العنوان قطوف حركية من القصص القرآني : اللعنة.. كيف ولماذا؟
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000
مشاهدات 76
نشر في العدد 1413
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 15-أغسطس-2000
في مواقع قرآنيه متعددة ورد ذكر، اللعنة، عمومًا، ولعنة بني إسرائيل، خصوصًا، كما جاء الكلام عن الأسباب التي أدت وتؤدي إليها ليأخذ الناس من ذلك العبرة، وليتجنبوا هذه الأسباب حتى لا يكون للناس على الله حجة، وليتذكر أولو الألباب، فبسبب نقض العهد والميثاق، يُمكن أن تَحلُّ اللعنة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ﴾ (المائدة:۱۳).
وبسبب الجحود والكفران تقع اللعنة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (البقرة:۸۸).
وبسبب إيذاء الله ورسوله والصالحين من عباده تنزل اللعنة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (الأحزاب: ٥٧).
ويسبب كتمان الحق والهدى والبينات يمكن أن تحل اللعنة، مصداقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة:١٥٩). وبسبب عدم الأمر بالمعروف والتناهي عن المنكر تنزل اللعنة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (المائدة 78:79).
وبسبب الظلم على أنواعه المختلفة يمكن أن تحل اللعنة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود:18).
وبسبب ضعف التقوى وعدم الاحتكام إلى شرع الله، والنزول عند حكمه، والغفلة عن ذكر الله يمكن أن يفسد القلب وينطفئ نور العقل، حتى يستحسن الإنسان القبيح، ويستقبح الحسين وصدق الله تعالي؛ حيث يقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (النور:40)، وإلى هذا المعنى يشير الشاعر بقوله:
إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ للِفَتى*** فَأَكثَرُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ
ومن سياق هذه الآيات وغيرها، يتبين أن اللعنة عمومًا، التي نزلت ببني إسرائيل على وجه الخصوص كانت نتيجة شيوع المنكرات، وتعطيل وظيفة الدعوة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هي صمام أمان المجتمعات في كل زمان ومكان.
عن رسول الله r أنه قال: «لا تزالُ لا إله إلا الله تنفع من قالها وتصرف عنهم العذاب والنقمة، ما لم يستخفوا بها، قيل وما الاستخفاف بها يا رسول الله؟ قال: يظهر العمل بمعصية الله فلا ينكر ولا يُغير.
وعنه r أنه قال: «ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب» «رواه أبو داود».
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قال: «ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة».
واللعنة قد تصيب أمة أو تنزل بجماعة ومجموعة وحركة وفئة كما يمكن أن تحل بشخص بذاته، واللعنة عقوبة نسبية قد تصغر وتكبر بحسب حجم المنكرات والمعاصي المرتكبة: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود:117).
أنواع العقوبات
هنالك أنواع شتى من العقوبات التي يمكن أن تقع بسبب الذنوب والمعاصي، ونتيجة شيوع المنكرات وحلول اللعنات.
وقد يغيب عن الكثيرين منا نحن الإسلاميين - هذا الربط بين الذنب والعقوبة -وفي كثير من الأحيان يكون تفسيرنا لهذه الظواهر تفسيرًا ماديًا بحثًا، كتفسير الدول لتراجع الاقتصاد، وجمود السوق، وتوقف الإنماء.
فظاهرة انحباس الرزق وشح الموارد، قد لا ينظر إليها كنتيجة لارتكاب الخطايا، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليُحرم الرزق بخطيئة يعملها» «رواه ابن ماجه»، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف:٩٦).
وظاهرة الفشل وعدم التوفيق والنجاح والتخبط والتعثر، ووقوع الهزيمة تفسر دائماً على أنها نتيجة ضراوة التآمر وكيد الأعداء، وقد لا تفسر على أنها نتيجة حتمية لتراجع التقوى وضعف الاعتصام، وشيوع النزاع والخصام وصدق الله حيث يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:2) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الانفال:46) ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور:52).
وظاهرة الانشقاقات والخلافات المستشرية اليوم على الساحة الإسلامية والتعددية الصراعية بات ينظر إليها على أنها حالة بشرية طبيعية، نتيجة التفاوت الخلقي القائم بين الناس، وقد يستدل البعض على ذلك بآيات قرآنية لإعطاء هذه الصورة المرضية مبررات شرعية، كمثل قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود:118)، مما يوقف التفكير تلقائياً في حقيقة ذلك، وبالتالي يعطل المساعي التي يجب أن تبذل لجمع الكلمة ووحدة الصف.
إن حب الرئاسة، واتباع الهوى واللهث وراء المصالح الشخصية، وغلبة هم الدنيا على هم الآخرة، وتصحر النفس، وقسوة القلب، قد تكون الخلفية الأكيدة لهذه الظاهرة، كما قد يكون ذلك نتيجة اختراقات للساحة الإسلامية من قبل أعدائها على قاعدة «فرق تسد».
وظاهرة تفلت العاملين من الدعوة لا تفسر إلا أنها نتيجة لضعف الشخص المتفلت وليس لعدم قدرة المؤسسة على الإمساك بأعضائها، وتوظيف طاقاتهم، ووضعهم في مواضعهم، وبالتالي ضعف المحاضن التربوية والرعائية المسؤولة عن كل ذلك.
وظاهرة ضمور النشاط الرسالي، وتراجع الدور الدعوي قد يعتبر نتيجة طبيعية لشيوع الفساد العام وانشغال الناس والمجتمعات بمشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية، ولا يوضع ذلك في دائرة تخلف الخطاب الدعوي والسياسي وعدم تكافؤ مفردات المشروع السياسي والنيابي والبلدي عن تقديم الحلول العملية للمشكلات المذكورة، حيث يبدو المنهج الإسلامي منهجًا نظريًا، كما يبدو الخطاب الإسلامي خطابًا ثقافيًا فولكوريًا لا يلامس حياة الناس ومشكلاتهم وجراحاتهم.
أما ظاهرة ضعف التأثير في الرأي العام وعدم بلوغ مواقع القرار فضلاً عن التأثير فيها: يكون غالبًا نتيجة عدم الأخذ بالأسباب، وتحضير المؤهلات والمقومات اللازمة لذلك، كعدم وضوح المشروع، والجهل بالواقع المتعامل معه وفردية العمل، وعفوية التصرف، وعدم المتابعة، وتعطل المحاسبة وغياب مبدأ الأخذ بسنن الأولويات والموازنات والتغيير والتدافع والتمكين وغيره.
إن فهمنا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30)، يجب أن يدفعنا للبحث عن حقيقة الأسباب الكامنة وراء الظواهر المرضية واللعنات الحركية - وبعضها قاتل بدون شك -كما يجب أن يدفعنا إلى مزيد من اللجوء إلى الله وقرع بابه تلمسًا لهداه وسداده والتوقف عن الأخذ بسياسة تبرير أخطاء، لكونها سياسة شيطانية لا تؤدي بأصحابها إلا إلى تفاقم أخطائهم، وتحكم أهوائهم وإلى أن يخبطوا خبط عشواء!
قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِذَا أَتَيْتَ نَادِيَ قَوْمٍ فَارْمِهِمْ بِسَهْمِ السَّلَامِ، ثُمَّ اجْلِسْ فإن أفاضوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَأَجْرِ سَهْمَكَ مَعَهُمْ - أي شاركهم وتعاون معهم. وإن أفاضوا في غير ذلك فتخل عنهم وانهض.
(*) كاتب لبناني.