; اللغة العربية هل ستموت ؟ (۱-۲) | مجلة المجتمع

العنوان اللغة العربية هل ستموت ؟ (۱-۲)

الكاتب ماجد بن جعفر الغامدي

تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010

مشاهدات 69

نشر في العدد 1931

نشر في الصفحة 48

السبت 18-ديسمبر-2010

اللغة وعاء الثقافات فهي تشكل تركيبًا سطحيًا دالًا على معان عميقة، فأي لغة هي عبارة عن مفردات تعكس كمية من المعاني العميقة، فعندما تستبدل بترجمة وعبارات من لغة أخرى فإنها لا تعكس نفس المعاني العميقة، حتى ولو كان المقابل اللفظي واحدًا والترجمة صحيحة.

تحولت العبرية من لغة دينية ميتة إلى لغة تدرس من الروضة حتى الدكتوراه.

الدول التي يتم فيها تسجيل عدد براءات إختراع أكثر هي التي تدرس العلوم بلغتها.

دلالات شعورية وأخيلة وظلال معنوية متنوعة تعكسها الألفاظ الأجنبية على ثقافتنا.

ففي هذا المقابل اللفظي دلالات شعورية وأخيلة وظلال معنوية متنوعة وبالطبع هي تابعة لمصدر اللغة، فهذه الألفاظ الأجنبية تعكس ظلالًا أخرى غير ثقافتنا المحلية ومسلماتنا الأصلية وغير الدوافع والقيم الشعورية المحركة للناس، فمثلًا: لفظ أجنبي معين قد يعني: التحرك نحو الحرية والانطلاق واللامبالاة، فهي بهذا الحجم غير الحجم الموجود لدينا في ذات الدلالة اللفظية بالترجمة الحرفية في اللغة العربية فنحن نؤمن بالحرية في أطر غير أطرهم، نحن نحتاج إلى حملة قيمية تتبنى فكرة الاعتزاز بالهوية واللغة العربية كجزء من ذلك، هنا تجربتان في التاريخ القريب تؤكد هذا المعنى وهما: النموذج الفرنسي والنموذج اليهودي.

النموذج الفرنسي

ففي فرنسا وفي عهد الرئيس ميتران» كان لدى الفرنسيين شعور بأن اللغة الفرنسية قد أصبحت مهددة وتعاني من التراجع على الصعيد العالمي، مع انحسار الاستعمار المباشر، وبسبب ذلك فإن دولة فرنسا غدت في مصاف الدول ذات المرتبة الثانية في العالم بعد أن كانت على مر التاريخ من دول الصف الأول دائماً، وبدأت الحركة الفرانكفونية تجاهد لبقاء نفوذ الثقافة الفرنسية في العالم بعد انحلال إمبراطوريتها، فقامت عدة مراكز إستراتيجية بدراسة سبب هذه المشكلة، ووصلت إلى أن أحد أسبابها ضعف اللغة الفرنسية وقلة انتشارها في العالم بعد هيمنة اللغة الإنجليزية، فقاموا بإنشاء مشاريع طويلة الأجل لتقوية اللغة الفرنسية ونشرها في العالم أجمع، وبعد سنوات طويلة كانت تلك النتيجة المثمرة والتي لربما ترون ما وصل إليه الكيان الفرنسي الآن واعتزاز الفرنسيين بلغتهم، بل حتى إن النظام الفرنسي يمنع الكتابة على لوحات الشوارع والمحلات التجارية بأي لغة أخرى غير الفرنسية.

النموذج اليهودي

أعجبني جدا هذا النموذج، على الرغم من أن فكرته في الأساس كانت للمساعدة على قيام الكيان الصهيوني، وهنا أستعيد عبارة مفكر يهودي قالها في نهاية القرن التاسع عشر على مشارف إعلان الدولة اليهودية، قال اليعازر بن يهوداء: لا حياة الأمة دون لغة، وبدأ تنفيذ مشروع استمر ٥٠ عاما، تحولت العبرية خلاله من لغة دينية مينة إلى لغة تدرس من الروضة حتى الدكتوراه في علوم الفضاء والطب وغيرهما فنجحت اللغة وتجسدت الأمة.

استخدام اللغة الأجنبية في العلامات التجارية

يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي في كتاب وحي القلم المجلد الثاني: ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمرها في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة التي يستعمرها..

فالأمم في سلّم الحضارات منها من هي في الأعلى، وأخرى هي دون فالتي بالأسفل تتلقى منتجات الأمم المتحضرة بشيء من التسليم والقبول، بدون قياس أو اختبار، وإنما تلقي المنبهر المعجب والراضي بها تمامًا، وبناء على ذلك يعمد بعض التجار إلى استثمار هذه الظاهرة بوضع مسميات تجارية بلغة الحضارة المتفوقة، فإنهم يسوقون أنفسهم تحت عنوان هذه الحضارة المتقدمة.

قد نتفهم نوعًا ما انتشار تلك الشركات في عدد من دول العالم فتتخذ هذه الاختصارات الغربية، ولكن أيضًا نحن العرب والمسلمين لنا اعتزازنا بلغتنا، فكم نتمنى من هذه الشركات تقديم شيء من الاحترام للشعوب العربية بأن تكون أسماؤها عربية وفي المقابل هل تستطيع تلك الشركات أن تضع مسمياتها بلغة عربية في بلاد الغرب؟ ومن جهة أخرى، فهناك بعض الشركات ليس لها أي إمتداد خارج البلاد العربية أصلًا، فهل من المعقول أن تضع أسمًا تجاريًا إنجليزيا!!

ولعل هذا المعنى المهم للغة العربية وتأثيرها على هوية الأمة هو الذي دفع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليوجه المسلمين حين انفتحت الأمة المسلمة على ثقافات الأمم الأخرى بعد الفتوحات الإسلامية حيث قال لهم: إياكم ورطانة الأعاجم وهذا المعنى أيضًا للتأثير اللغوي هو الذي دفع المسلمين في الزمن الأول نحو ترجمة العلوم الأجنبية التي احتاجوا إليها من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية، فكانت العربية هي لغة المنهج ولسان التعامل بين المسلمين.

الإعجاب بالهوية

المسميات تعكس الهوية، فالدافع هو إعجاب بالهوية فإعجاب الفرد بالفرد أو الشعوب بالشعوب هو في أصله إعجاب بالهوية، وذلك يجعل القائمين على هذه المؤسسات يظهرون إعجابهم بتلك المسميات: لأنه من الصعوبة بمكان أن يُشبع إعجابه بما أن يسمي يُخالف عرف المجتمع العام، فمن الصعب ابنه جون» أو «توم» أو «روبرت» اجتماعيًا لا يستطيع أن يُعبر عن هويته الغربية بشكل مباشر فيختار وسائل غير مباشرة مثل لباسه أو شركته.

وقد تظن بعض الشركات أن المسمى الإنجليزي لها سيكسبها ثقة أكبر لدى المجتمع، وأنها ذات رقي، وهذا حقيقة دلالة عقدة نقص داخلية وعدم ثقة فيما تطرحه هذه الجهات، 

التفوق الثقافي

إحدى الدراسات أكدت أن الدول التي سجل فيها عدد براءات اختراع أكثر هي التي تدرس العلوم بلغتها.

التعليم في كل بلدان العالم بلغتهم الرسمية الصين بالصينية روسيا بالروسية اليابان باليابانية، المحتل الصهيوني يُعلم بالعبرية وهم لا يتجاوزن خمسة ملايين نسمة حتى أن الطلبة الفلسطينيين في تل أبيب يدرسون في جامعات «إسرائيل» بالعبرية !!

من المفارقات أنه في حين تتعرض اللغة العربية وحرفها للإهانة والإزدراء في أغلب أقطار العالم العربي، فإن بعض الدول غير العربية لا تزال تتمسك بالحرف العربي في لغتها إيران، پاکستان، افغانستان ويسمونه هناك الحرف الشريف، لأن لغة القرآن كتبت به.

العربية ودقة التعبير

فاللغة العربية، هي لغة حية وقادرة على التكيف مع المستجدات، فهي بحر كبير- كما يقول شوقي- ولك أن تعلم اتساعها عندما جمع الفيروز آبادي» صاحب القاموس المحيط، عددًا من مترادفات الأسماء العربية في كتاب طريف أسماه: «الروض المسلوف».. فيما له اسمان إلى ألوف، وذكر فيه: خمسمائة أسم للأسد، ومائتي اسم للحية، وثمانين أسمًا للعسل.

والمسألة ليست مجرد جمع ترادفات مكررة معظمها مما هجره العرب في الاستخدام، وإنما هناك فروق لغوية دقيقة لا يعرفها إلا أهل اللغة والذوق، فمثلًا: قعد غير جلس»، والأفضل أن تستخدم قعد» بعد قيام فنقول: كان قائما فقعد، وأن تستخدم جلس بعد اضطجاع فتقول: كان مضطجعًا فجلس ولولا الإطالة لذكرنا لكم الفرق بين القلب واللب ،والفؤاد وبين راح ومضى وذهب وانطلق، وغيرها من الألفاظ الكثيرة.

واللفظ العربي بخلاف الألفاظ في اللغات الأخرى- معجز وهو يعبر بحروفه وطريقة نطقه عن أدق التفاصيل بما فيها المشاعر الإنسانية بما يجعلك متوحدًا مع الكون في تناغم فريد، فصوت الإنسان الخفيض أو الخفي قد يكون همسًا أو جرسًا أو خشفة أو همشة أو وقشة، ولكل منها استخدامه في موضعه الخاص... ومن أجمل ما قرأت عن صوت الماء: أنه إذا جرى فهو خرير، وإذا كان تحت ورق أو قماش فهو قسيب، وإذا دخل في مضيق فهو فقيق، وإذا تردد في الجرة أو الكوز فهو بقبقة، وإذا استخرج شرابا من الآنية فهو قرقرة.

الرابط المختصر :