العنوان اللغة العربية بين الأدب والتشريع
الكاتب أحمد عبدالرحمن حماد
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1980
مشاهدات 86
نشر في العدد 477
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 22-أبريل-1980
في الواقع إن فكرة تقسيم المدلول إلى حقيقة ومجاز تعتمد أساسًا على التطور الزمني للغة، وقد يدخل في هذا التقسيم عامل ديني يتصل أساساً بفكرة الخلق، وهل يصح أن يضاف الخلق إلى غير الله أو لا يصح، و لعلنا نذكر حديث البلاغيين العرب ومناقشاتهم الطويلة «نبت الربيع البقل» فتقسيم اللغة إذن إلى حقيقة ومجاز أمر إقتضاه الاستعمال اللغوي المُتدرج بما يصيبه المجتمع من ثقافة وما يقتضيه اتساع معرفته من تخصص بعيد العور دقيق الإدراك، و المجتمع نفسه هو القاضي على هذا الاستعمال و المُحدد لمكانه من سير الحياة اللغوية.
•والمجتمع العربي الإسلامي قد عاش أول مرة في جزيرة العرب، ومنها تعددت هجراته إلى ما حوله من البيئات الأخرى سواء أكانت هجرات تدفع إليها الحاجة و يقضى بها تحصيل المنفعة المؤدية إلى حفظ الحياة و رعايتها فيها، أم هجرات قضى بها الإيمان بالدين الذي اهتزت له وبه نفسية العربي وكيانه فاسترخص في سبيل نشره و إذاعته في الناس و إبلاغه إليهم نفسه.
•فكانت الحروب الإسلامية التي كانت أول وسيلة من وسائل الاحتفال بين العرب و بين غيرهم من شعوب الأرض، لقد كان من أهم ما يدفع عن هذه الحروب وصفها أو تعليلها بأسباب اقتصادية أو مادية- إن الفاتحين حَوَّلُوا كثيرًا من البلاد المفتوحة إلى معاقل للفكر ومصادر للمعرفة، ولكنها كانت معرفة من نوع خاص تتصل بهذا الدين تفسر كتابه و تستنبط الأحكام منه و تهدي الناس إلى ما فيه من تشريعات تُنَظِّم حياتهم وتُدبر شئونهم وتحميهم من شَرَه النفس و أفن العقل و نزوة الضمير.
فكانت هذه المدائن وتلك الحصون مَعَاقِل لهذا الدين بمعناه الواسع، سواء أكان أصولًا تحدد مسلك العقيدة، و تنفي عنها ما أصابها من اضطراب أم فروعًا لها آثارها القوية في تربية النفس وتهذيب الخُلق، ومنها هذه العبادات التي تقوم أساسًا على مبدأ الطاعة لإله واحد.
•وتقرأ في تاريخ هذه الفتوح فتملك نفسك الدهشة إذ كانت هذه البيئات قبل الفتح الإسلامي تدرس ثقافات و معارف يغلب عليها الطابع العقلي أو تعتمد على التجربة المادية، ثم قامت المدن التي بناها المسلمون الفاتحون في هذه البقاع تجمع في دراستها بين الدراسة التشريعية واللغوية مُجتمعة هذه الدراسات كلها حول النص القرآني فيما بقدرة دراسة من التأمل والاستشراق، ثم التطبيق العملي لما يصل إليه من أحكام و قواعد، فقد كان العرب إذن يدرسون كتابًا دينيًا يجمع بآياته أوصال الإنسانية التي حَطَّمَهَا التعصب المَذهبي الديني، و كان الجانب الروحي الذي نزل الكتاب عارضًا لمَقَاصِدَهِ و أهدافه من أهم الدوافع التي جدت بالمسلمين أن يصلوا بين النص و بين الأديان السابقة؛ حتى يمكن فهم الجديد الذي نزل به القرآن باعتباره التجربة الدينية الخالدة على الأيام، ولا يستطيع دارس أن يصل إلى ما يطمع فيه بعد درس النص دراسة واعية أصلية إلا إذا عرف تاريخ اللغة التي نزل بها النص و أسرارها في التعبير، و مقاصدها في البيان. و أولئك جميعًا كانوا يُقدرون أن العربية تمتاز عن غيرها من اللغات التي عرفها العالَم المتحضر إنذاك، والتي اتخذها وسيلة في التعبير عن ذاته ثم التعبير عن إمكانياته الحضارية المتعددة.
تمتاز العربية عن هذه اللغات بأنها عاشت في جزيرة العرب حتى أدركها الإسلام، وهذه الجزيرة لها طابعها الخاص وخصائصها المُنفردة بها ، و إذا كانت الحضارات الإنسانية قد اتخذت شواطئ الأنهار و بِقاع الخصوبة و الازدهار أماكن لها، ومنها كانت نقطة البدء في رحلاتها إلى كثير من الآفاق؛ فإن العربية التي وصلت إلينا قد عاشت في أعماق الصحراء فاكتسبت خصائص هذه البيئة وكان مما تمتاز به هذه اللغة الإيجاز في أبين صورة، و أوضح مظاهره و أجلى قسماته، و لكنه إيجاز يُنمي في قارئ النص مَلكة التأمل في المعنى و استقصاء جزيئاته و الاستشراق إلى وراء هذه الجُزيئات من معان، و يبدو أن القرآن وهو كتاب العربية الأول حين نزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في هذه الصحراء كان يُقدر إحساس العرب بلغته فكان يكتفي باللمحة ويجترئ بالإشارة؛ كي يُثير ملكة التطلع إلى ما وراء هذه الإشارات واستشفاف ما كانت هذه الألفاظ دليلا عليه.
و لقد أحَسَّ العرب ما كان بين القرآن وبين هذه اللغة- في إطار هذه الخصائص- من صلة فتدَاعَى الناس إلى الشِعر العربي يدرسونه و يكشفون عن خصائصه رجاء أن يُعينهم ذلك كله على فهم معنى النص القرآني فهمًا تتكشف لهم به معانيه وتتضح لهم به مقاصده.