العنوان الرؤية الإسرائيلية للعالم العربي في ظل حكومة نتنياهو
الكاتب محمد إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1206
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 02-يوليو-1996
الصيغة الرسمية لبرنامج نتنياهو تؤكد معارضة الحكومة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة أو أي كيان ذي سيادة في الضفة الغربية
البرنامج يشدد على الإبقاء على الاستيطان اليهودي وتعزيز وضمان صلته بالكيان الصهيوني
أسفرت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في التاسع والعشرين من مايو «أيار» الماضي لانتخاب رئيس لوزراء إسرائيل لأول مرة بطريقة الاقتراع المباشر، ولاختيار أعضاء الكنيست الإسرائيلية الرابعة عشرة عن فوز زعيم تكتل الليكود اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو وفوز الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة بغالبية مقاعد الكنيست الأمر الذي فتح الطريق ولأول مرة منذ قيام حكومة إسرائيلية دينية متطرفة لتطبيق الأحلام والخرافات التوراتية بحذافيرها فجرى افتتاح الكنيست في الثامن من يونيو «حزيران» وللمرة الأولى على نحو لم يسبق له مثيل منذ قيام الدولة العبرية بقراءة فقرات من التوراة اليهودية نزولا عند طلب أحزاب المتدينين المتزمتين التي تضاعفت مقاعدها إلى ٢٤ مقعدًا، بينما تضمنت مقدمة بيان الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي شكلها نتنياهو «أن الحكومة مؤمنة بالحق الأبدي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل».
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد لم ينتظر طويلًا ليضع حدًا للتكهنات التي حاول مروجو التسوية إشاعتها منذ إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية حول برنامج الليكود وتصوراته لمستقبل العملية السلمية وأن نتنياهو سيغير من أسلوبه ويقدم برنامجًا حكوميًا مختلفًا عن البرنامج الانتخابي الذي فاز على أساسه بفارق عدد ضئيل من الأصوات، فموقع زعيم المعارضة يختلف عن موقع رئيس الوزراء المسئول وقد حاولت أطراف دولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التدخل لدى الدول العربية لإعطاء رئيس الوزراء الإسرائيلي الفرصة اللازمة للكشف عن توجهاته الحقيقية وتشكيل حكومته وإعلان برنامجها بشكل لا لبس فيه، وعدم إطلاق الأحكام المسبقة عليه ليبقى الطريق مفتوحًا أمام العملية السلمية.
تشكيل الحكومة الإسرائيلية:
لم يواجه بنيامين نتنياهو الكثير من الصعوبات في تشكيل حكومته بعد أن فازت الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة بأغلبية في الكنيست الرابعة بلغت حوالي ٦٨ مقعدًا، وباستثناء بعض الخلافات على اقتسام كعكة الفوز بين الأحزاب التي اشتركت في الائتلاف، فبعد أسبوعين من المشاورات التي أجراها نتنياهو قدم أعضاء حكومته للكنيست الإسرائيلي في الثامن عشر من يونيو «حزيران» الماضي طالبًا ثقتها على أساس البرنامج الحكومي الذي كان قد أعلنه وسلم للكنيست بشكل رسمي في وقت سابق لجلسة الكنيست الإسرائيلي.
هذا وقد تألفت حكومة نتنياهو من ١٦ وزيرًا بمن فيهم رئيس الوزراء علمًا بأن القانون الجديد الخاص بانتخاب رئيس الوزراء، في انتخاب مباشر من الشعب يعطي الحق لرئيس الحكومة بتأليفها من ۱۸ وزيرًا كحد أقصى بما في ذلك رئيس الوزراء نفسه، وقد انسحب أرئيل شارون من الحكومة بسبب مطالبة الأخير بتولي حقيبة المالية أو الدفاع وليس البناء والإسكان كما عرض نتنياهو عليه، وتولى نتنياهو بعد ذلك ثلاثة مناصب، أما القاعدة البرلمانية التي استند إليها في الكنيست الرابعة عشرة من أحزاب «ليكود + تسوميت + جيشر» = ۳۱ مقعدًا، حركة المتدينين الشرقيين «شاس» = ١٠ مقاعد، حزب المتدينين الوطنيين «مفدال» = ۹ مقاعد، قائمة المهاجرين الروس = 7 مقاعد، حركة «الطريق الثالث» = ٤ مقاعد، وقائمة التوراة اليهودية «يهودوت هتوراه» = ٤ مقاعد وستساند حركة موليدتش اليمينية المتطرفة على الأرجح، والتي تحتفظ بمقعدين في البرلمان حكومة نتنياهو من دون أن تنضم إليها.
وقد ضمت حكومة نتنياهو 3 جنرالات عسكريين خاضوا معارك ضد العرب في حربي يونيو «حزيران» ١٩٦٧م، وأكتوبر «تشرين أول» ۱۹۷۳ منهم إسحق مردخاي الذي تولى حقيبة الدفاع، ورفائيل إيتان الذي تولى حقيبة الزراعة والبيئة ونائب رئيس الحكومة، وأفيغدور كهلاني الذي تولى منصب وزير الأمن الداخلي، بالإضافة إلى أرئيل شارون الذي لم يسند إليه أي منصب حتى الآن إلا أنه من المتوقع أن يدخل الحكومة.
أما البرنامج الذي حصلت حكومة نتنياهو بثقة الكنيست عليه بفارق صوتين فقط فجاء مستوعبًا البرنامج الانتخابي لليمين الإسرائيلي بجميع أحزابه وتشكيلاته المتطرفة بالإضافة إلى بعض الشروط الإضافية التي أدخلتها الأحزاب الدينية بعد فوزها الكبير في الانتخابات، ونورد فيما يلي أهم بنود البرنامج الحكومي حسب الصيغة الرسمية التي سلمت للكنيست:
١- تريد الحكومة توسيع دائرة السلام مع جيرانها مع إيلاء اهتمام خاص في الوقت نفسه لأمن الدولة وسكانها.
٢- ستتفاوض الحكومة مع السلطة الفلسطينية من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي بشرط أن يحترم الفلسطينيون تعهداتهم بدقة.
٣- ستعرض الحكومة على الفلسطينيين ترتيبًا يسمح لهم بالعيش في حرية ضمن نظام حكم ذاتي
٤- ستعارض الحكومة إقامة دولة فلسطينية مستقلة أو أي كيان ذي سيادة في الضفة الغربية لنهر الأردن.
٥- إن أي اتفاق سياسي «مع الفلسطينيين» يجب أن يضمن الإبقاء على الاستيطان اليهودي وتعزيزه ويضمن صلته بدولته إسرائيل.
٦- تعتبر الحكومة أن الاستيطان في الجولان وفي وادي الأردن وفي يهودا والسامرة الضفة الغربية وفي قطاع غزة هو مهمة وطنية كبرى.
٧- تحتفظ الحكومة لنفسها عند الضرورة بأن تستخدم الجيش وقوات الأمن الأخرى ضد الإرهاب أينما كان.
٨- تعتبر الحكومة أن هضبة الجولان هي منطقة حيوية لأمن إسرائيل ولحفظ مصادره المائية.
٩- إن أي اتفاق مع سورية يجب أن يستند إلى إبقاء السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان.
١٠- إن الحكومة ستعمل على إزالة التهديدات لأمن السكان في شمال إسرائيل.
١١- إن الحكومة ستعمل على إبقاء القدس موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل وستمنع أي نشاط يتعارض مع هذه المبادئ.
١٢- إن الحكومة تتعهد بإبقاء الوضع القائم حاليًا في الشأن الديني وستبحث في الإجراءات التي يتعين اتخاذها من أجل تصحيح الانتهاكات التي يتعرض لها هذا الوضع.
١٣- إن الحكومة ستعدل قانون اعتناق اليهودية بحيث يقبل في إسرائيل فقط ما توافق عليه الحاخامية الكبرى.
وبالإضافة إلى البنود السابقة والتي تصلح لتكون إعلان نعي لمسيرة السلام، وفي نفس الوقت إعلان حرب على الدول العربية فإن هناك عددًا من الاتفاقات التي أبرمها نتنياهو مع الأحزاب الدينية نظرًا لحاجته إليهم، فلأول مرة بلغ عدد الوزراء من خارج الليكود أكثر من وزراء الليكود، ومن هذه الأحزاب حزب «المفدال» حيث استجاب نتنياهو لشروط المفدال وذلك بتضمين برنامج الخطوط العريضة للحكومة بندًا صريحًا تتعهد بموجبه الحكومة بالعمل على تمكين اليهود من إقامة شعائر دينية في الحرم القدسي الشريف.
وقالت صحيفة معاريف العبرية الصادرة في (6/18) إن حزب ليكود عاد وقبل بطلب حزب مفدال بتضمين برنامج الخطوط العريضة للحكومة بندًا صريحًا تتعهد الحكومة بموجبه بالعمل على تمكين اليهود بإقامة شعائر دينية لهم في الحرم القدسي الشريف.
وقالت الصحيفة إن الصيغة النهائية الملزمة التي تضمنتها الخطوط العريضة لحكومة نتنياهو بشأن «جبل الهيكل» المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة تنص على التالي: «الحكومة تعمل لترتيب إمكانيات صلاة لليهود حسب تعاليم التوراة في كل الأماكن المقدسة لهم..»
إن تشكيل الحكومة الإسرائيلية من تجمع ثمانية أحزاب سيجعل نتنياهو عرضة للابتزاز من قبل الأحزاب الدينية ويجعل حكومته عرضة للسقوط إذا قرر أحد الأحزاب الاعتراض على مشروع قرار أو الانسحاب عند أي مفترق حاسم اجتماعيًا أو دينيًا أو سياسيًا تفرضه استحقاقات المرحلة المقبلة، لذلك وفي ضوء هذه التشكيلة فإن ما يمكن استخلاصه من برنامج الحكومة الإسرائيلية هو التالي:
- تفريغ عملية السلام من مضمونها والتنكر لمرجعيتها، وإعادتها إلى بداياتها قبل مدريد.
- السقف النهائي للفلسطينيين هو الحكم الذاتي المشروط بقمع القوى الإسلامية المعارضة للسياسات الإسرائيلية.
- لا انسحاب من الأراضي العربية المحتلة في الجولان وجنوب لبنان، وطبعًا مع استمرار الاستيطان في جميع هذه الأراضي العربية المحتلة.
- استمرار استقدام المهاجرين لخلق حقائق ديموجرافيا جديدة على الأرض ويكون هؤلاء مقدمة لحروب توسعية قادمة.
- لا تقسيم لمدينة القدس وإبقاؤها عاصمة موحدة لدولة إسرائيل.
- إعادة الضفة الغربية باعتبارها جزءًا من أرض إسرائيل حيث عادت تسميتها في وسائل الإعلام الإسرائيلية «يهودا والسامرة».
- إعطاء امتيازات واسعة للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة وعدم إزالة آية مستوطنة يهودية في نطاق أي اتفاق حول التسوية ومنح المستوطنات في الضفة والقطاع مكانة خاصة على غرار المكانة التي تتمتع بها المدن والتجمعات السكانية داخل ما يسمى بالخط الأخضر.
- التهديد بشن حرب لا هوادة فيها ضد الجهاد الإسلامي، وهو ما تسميه الإرهاب الإسلامي وفي أي موقع كان.
ما يمكن قوله هنا وبعد هذا الاستعراض للحكومة ولبرنامجها أن حكومة بنيامين نتنياهو التي تنتمي للأساطير والميثولوجيا والخرافات فكريًا، وتحمى بأحدث منجزات العلم والتكنولوجيا عسكريًا، وتحظى برعاية وحماية أكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية هي حكومة توسعية ستسعى لفرض مفهومها للسلام الذي يحقق لها الأمن ويضمن لها وضعًا ممتازًا ومسيطرًا على العرب أي السلام الذي يقوم على مبدأ السلام مقابل السلام، فمن الطبيعي وفي ضوء الشروط التي تضمنها بيانها ولاءات رئيسها نتنياهو أنه لم يبق أية قضية للتفاوض عليها مع العرب، وما عليهم سوى القبول والتسليم بما يراه ويحقق أهدافه وطموحاته، وفي ضوء هذا الواقع فإن الحديث عن استمرار مسيرة السلام بالشروط والمرجعيات السابقة يعتبر ضربًا من ضروب المستحيل.
باختصار إن المنطقة مقبلة على مرحلة خطيرة من العنف وإشاعة الفوضى والاحتراب الداخلي لم يسبق لها مثيل بعد أن صوت الإسرائيليون لصالح الحرب والتطرف والاستمرار في اغتصاب الحقوق العربية، وربما ساعد الجانب الإسرائيلي على تحقيق ذلك أيضًا سرعة التحول في الموقف الأمريكي وميله لتأييد توجهات برامج الليكود المتطرفة على الرغم من بقاء الإدارة الأمريكية تقاتل في صف بيريز حتى الطلقة الأخيرة، وقد ترجمت الإدارة ذلك في عدة مواقف اتجهت فيها للضغط على الأطراف العربية بدل حث إسرائيل على الالتزام بمسيرة السلام، كيف لا ونحن على أبواب انتخابات الرئاسة الأمريكية.
إن حكومة بنيامين نتنياهو ستبقى في السلطة حتى بداية القرن القادم، وربما تكون هي التي سوف تتولى الإعلان عن قيام إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل تنفيذًا للوعود التوراتية.. كيف لا ونحن على أبواب نهاية القرن العشرين والخطة الصهيونية تقضى بتحقيق هذا الهدف إلى حقيقة واقعة قبل نهاية القرن، وهو الهدف الذي تلتقي عليه جميع شرائح المجتمع اليهودي سواء اليمينية المتطرفة أو اليسارية العلمانية، لذلك فإن التوسع وليس السلام هو النتيجة المحتملة للسياسة الإسرائيلية بغض النظر عن تصريحات المسئولين الإسرائيليين بشأن الرغبة في السلام فالبرنامج ينطوي على نوايا التوسع والعدوان امتثالًا للوعود التوراتية والتنبؤات التاريخية التي تدعو إلى تحرير أرض إسرائيل كاملة من الفرات إلى النيل.
إن نتنياهو لم يصر على التشدد في مواقفه التي من شأنها أن تنسف عملية التسوية برمتها لولا شعوره أن الولايات المتحدة ستؤيده في كل ما يريد تحقيقه للشعب الإسرائيلي، كما أن الوضع العربي في المقابل يشجعه على المضي قدمًا في مواقفه المتصلبة، فهناك استحالة أمام العودة إلى خيار الحرب، فالولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى منع العرب من امتلاك أية ناصية من نواصي القوة والمنعة في الوقت الذي تفتح فيه أبواب ترسانتها الحربية لإسرائيل لتأخذ كل ما يمكنها من شن العدوان وتهديد السلام والأمن في المنطقة تمامًا كما هو مستحيل تحقيق التضامن العربي الذي يمكن أن يوقف الغطرسة الإسرائيلية.
إن المواقف المتطرفة للأحزاب والشخصيات الإسرائيلية لم تعد شعارات انتخابية، بل أصبحت حقائب وزارية تتحرك على الأرض وسوف تتحول إلى تطبيقات عملية، فمنذ عام ١٩٤٨ والإسرائيليون ينتهجون سياسة دفاعية ويدعون إلى تحقيق السلام مع جيرانهم بينما هم يشنون الحروب المتواصلة ويغتصبون المزيد من الأراضي وفي كل مرة يفرضون حقائق جديدة، لذلك وفي ضوء هذا الواقع فإن الطريق أمام العرب إما أن يقبلوا معادلة السلام مقابل السلام أو ستضطر إسرائيل إلى شن حرب أخرى أو تفجير الصراعات الداخلية والحروب الأهلية لفرض السلام.
نتنياهو الذي جمع العرب في قمة القاهرة يريد السلام والأرض والأمن والمياه وأمامه كل الوسائل لفرض هذه الأهداف فماذا سيفعل العرب؟!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل