العنوان بين الفصيحة والعامية
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993
مشاهدات 67
نشر في العدد 1049
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 11-مايو-1993
من الظواهر اللغوية الشائعة في كل لغات الأرض وفي مختلف العصور والبيئات أن تشتمل اللغة - أي لغة أو لغتين - على مستويين متميزين:
۱ - الفصيحة: وهي
مستوى لغوي عام مشترك بين أبناء المجموعة اللغوية، يقوم عادة على أساس واحدة من
اللغات الموجودة، ولكن تجمع لها من خلال الاستخدام أصفى العناصر، وتسقط منها
الخصائص الأقل فصاحة مما يكسبها درجة أعلى من الوضوح والدقة والغنى، فترقى إلى
مستوى متميز تستحق فيه صفة الفصيحة وتتبوأ بين أبناء المجموعة اللغوية مكانة أعلى
من كل اللغات واللهجات الأخرى. وتقف وراء الاصطفاء والتميز عوامل حضارية عدة دينية
وسياسية واقتصادية، وأبرز مجالات استخدامها: الشؤون الأدبية والثقافية والعلمية
كتابة أو حديثا.
٢ - العامية:
وتشير إلى مختلف المستويات اللغوية الأخرى
المستخدمة في نطاقات محلية أو اجتماعية أضيق، وتنسب المتحدث بها إلى منطقة أو طبقة
أو فئة معينة، ويغلب استخدامها في مواقف الحياة اليومية في البيوت والشوارع
والأسواق ونحوها، ويقل جدا استخدامها في الكتابة أو في الشؤون الثقافية الرفيعة.
ومن أبرز الفروق بين الفصيحة والعامية -غير ما
ذكر- أن الأولى تتسم بالمحافظة على نظمها وخصائصها وحمايتها من كل الضغوط وعوامل
التأثير والتغيير المحيطة بها، ويتم ذلك عادة من خلال جهود أهل الاختصاص من أبناء
اللغة انطلاقا من اعتزازهم بها وغيرتهم عليها، فتراهم يعنون بدراستها ووصف خصائصها
على كل المستويات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، ويقعّدون لها، وبذلك يسهل
تعلمها ويتربى بفضل ذلك حس لغوي مرهف ينبسط للصواب والجمال اللغويين وينقبض للخطأ
والركاكة ويحذر من خطرهما. فإذا أصبحت تلك الغيرة على الفصيحة سياسة لغوية تتبناها
الدولة وتضع في خدمتها من إمكاناتها المادية والإدارية والأدبية الهائلة، عزز ذلك
كثيرا من مكانة الفصيحة ووسع من انتشارها.
أما العامية فإنها لا تلقى من ذلك عادة شيئا
يذكر، فتقنع بأفقها المحدود ولا تقاوم كثيرا ما يتسرب إلى نظمها المختلفة من عناصر
دخيلة من الفصيحة أو من اللهجات الأخرى أو حتى من مصادر أجنبية عنها تماما، ولا
يعنى أحد بحمايتها من تلك التأثيرات الوافدة. والنتيجة أن تتباعد العامية تدريجيا
عن الفصيحة وعن اللهجات الأخرى إلى حد أن يصبح التفاهم بين بعضها أحيانا عسرا أو
معدوما. لكن ثمة عوامل أخرى تعمل في الاتجاه المضاد فتقلل من الفجوة بين الفصيحة
والعاميات، وذلك حين لا يكون من الجماعة اللغوية إصرار مستمر على تثبيت الفصحى والحفاظ
على خصائصها عند مستوى معين، بل تكون مستعدة لأن تقبل كل عنصر «عامي» يشيع على
الألسنة وتعترف به الجماعة اللغوية، فتدخله فيها ويصبح ضمن خصائصها، فيصيبها من
التغير ما يصيب اللهجات العامية وإن كان بدرجة أقل، ويؤدي ذلك بالضرورة إلى النزول
بمستواها كلما ازدادت انتشارا وازدادت العناصر التي تستعيرها من صور اللهجات
المحلية(1).
ما موقف اللغة العربية من هذه الظاهرة
العالمية، وهل حالها معها كحال سائر اللغات أم تميزت بشيء عنها؟ انقسمت اللغة
العربية، منذ أقدم عصورها، إلى لهجات كثيرة تبعا للقبائل المختلفة، ثم أُتيحت لهذه
اللهجات فرص كثيرة للاحتكاك، واشتبكت في صراع لغوي، وكان النصر للغة مشتركة أصبحت
لغة الأدب والدين والسياسة والاقتصاد(2). ويبدو أن الكثير من لهجات العرب، أو
لغاتها كما كانوا يسمونها، كانت على قدر كبير من الفصاحة، وأنه إلى جانبها لهجات
أقل فصاحة من أمثال اللهجات التي شاعت فيها ظواهر اعتبرها اللغويون عيوبا تبعد عن
الفصاحة، ومنها:
- الكشكشة:
إبدال كاف المؤنث (ك) شينًا: كتابك →
کتابش، مما لا يزال مستخدما في اللهجة الكويتية، وكانت تنسب قديما إلى قبائل عربية:
مضر وربيعة وحمير وغيرها.
- الكسكسة:
إبدال كاف المؤنث وكاف الخطاب سينا عند الوقف (ربيعة
ومضر وغيرهما).
- العنعنة:
إبدال الهمزة عينا: تميم وقيس وأسَد. (مثل: نطق
لا → لع
في صعيد مصر).
- الاستنطاء:
قلب العين نونا قبل الطاء: ينطي في يعطى. وسواها من الظواهر(3).
كانت اللهجات البريئة من تلك العيوب تعد
فصيحة. فلما قدر النصر للغة قريش وأن تصبح اللغة المشتركة الجامعة لأجمل ما في
لغات العرب الفصيحة، كانت تلك اللغة الراقية جديرة بلقب أسمى وهو الفصحى في مقابل
تلك اللغات الفصيحة، وحين اصطفى الله تلك الفصحى وعاء ولسانا معبرا عن وحيه، بلغت
فصاحتها الذروة ووصلت في القرآن حد الإعجاز، فصار لقب الفصحى بها أليق وألصق. وهذه
ميزة لم ولن تتحقق لسواها من اللغات، وارتباط الفصحى بالقرآن أولا، ثم بالسنة
النبوية وبعلوم الحضارة الإسلامية الرائعة وتراثها استوجب شدة الاعتزاز والعناية
بها إلى أبعد حد، فجمعت مصادرها بمنتهى الحرص والاهتمام، وصفت خصائصها بالتفضيل،
وقعدت قواعدها بدقة بالغة لأن القصد كان صيانتها والاحتفاظ بها عند هذا. ووقف
المسلمون، حكاما ومحكومين، حراسا يذودون عنها ويحمونها من كل خطر أو اختراق. أما
اللغات واللهجات الأخرى فقد سقطت إلى مستوى العاميات، وتركت تتلقى من كل مصدر
وتتغير كما تشاء لها الظروف في كل عصر ومصر. وهذا لعله سر الاتساع الملحوظ في
الفجوة بين الفصحى وتلك العاميات، وتلك سمة أخرى انفرد بها اللسان العربي.
وإذا كان الشأن في ألسنة الأرض أن يضحى
بالعاميات من أجل الحفاظ على الفصيحة، وهو ما جرى بقوة للسان العربي زمان عز
الحضارة الإسلامية، فإن ما جرى في عصرنا من حرب ضروس على الفصحى ودعوات مكثفة
لإحلال العامية - العاميات محلها، لفاجعة لم تجر على أي لسان آخر، وما منيت به تلك
الجهود الأثيمة من فشل ظاهر لعبرة أخرى نادرة، وهذا ما سيكون موضوعا لوقفة أو
وقفات أخرى- إن شاء الله.
__________________
الهوامش
1- د. رمضان عبدالتواب- المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي- مكتبة الخانجي- مصر- ص167.
2- السابق نفسه.
3- د. هاشم الطعان- الأدب الجاهلي بين لهجات القبائل واللغة الموحدة- بغداد- 1978- ص153- 158.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل