العنوان اللغة العربية وقضية التخلف «3 من 4»
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2005
مشاهدات 66
نشر في العدد 1679
نشر في الصفحة 52
السبت 03-ديسمبر-2005
مشكلة الهاتف بسقوط «سيبويه» تكمن في قلة محصوله من المعرفة الإسلامية واللغوية والتحامل على معارضيه الذين يصفهم بأنهم نجحوا في إسكات كل صوت ينادي بالتطوير بتوجيه أشنع الاتهامات إليه، وأولها بأنه معاد للدين وكافر بالله.. ولم أقرأ أو أسمع حتى الآن أن أحدًا اتهم الشوباشي بالعداء للدين أو الكفر بالله وليته ذكر اسم واحد منهم حتى نواجهه بأن التكفير ليس من حقه ولا يجوز لأحد أن يكفر أحدًا في الإسلام إلا من خلال إعلان هذا الأحد الكفر الصريح.
ويبدو أن الهاتف بسقوط سيبويه نسي أنه يعرض لقضية خطيرة ترتبط بمصير الأمة وهويتها وهي لغتها، فراح يدلل على دعواه بأدلة خاطئة وواهية، ومنها على سبيل المثال استشهاده ببيت المتنبي:
وكلمة في طريق خفت أعرفها فيهتدي لي فلم أقدر على اللحن
إنه يرى أن المتنبي، خاف أن ينطق بلغة عربية سليمة، فيكتشف الناس حقيقته، وهو هارب من حمى جرش وبطش ابن كروس الأعور، فالنطق الخطأ إذًا هو القاعدة. كما يقول الشوباشي. ومن لا يخطئ هو الاستثناء، وهذا كلام غريب حقًّا. فعلى مدى التاريخ وفي كل اللغات هناك مستويان: مستوى اللغة الفصيحة السليمة، ومستوى النطق اللهجي العامي. المستوى الأول هو المستوى الرسمي للأدباء والكتاب والمفكرين والعلماء والفقهاء واللغويين والرواة وأمثالهم، والمستوى الآخر هو مستوى العامة الذين لم يتعلموا اللغة ولم يدرسوها (شذت عن ذلك البوادي التي حافظت على النطق الفصيح السليم وذهب إليها المتنبي في صباه ليستوعب اللغة الفصحى في بيئتها الأولى). فكانت لهجاتهم على غير الفصاحة في النطق والسلامة في الضبط. ولو أن الشوباشي درس القصيدة التي ورد فيها بيت المتنبي جيدًا لعرف أنه اضطر للاختلاط بالصعاليك وأشباههم، فسايرهم وتكلم لهجاتهم حتى لا يجفلوا منه ويستشعروا مكانته وأهميته، وهذا أمر طبيعي للغاية حين ينزل إلى مستواهم اللغوي والفكري. ولو أن «الشوباشي» قرأ القصيدة من أولها لعرف أن المتنبي كان يهجو زمانه وناسه وحكامه وقال فيهم ما قاله مالك في الخمر. ويكفي أنه افتتحها ببيته الذي يقول:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
بالطبع، لو عاش المتنبي في زمننا لرأى أن زمانه يعد مثالاً في عظمته وروعته، ويعرف أن خوفه من اللحن أمام اللصوص والصعاليك، يؤكد أهمية الفصحى وتفوقها. فالمتنبي لا يخاف الإعراب، وشعراء عصره وأدباء زمنه كانت لغتهم الفصحى وساماً على صدورهم وتاريخهم. لقد خان التوفيق صاحب «يسقط سيبويه» حين تصور أن خوف المتنبي من الإعراب دليل على عدم صلاحية اللغة الفصحى، ومسوغ لهجرها والتنكيل بها وإحلال عامية الشوباشي مكانها.
ويبدو أن صاحبنا، وقد تراكمت لديه النرجسية بصورة مخيفة من خلال استخدام ضمير المتكلم «أنا» في مواضع كثيرة يصعب حصرها بالكتاب، لا يجد حرجًا في التعامل مع الشعر على طريقته الخاصة التي تخرج الأبيات والدلالات عن موقعها الأصلي؛ فهو مثلاً يسخر من بيت عمرو بن كلثوم:
إذا بلغ الفطام لنا رضيع تخر له الجبابر ساجدينا
ويرى في هذا البيت مبالغة تصل إلى حد الكاريكاتير، مع أنه لو درس حياة العرب في الجاهلية وعرف قيمة الفخر وأهميته بالنسبة للشاعر الجاهلي الذي يصدق مع نفسه وقومه، لتأكد أن عمرو بن كلثوم كان يعبر عن واقع قبلي يرفض الذل والهيمنة والسيطرة من جانب الغير، والمبالغة لا تعني ما يقوله الشاعر حرفيًّا، ولكنها تعني ببساطة صدق الفكرة التي يعبر عنها والدلالة التي يطرحها، وهي استعداد قومه للفداء والتضحية مما يعرفه العرب المحيطون بهم. أما المبالغة في عصرنا لدى العرب فهي المستنكرة والمستكرهة؛ لأنها تعني كذب الفكرة والدلالة جميعًا.
والأمر نفسه فيما يتعلق ببيت عمرو بن كلثوم:
ملأنا البر حتى ضاق عنا ونحن البحر نملؤه سفينا
إن الشوباشي يرى أن معلقة عمرو بن كلثوم تثير الضحك فعلاً، ويسخر من عمرو ومن العرب جميعًا لأن العرب في رأيه لم يملأوا واحدًا في المائة من أرض الجزيرة العربية، كما لم يعرف لهم أية أساطيل.. صغيرة أو كبيرة، فما بالنا أن تضيق بهم الأرض، وأن يكون لهم أسطول يملأ البحر سفنًا.
وواضح أن الرجل لديه قصور معرفي بين في المجال الأدبي، ولو أنه فهم البيت الأول، لاهتدى إلى ما يريده الشاعر تعبيرًا عن فخره بقومه في مواجهة كل من تسول له نفسه أن ينقض عليهم، ولو درس الشوباشي البلاغة العربية التي يريد إلغاءها لعلم أن هنالك شيئًا اسمه التعبير المجازي الذي يسعى إلى تقديم دلالة ما عبر مستويين، وهو من مميزات اللغة العربية وليس من عيوبها كما يتصور!
وبمناسبة الشعر أيضًا، فقد أورد الرجل بيت النابغة الذبياني:
زعم العوازل أن فرقتنا غدا وبذاك خيرنا الغراب الأسود
في صورته الخاطئة موسيقيًّا، قبل أن يصححه النابغة في رحلته إلى المدينة:
زعم العوازل أن فرقتنا غدا وبذاك تنعاب الغراب الأسود
ولو أن الرجل كان حريصًا على تثقيف نفسه لدرس موقف الإسلام من الحسد والتشاؤم ولم يرتب على ذلك علاقة عضوية بنشوء اللغة العربية في ظل الخرافات والخزعبلات، وانعكاس المنظومة العقلية الجاهلية عليها إلى حد بعيد.
ومن المؤسف أن يخلط الرجل بعض المفاهيم في سياق هلامي، دون أن يحدد مراده. فيؤكد مثلاً أن هناك ارتباطًا وثيقًا عند العرب بين البيان والسحر، ويستشهد بالحديث الشريف: «إن من البيان لسحرًا»، متناسيًا أن السحر هنا صفة جمالية، وليس السحر بمعناه الأصلي.. ثم يصف كعب بن زهير - رضي الله عنه - بالشاعر الماكر الذي تسلل لمجلس الرسول ﷺ كي ينال عفوه عن طريق قصيدته الرائعة «بانت سعاد»... ومع ما في هذا الوصف من عدم لياقة تجاه صحابي جليل، فإن الرسول ﷺ عفا عن كعب حين أعلن إسلامه، أما البردة التي خلعها عليه فكانت من أجل القصيدة.
لا أريد أن أستطرد في هذا المجال الذي أساء فيه الشوباشي إلى الشعر والشعراء فهمًا وحكمًا ونقدًا، ولكني أريد أن أشير إلى نقطتين في المساحة المتبقية من هذه السطور، أولاهما حول قدسية اللغة والأخرى حول الفرز الطائفي.