاع لا يستهان به من رموز الحزب، وقد صدرت مؤخرًا دعوات داخلية لاختيار زعيم جديد للحزب قادر على خوض الانتخابات القادمة بعيدًا عن تركة نتنياهو المثقلة بالإخفاقات
وإذا كان ما سبق يشير إلى أن الأمور ليست في صالح نتنياهو إلا أن هناك مؤشرات أخرى لا تقل أهمية ينبغي أن تؤخذ بالحسبان؛ فالمجتمع "الإسرائيلي" وكما تظهر استطلاعات الرأي والمؤشرات المختلفة يتجه نحو مزيد من التشدد، وهو ما أدركه مبكرًا إيهو باراك الذي يزايد على نتنياهو في التشدد.
نفوذ المتطرفين
المتطرفون اليهود -الذين يزداد نفوذهم باطراد في المجتمع "الإسرائيلي"- لا يزالون يثقون بنتنياهو الذي التزم بكل اتفاقاته معهم سواء بعرقلة عملية التسوية أو تسريع الاستيطان بشكل كبير.
وفي ظل عدم تسرع الأحزاب "الإسرائيلية" المتدينة في طرح مرشح من داخل صفوفها، يبدو أن نتنياهو سيكون صاحب الحظ الأوفر في الحصول على دعم المتدينين، وهو ما سيكون له تأثيره على نتيجة أي انتخابات قادمة.
وعلى الرغم من أن انسحاب ديفيد ليفي وحزب «جيشر»، قد أدى إلى إضعاف الائتلاف الحاكم الذي كان يضم ثمانية أحزاب، حيث انخفض عدد نواب الائتلاف من ٦٦ إلى ٦١ عضوًا وهو ما يجعله معرضاً للانهيار عند أي هزة إلا أن نتنياهو تمكن من الخروج من عنق الزجاجة واستطاع تمرير مشروع الموازنة بصعوبة في الخامس من الشهر الحالي، حيث أيد مشروع الموازنة ٥٨ نائبًا في البرلمان في حين عارضه ٥٢ نائبًا وامتنع نائب واحد عن التصويت.
وقد أكد نتنياهو إصراره على الاستمرار في السلطة رغم استقالة ليفي، وأنه سيتسلم مؤقتًا حقيبة الخارجية بدلًا من ليفي، وأبدى نتنياهو معارضته الشديدة لإجراء انتخابات مبكرة، في الوقت الذي أيد فيه زعيم حزب العمل باراك إجراء الانتخابات وأعلن أن حزيه بدأ استعداداته لذلك تمهيدًا للعودة إلى السلطة.
ويتوقع المراقبون أن يزيد اعتماد نتنياهو خلال المرحلة القادمة على المتدينين في التحالف الحكومي، وهو ما سيؤدي إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات والسياسات المتشددة في المفاوضات مع الفلسطينيين وفي موضوع الاستيطان.
ليفي... وواقع الاستقالة
السبب الرئيسي الذي أعلنه ليفي لاستقالته من الحكومة ارتبط بالاعتراض على مشروع الموازنة، من حيث عدم وفاء نتنياهو بوعود سابقة بتخصيص ما بين مليارين إلى ثلاثة مليارات شيكل "إسرائيلي" للقضايا الاجتماعية من جهة ومن جهة أخرى تقليص مخصصات التأمين الصحي الشامل، والذي سيؤثر بصورة خاصة على طبقة ذوي الدخل المحدود الذين يعتبرون من أكبر مؤيدي ليفي وحزبه.
وقد حاول نتنياهو خلال الأيام التي سبقت إعلان استقالة ليفي تجنب الأزمة المتوقعة وصرح بأنه ينوي الوفاء بما وصفه بالتعهدات الأساسية التي قطعها على نفسه لوزير الخارجية إبان التصديق على الميزانية السابقة لعام ۱۹۹۷م.
ويرى بعض المراقبين أن تسرع ليفي في تقديم استقالته قبل استنفاد الجهود لتحقيق مطالبه في مشروع الموازنة، يدفع للاعتقاد أن أسبابًا أخرى ربما تقف وراء الاستقالة وسط ضجيج إعلامي مرتفع.
ومن ذلك شعوره بأن حكومة نتنياهو لن تعمر طويلًا، ولذا فقد آثر افتعال أزمة تتيح له الخروج كبطل يناصر قضايا الطبقات الفقيرة بهدف كسب المزيد من التأييد في أوساطها، وخاصة أنها آخذة بالتوسع.
وقد ذهب البعض إلى وصف ليفي بالانتهازي الذي يقفز على الحبال ويتأرجح بين اليمين واليسار من أجل تحقيق أهدافه وغاياته، وتشير بعض المصادر إلى غزل غير معلن يجري بين ليفي وحزب العمل المعارض، وقد أعلن مكسيم ليفي شقيق وزير الخارجية أن الأخير يتوجه لتشكيل حزب جديد على الساحة "الإسرائيلية".
موازنة 98.... الأولوية للأمن والتسلح
وكما كان الحال في السنوات السابقة، فإن مخصصات الإنفاق العسكرية لتطوير القدرات الحربية والدفاعية، ما تزال تحظى بأولوية قصوى في الموازنة "الإسرائيلية" التي وصلت نحو ٦٠ مليار دولار، حيث يبلغ مجموع المخصصات للدفاع والشرطة والمخابرات نحو 12,5 مليار دولار، وهو ما يشكل ربع حجم الإنفاق السنوي، وإذا ما أضيف إلى ذلك المخصصات المحددة للاستيطان وشق الطرق الالتفافية وما تعلق بذلك بصورة مباشرة، فإن نصف نفقات الموازنة تكون قد ذهبت في اتجاه التسلح والاستيطان.
وتشير الإحصاءات إلى أن الكيان الصهيوني هو الدولة الأكثر تسلحًا في المنطقة، وأنه تحول إلى أضخم قاعدة عسكرية أمريكية في العالم، وقد أعلن مؤخرًا أن "إسرائيل"، سوف تتسلم هذا الشهر الدفعة الأولى من ٢٥ طائرة من طراز إف ١٥ إي أمريكية الصنع الذي لم يحصل عليه سوى الجيش الأمريكي، وبلغت قيمة الصفقة ٢,٥ مليار دولار.
الجانب العربي وبخاصة الفلسطيني أظهر اهتمامًا غير طبيعي بتداعيات الأزمة التي يمر بها نتنياهو، وأظهرت أوساط السلطة رغبتها بأن تطيح الأزمة بحزب الليكود، وقد صرح أحمد الطيبي مستشار عرفات بأنه لن يذرف دمعة واحدة إذا اختفى نتنياهو من على الساحة واصفًا الحكومة "الإسرائيلية" بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ "إسرائيل".
غير أن ما هو واضح حتى الآن، أن حزبي الليكود والعمل باتا يتنافسان على إظهار مزيد من التشدد إزاء القضية الفلسطينية والقضايا العربية ولن يكون باراك أقل تطرفًا في حال وصوله إلى السلطة من نتنياهو، وهو ما يجعل الرهان العربي على حزب العمل رهانًا خاسرًا.