; اللاجئون السياسيون | مجلة المجتمع

العنوان اللاجئون السياسيون

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 785

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

  • فلسطين وأفغانستان.. تمثلان حقيقة الاضطهاد الديني والسياسي الذي يمارس ضد المسلمين.
  • لماذا ينتمي معظم اللاجئين السياسيين إلى بلدان العالم الثالث؟
  • قضية اللجوء السياسي تقترن بتمكن الأحزاب الشيوعية واليسارية من السيطرة على الحكم.
  • انتشار الأنظمة العسكرية في العالم الثالث ساهم في ارتفاع نسبة اللجوء السياسي.
  • المسلمون هم أكثر الطوائف تعرضًا للاضطهاد الديني والسياسي.

تدور في هذه الأيام مناقشات واسعة حول قضية اللجوء السياسي الذي بدأ يسبب لدول أوروبا الغربية وبخاصة ألمانيا قلقًا بالغًا نظرًا للأعداد الكبيرة من هؤلاء اللاجئين الذين توافدوا على ألمانيا الغربية.. ويزداد القلق كلما ازداد حجم هذه القوافل من طالبي اللـجوء السياسي وبدأت هذه القصة تأخذ حيِّزًا مهمًا داخل الاتجاهات السياسية في ألمانيا الغربية بشكل خاص وأوروبا الغربية بشكل عام.. فمعظم الأحزاب السياسية أدرجت ضمن برامجها الانتخابية تصوراتها الخاصة بكيفية معالجة هذه المشكلة التي أصبحت هاجسًا يوميًّا بالنسبة للمواطن الألماني الذي بات يشعر أن هذه الأعداد الضخمة من اللاجئين سوف تسبب له ضغوطًا اقتصادية واجتماعية و... ويشير أحد التقارير الصادرة عن مكاتب الهجرة الألمانية أن عدد اللاجئين الذين تمكنوا من دخول ألمانيا الغربية منذ بداية العام الحالي 1986 وصل إلى 70 ألف لاجئ.. وأن هذه المكاتب تتوقع أن يصل العدد إلى 100 ألف لاجئ مع نهاية عام 1986.. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن:

  • لماذا يتوجه اللاجئون إلى ألمانيا؟

والملاحظ في قضية النزوح الجماعي للاجئين أن الغالبية العظمى منهم تتوجه إلى ألمانيا الغربية التي أصبحت عاصمتها القديمة برلين الغربية مركزًا رئيسيًّا لهؤلاء اللاجئين واختيار هذه المدينة بالذات له أسبابه ومبرراته التي بات يعرفها كل من يفكر بطلب اللجوء السياسي في العالم.. والدافع الأول لهذا الاختيار يكمن في طبيعة القوانين الألمانية المتعلقة بقضية اللجوء السياسي.. حيث إن المادة 16 من دستور ألمانيا الغربية الذي صدر بعد سقوط النازية الهتلرية نصت على منح حق اللجوء السياسي لكل من يتعرض لاضطهاد سياسي أو عرقي أو ديني و... في بلده ولهذا كانت ألمانيا الغربية المكان المناسب لطالبي اللجوء السياسي من معظم أنحاء العالم..

والدافع الثاني لاختيار مدينة برلين الغربية يكمن في كون المدينة تمثل الجانب الغربي من مدينة برلين القديمة التي تعرضت للتقسيم إثر الحرب العالمية الثانية حيث أصبح الجزء الشرقي من برلين عاصمة ألمانيا الشرقية التي وقعت تحت هيمنة الاتحاد السوفييتي، ورغم مرور أكثر من أربعين عامًا على تقسيم الدولة الألمانية إلا أن حكومة ألمانيا الغربية لم تعترف بشرعية التقسيم وبالتالي لا تعترف بكون الخط الفاصل بين قسميّ المدينة حدودًا دولية بينها وبين ألمانيا الشرقية.. لذلك يستطيع طالبو اللجوء السياسي أن يعبروا بحرية من برلين الشرقية إلى الغربية حيث لا تفرض سلطات ألمانيا الغربية أية قيود على هذا العبور، وقيام سلطات برلين الشرقية بمنح التسهيلات اللازمة لهؤلاء اللاجئين من حيث تشجعهم على استخدام مطاراتها وطائراتها حتى بدون الحصول على تأشيرات رسمية وتشجيعهم على المرور عبر أراضيها إلى برلين الغربية.. كل ذلك يتم من منطلقات سياسية تهدف إلى إحراج ألمانيا الغربية لإقفال بوابات العبور بين القسمين الشرقي والغربي لمدينة برلين، وبالتالي الاعتراف بالخط الفاصل «جدار برلين» خطًا حدوديًّا يفصل بين دولتين مستقلتين ومن ثَمَّ إسقاط فكرة «الوحدة الألمانية» التي مازالت تنادي بها ألمانيا الغربية.

  • ‏اللاجئون من العالم الثالث:

‏والملاحظ أيضًا في قضية هؤلاء اللاجئين أن معظمهم -إن لم يكن جميعهم- ينتمون إلى دول العالم الثالث وبشكل خاص من دول الشرق الأوسط وأميركا الوسطَى وأميركا الجنوبية وإفريقيا وشبه القارة الهندية و... الخ. وهؤلاء يشكلون نسبة مرتفعة جدًّا من طالبي‏ اللجوء السياسي من جميع أنحاء العالم..

وكما ذكرنا فإن عدد اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا الغربية وصل إلى أكثر من 70‏ ألف لاجئ غالبيتهم من دول العالم الثالث والبقية من مواطني الكتلة الشيوعية.. ولابد أن نشير هنا إلى أن هناك عشرات الآلاف من اللاجئين الذين لم يدرجوا ضمن القوائم الخاصة باللجوء السياسي.. وهؤلاء هم أولئك الذين فروا من بلدانهم عن طريق البحر حيث كانت القوارب العادية تحمل على متنها مئات الفارين أي أضعاف طاقتها الاستيعابية.. ولكن حرص هؤلاء على النجاة بأنفسهم كان يدفعهم إلى ركوب تلك القوارب.. ولذلك أطلق على هؤلاء اسم «لاجئي القوارب» وقد بدأت هذه الظاهرة في أعقاب الحروب الفيتنامية والكورية والكمبودية.. حيث كان الطرف المنتصر يقوم بتصفية المعارضين للنظام الجديد ويتضح بشكل أكبر عندما يكون الشيوعيون أو اليساريون هم الطرف المنتصر.. كما حدث في فيتنام وكوبا وغيرهما... وأيضًا لابد أن نشير هنا إلى أنه كما كان هذا حال فيتنام وكوريا وكمبوديا... الخ في الهند الصينية كذلك كان حال كوبا والسلفادور ونيكاراغوا وتشيلي... إلخ في القارة الأميركية.. وأيضًا كان حال تشاد وإثيوبيا وإريتريا وأنغولا وزنجبار...إلخ في القارة الإفريقية.. وكذلك حال أفغانستان والهند وسيرلانكا... إلخ في شبه القارة الهندية وإيران وتركيا وفلسطين ولبنان وغيرهم من البلدان في منطقة الشرق الأوسط.. ويلاحظ أن جميع هذه الجنسيات تنتمي إلى دول العالم الثالث.. والغالبية العظمى من هؤلاء اللاجئين ينتمون إلى تلك البلدان التي ذكرناها.

  • لماذا من العالم الثالث؟

وربما يثير الدهشة والاستغراب أن تنحصر قضية اللجوء السياسي في بلدان العالم الثالث.. ولكن من خلال نظرة فاحصة إلى الاتجاهات السياسية والعرقية والدينية والاجتماعية السائدة في الدول التي تنتمي إلى العالم الثالث يمكننا فهم حقيقة كون اللجوء السياسي ينحصر بين سكان هذا العالم.. ولتوضيح هذه النقطة لابد أن نشير إلى ما تضمنته الاتفاقية الدولية الخاصة باللاجئين حول تحديد مفهوم اللاجئ.. حيث نصت على أن «اللاجئ‏ هو الانسان الذي يجد نفسه خارج بلده والذي لا يستطيع أو لا يرغب في حماية حكومة ذلك البلد بسبب الملاحقة التي يتعرض لها إما لأصله العرقي، أو الديني، أو القومي، أو لانتمائه إلى فئة اجتماعية محددة، أو بسبب معتقداته السياسية».

والملاحظ أن هذه النقاط الخمس التي يتضمنها المفهوم الدولي للاجئ تنطبق تمامًا على الأوضاع السائدة في بعض دول العالم الثالث..

فالصراعات العرقية تحتدم في أماكن عديدة من هذا العالم المسمى بالثالث كما هو حاصل في سيرلانكا حيث نشعر طائفة التاميل بالاضطهاد العِرقي ولهذا فهي تخوض حربًا للحصول على حقوقها داخل الدولة السيريلانكية.. والشعور بالاضطهاد العِرقي دفع الآلاف من التاميليين إلى مغادرة سيرلانكا إلى أوروبا وكندا..

والصراعات الدينية تكاد تشمل معظم بلدان العالم الثالث كما هو واضح في بلدان شبه القارة الهندية حيث تتعرض الأقلية المسلمة إلى الاضطهاد الهندوسي.. والصراع المعروف بين السيخ والهندوس.. وبين المسلمين والوثنيين.. وكذلك في بعض البلدان الإفريقية كما حدث في أوغندا وزنجبار وجنوب السودان و... وأيضُا في بعض بلدان الشرق الأوسط كما هو الحال في فلسطين المحتلة ولبنان وغيرها من بلدان الشرق الأوسط التي يتعرض فيها المسلمون للاضطهاد الديني سواء اليهودي أو النصراني أو الباطني.. وكذلك أيضًا الصراعات القومية والاجتماعية و... التي تنتشر في طول العالم الثالث وعرضه.. ولكن مع ذلك فإن أهم تلك النقاط الخاصة تجديد مفهوم اللاجئ تكمن في:

  • الملاحقة بسبب المعتقد السياسي:

وهذه القضية أصبحت الهاجس اليومي لكل أصحاب الاتهامات السياسية المعارضة للأنظمة القائمة ليس في العالم الثالث فقط بل في معظم أنحاء العالم مع التركيز على بلدان العالم الثالث وبلدان الكتلة الشيوعية، والناظر في طبيعة الأنظمة الحاكمة في معظم بلدان العالم الثالث يلاحظ أنها تنقسم إلى عدة أنواع فهي إما أنظمة عسكرية أو أنظمة ثورية أو أنظمة وراثية... إلخ، وتبقى الصفة العسكرية هي النوع الأكثر انتشارًا في بلدان العالم الثالث.. كما هو الحال في معظم البلدان الإفريقية والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وأميركا الوسطَى والجنوبية... إلخ، ونقصد بالصفة العسكرية كون الرئيس أو الحاكم ينتمي أصلًا إلى المؤسسة العسكرية.. كما هو الحال بالنسبة إلى زعماء بعض الدول الإفريقية مثل موبونو في زائير وموسيفيني في أوغندا ورولتز في غانا وبابا نجيدا في نيجيريا..

وكما هو الحال في بعض دول القارة الأميركية في تشيلي والسلفادور ونيكاراغوا وأيضًا في بعض دول شبه القارة الهندية مثل باكستان وبنغلادش.. وأيضًا في بعض دول الشرق الأوسط كما هو الحال في تركيا وليبيا والجزائر ومصر وسوريا... فهذه الدول تحكم من قبل رؤساء وحكام ينتمون إلى المؤسسة العسكرية.. وهناك العديد من الدول في العالم الثالث، تحكم من قِبَل زعامات مدنية.. إما بتوجيه مباشر أحيانًا أو غير مباشر أحيانًا أخرى من قبل المؤسسة العسكرية التي تعتبر عامل الضغط الرئيسي على الحكومات المدنية -إن وُجدت- في العالم الثالث.. ولابد هنا أن نشير إلى أن الطبيعة العسكرية تنسحب بشكل آخر على الأنظمة الشيوعية كما هو الحال في كوبا وبولندا وغيرها من الأنظمة التي تدور في فلك الاتحاد السوفييتي. أما بالنسبة للأنظمة العسكرية أو حتى غير العسكرية تميل إلى نزع عامل الثقة بينها وبين الآخرين، وبالتالي فإنها تعمد إلى فرض توجهاتها السياسية وحتى غير السياسية من خلال ما يتوافر لها من قوة عسكرية وهنا تبدأ حركة التصادم بين هذه الأنشطة والحركات السياسية المختلفة.. ولما كانت النزعة العسكرية تقوم على أساس الضبط والربط والطاعة و... فإن قادة هذه الأنظمة العسكرية لا يقبلون بأي حال من الأحوال أي اعتراض على توجهاتها من جانب الآخرين.. ومن هنا تبدأ عملية الملاحقة السياسية والاضطهاد السياسي ومن ثَمَّ فإنه حين يشتد الاضطهاد وتتابع اللاحقة فإن اللجوء السياسي يصبح أمرًا لا مفر منه..

وما ينطبق على الأنظمة العسكرية ينطبق أيضًا في العالم الثالث على الأنظمة الثورية وذات الحزب الواحد.. والأنظمة الشيوعية القائمة على حكم ‏الطبقة.. وهذه الأنظمة في مجملها تتبع بشكل أو بآخر نفس الأسلوب الذي اتبعته الأنظمة العسكرية في تعاملها مع الحركات السياسية الأخرى.. ولهذا نجد أن هذه الأنظمة أيضًا تمارس الاضطهاد السياسي بأشكاله المختلفة التي تدفع المعارضين من مواطنيها بالتالي إلى طلب اللجوء السياسي.. كما هو واضح في عمليات الهروب من ألمانيا الشرقية عبر جدار برلين، والهروب من بولندا وخاصة أثناء أزمة نقابة التضامن، والهروب من الستار الحديدي الذي فرضته الشيوعية في روسيا وفي كوبا ويوغسلافيا وألبانيا.. والأمثلة على الأنظمة الثورية وذات الحزب الواحد أكثر من أن تعد وتحصي في‏ عالمنا الثالث، وخاصة في دول الشرق الأوسط حيث تُحكم معظمها إما من خلال الأنظمة الثورية الفاشية أو من خلال الحزب الواحد.

  • وبعد

فإن قضية اللجوء السياسي لا يمكن أن تنتهي من هذا العالم طالما كان هناك ظلم واضطهاد مهما كان شكله أو مصدره، عسكري أو ثوري أو شيوعي أو دكتاتوري أو..‏ ولا ينقطع اللجوء إلا حينما يسود العدل وتطبق قولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «متي‏ استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا» التي قالها مستندًا على مبادئ الشريعة الإسلامية التي تنص على حرية الإنسان في اختيار المُعتَقَد الذي يريده مصداقًا لقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ﴾ (البقرة:256).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

79

الثلاثاء 06-يوليو-1971

هزيمة الأحزاب الشيوعية

نشر في العدد 55

92

الثلاثاء 13-أبريل-1971

نظريات الرجل الثالث